عموا أن من أظهر خصائص الأديب حرصه على أن يصل بين نفسه وبين الناس، فأثارشيءمنهذافينفسهخاطًرامنالخواطر، أو حث عقله على الروية والتفكير، الرأي، أوتلكالعاطفةأوذلكالخاطرفيدفٍترمنالدفاترأوعلىقطعٍةمنالقرطاس. وإنما يحس للناس، وهو لا يشعر لنفسه وإنما يشعر للناس، وهو لا يفكر لنفسه وإنما يفكر للناس. وهو بعبار ٍة واضحة لا يعيش لنفسه وإنما يعيش للناس، ويضللها أقبح التضليل، معتدلالرأيفينفسهفهو شقي تعس محزون، يحب أن يعلن إلى الناس ما يجد من شقاء وتعس وحزن، وأحبهاقليًلاأوكثًيرا، فهويُسجلمايحسومايشعر وما يفكر ليحفظه من الضياع، وليستطيع العودة إليه من ح ٍين إلى حين كلما خطر له أنيستعرضحياتهالماضية، والذاكرةقصيرةضعيفة، فِلَملايسجلخواطرهوعواطفهوآراءهالتي يتكون منها تاريخه الفردي الخاص؛ أديب ويعللها بهذه الألوان من الت َّ ِع َّلات، لايستطيعأنيعيشإلاإذاكتب، يكتبلأنهمحتاج إلى الكتابة كما يأكل ويشرب ويدخن لأنه محتاج إلى الطعام والشراب والتدخين، وهو حين يكتب قلما يفكر فيما يَحسن أن يكتب، وما ينبغي ألا يعرفه القرطاس أو يجري به القلم، كما أنه حين يأكل ويشرب قلما يفكر فيما يلائم صحته وطبيعته ومزاجه من ألوان الطعام والشراب وأصناف التبغ، إنما هي حاجة تضطره إلى الحركة، فيتحرك وتدفعه إلى العمل فيعمل، وأكبرالظنأنهصحيح، فيجبأنيكونصاحبيالذي أريدأنأتحدثإليكعنهأديبًا، أو بعبار ٍة أدق في الصورة الأدبية التي يظهر فيها ما أحس وما شعر وما قرأ وما رأى وماسمع. وكانيجدمشقةشديدةفيإخفاءتفكيرههذاعلىالناس، فكث ًيراماكانيقول لأصحابه إذا رأى شيئًا أسخطه أو أرضاه: ما أخلق هذا الشيء أن ينشئ صورة أدبية ممتعة للسخط أو للرضاء! وكان يقضي نهاره في السعي والعمل والحديث حتى إذا انقضى النهار، وتقدم الليل وفرغ من أهله ومن الناس وخلا إلى نفسه، فإذا القلم قد سقط من يده، فقدكانيكتبنائًماكماكانيكتبيقًظا، ينمق هذه ويدبج تلك، كما كان يفعل حين كانت تجتمع له قواهالعاملةكلها، وكث ًيراماكانيحدثأصدقاءهبأطراٍفغريبةقيمةمنهذهالفصول والمقالاتالتيكانتتمليهاعليهأحلامهفيجدونفيهالذةومتاًعا. وكث ًيراماكانيقرأعليهمفصوًلامنالنثرومقطوعاتمنالشعرأملتهاعليهيقظته، أديب ثم يمتنع عليهم ويلح في الامتناع؛ فهوكانيخافالمطبعة ويُ ْكبرها ويحيطها بشيءٍ من التقديس غريب، وكان يتحدث بأن ما يقدم إلى المطبعة من الآثار المكتوبة أشبه شيءٍ بما كان يقدمه الوثنيون القدماء إلى آلهتهم من الضحية والقربان، وبما يتقدم به الآن المؤمنون المترفون إلى إلههم من الصلاة والدعاء، فمن الحق أن تُصطفى الضحية وأن يُتخير القربان، الدعاءصورةللقلبوالعقلجميًعا. وأنه لم أو يسطر عليه صورة قلبه وعقله. فما زالت الآماد بينهوبينالمطبعةبعيدة، فليكتب إذن لنفسه لا للمطبعة، فإذا ضاق بنفسه وبما تملي فليظهر أصدقاءه على شيءٍمنهولُيرِضهذهالحاجةالقويةالتينحسهاجميًعاإلىأننشركالناسفيمانجد منح ٍّسأوشعور. أوحينيسألهأصدقاؤهعماأحدثبعدهم، وكانحياؤهيمنعهمن إظهار عقله وقلبه، وكانتحاجتهمشديدةإلىأنيروانفسهكما كانقبيحالشكلنابيالصورةتقتحمهالعينولاتكادتثبتفيه، وكانإلىالِقصر أقربمنهإلىالطول. فزادت بعض أطرافه حيث كان يجب أن تنقص، ونقصت حيث كان يَحسن أن تزيد، منبطح غال في الانبطاح، بل لم يكن جاوز الثلاثين، كانعلىِقصرهمقوسالظهرإذاقام، منحنيًا إذا جلس، إنماكانمنحرف أديب وقلماكانتعيناهالصغيرتانتستقرانبينجفونه الضيقة. ولكنهمعذلكلميكنيخلو من نبرات حلوة تجري عليه إذا قرأ شيئًا فيه تأث ُّ ٌر وانفعال، وكث ًيراماحملذلكالناس عامة، علىأنيضيقوابهويجتنبوهإذالقوهفيقهوٍةأوناٍدأوملعٍب مسلًكاإلىنفسي، ومنزًلامنقلبي؛ كانيزورنيفأنصرفإليهعنكلشيءوأقضيمعه الساعات، فإذاتركنيخيلإلي َّأنيلمأقِضمعهإلااللحظاتالقصار. وكنتإذاأعياني الدرس واحتجت إلى الرياضة أو الراحة آثرت زيارته والتحدث إليه والاستماع له على كل فقد عرفته في القاهرة قبل أن يذهب إلى باريس، ثم أدركته في باريس بعد أن سبقني إليها، عرفتهمصادفًةوكرهتهكرًهاشديًداحينلقيتهلأولمرة، حريًصاعليهامشغوًفابهامعتزًماألاأضيعحرًفاممايقولالمحاضرون، فإنيلمصغذاتليلةإلىالأستاذوإذابصوٍتمنورائي ينطلقبالحديثهادئًا، وأضيقبهذاالصوتويضيقبهصاحباياللذان يكتنفاني. فنلتفت إلى صاحب الصوت نطلب إليه الصمت فلا يسكت إلا ريثما يستأنف الحديث، حتى إذا انتهت المحاضرة وخرجنا من غرفة الدرس رأيناه قد وقف لنا ينتظرنا، أديب وقال في صو ٍت ما نشك أن الأستاذ قد سمعه: »وماذا تريدون أن تسمعوا؟ ولكنكم معذورون، فكل شيء عندكم قيم، واجتهدنا بعد ذلك في أن نجتنب مكانه من غرفة المحاضرات وأن نختار لأنفسنا مجلًسابعيًدامنهأقصىغايةالبعد، تركناهولكنهلميتركنا، فلم نكن نخرج من محاضرة حتى يعرض لنا ويأخذ بجبتي أو قفطاني وهو يسألني: »أأعجبتك المحاضرة؟« فإن قلت: »نعم« قال: »وماذا أعجبك منها؟ وهل فهمتها على وجهها؟« وكان يقول لي: »هون عليك من هذا الحرص على المحاضرات ولا تتهالك عليها هذا التهالك، فهي أقل غناء مما تظن، « فلما ألح علي َّ في ذلك سألته: وإذا كنت ترى هذا الرأي فما اختلافك إلى الجامعة؟ وما استماعك للمحاضرات؟ وما تهويشك علينا بصوتك العالي وحديثك الذي لا ينقطع؟ فضحك وقال: الجامعة شيء جديد أحب أن أراه، وقد سئمت القهوة، ولو لم يكن في الجامعة إلا أنت وأصحابك هؤلاء الذين تتفتح عقولهم للعلم الحديث فيتلقون ما يسمعون في كلف ونهم مصدرهما الجهل العميق، لكان هذا كافيًا لأن أختلف إلى الجامعة وأستمع للمحاضرات، ثم سألني ذات يوم: أين تقيم؟ أجبته: أقيم في حي كذا، قال: ومع من تقيم؟ قلت: مع جماعة من الأهل والأصدقاء كلهم يطلب العلم في الأزهر أو في المدارس المدنية، فأنا لا أحب مجالس الطلبة، ومن أن نلتقي في نظام وإطراد، دون أن تجد في ذلك وقدهممتأنأردعليهمعتذًرا، فلم أكن أستطيع أن أسهر ولا أتعرف إلى أحد دون إذن من أخي، وكان علي َّ أن أغدو مع الفجر إلى درس الأصول، وأسرتي في الريف. وجلس 11 أديب