تحاول هذه الدراسة أساساً الوقوف على مظاهر الثبات والتغير في العادات الاجتماعية المرتبطة بدورة الحياة لأهل قطر . واختيرت ( الخور ) في الشمال كي تجرى فيها دراسة انثروبولوجية مكثفة من أجل الوقوف على مظاهر الثبات والتغير بالنسبة للعادات الاجتماعية المرتبطة بثلاث مراحل هامة من دورة حياة الفرد وهي : الميلاد - الزواج – الموت . وفيما يلي عرض تحليلي لخطوات هذه الدراسة : أولاً ) أهداف الدراسة ومنهجها : وهذه القبيلة من القبائل الأصيلة الخاصة بقطر ، ولعل من أهم تلك التغيرات التي تشهدها مدينة الدوحة في السنوات العشر الأخيرة ارتفاع نسبة معدل الهجرة وتركز معظم المهاجرين بها ، بالإضافة إلى النهضة التعليمية التي تشهدها في السنوات الأخيرة وتركز معظم دور التعليم بمختلف مستوياتها في المدينة بما فيها جامعة قطر بكلياتها الخمس التي فتحت أبوابها للبنين والبنات على السواء . وقد دعت هذه التغيرات المتلاحقة إحدى الباحثات القطريات المرموقات كي تخصص رسالتها لدرجة الدكتوراه من أجل دراسة « ديناميات التحديث في المجتمع القطري) . والتي بدأت تأخذ بأسباب التحضر والتحديث يتعايش فيها القديم والحديث معاً دراسة وصفية غير تفسيرية في المقام الأول ). وحيث أن الدراسات الوصفية هي تحليلية كذلك ، ومع أن هناك اتفاقاً على أن الإثنوجرافيا تهتم أساساً بالدراسات الوصفية ، ولا شك أن مثل هذه الدراسات لها أهميتها من الناحيتين النظرية والتطبيقية بالنسبة للمجتمع القطري . والتأثيرات التي تحدثها عمليات التغير في جوانب الثقافة اللامادية ( المعنوية ) ، خاصة وأنه لم تجري في هذا الصدد إلا دراسات قليلة للغاية تناولت جوانب محددة تتعلق ببعض العادات السائدة في المجتمع القطري عولجت من منظور الأغنية الشعبية أو الفن الشعبي. فالأمل يحدونا في أن نتائج مثل تلك الدراسات والبحوث يمكن أن تفيد منها الهيئات والمؤسسات الحكومية والأهلية من أجل ترشيد العادات الاجتماعية ومظاهر السلوك العام في المجتمع ، والتمسك بالعادات التي تساعد على تحقيق التنمية والتقدم وتعميق وتدعيم أركانها ، لاسيما و أن تلك العادات الاجتماعية تمثل قوة مجتمعية - كما يقول عالم الاجتماع سمنر لا يمكن أن يستهان بها . ولا شك أن أخطر ما يهز بناء المجتمع هو أن يعاد تنظيمه ، لاسيما ابتداء من سبعينات هذا القرن حيث تزايد الدخل القومي من البترول تزايداً واضحاً أخذ يزداد عاماً بعد آخر ، وانعكست ثمار تلك الزيادة في تحسين مستويات الحياة المادية في جوانبها المختلفة . . . نقول لعل من أبرز تلك المعوقات أنماط السلوك الاجتماعي التي ظلت جامدة في الوقت الذي يجب فيه أن تتغير أو على الأقل أن تكون عالية المرونة لمقابلة مطالب الإصلاح. إن العلم الاجتماعي سواءً أكان انثروبولوجيا أو سوسيولوجيا ، هو أقدر العلوم الإنسانية التي تكشف لنا عن تلك المعوقات والمشكلات . علم الاجتماع يمكن أن يحقق نجاحاً كبيراً في الكشف عن تلك المعوقات خصوصاً إذا تبنى المنهج الأنثروبولوجي في الدراسة لأنه الأقرب إلى طبيعة المجتمعات النامية وظروفها . والمنهج الأنثروبولوجي منهج كلي تكاملي بالضرورة يحتفظ بالنظرة الكلية للحياة الاجتماعية . وهذا يعني أن « كل ما هو واقع في المجتمع يعتبر مرتبطاً بالآخر ارتباطاً عضوياً ، هو أيضاً متعدد الجوانب وكل محاولة لتفتيت الإنسان الفرد إلى أجزاء لا تفضي إلى أي معرفة حقيقية ، فالمجتمع كل والإنسان كل ، وهذا هو الذي فرض على المعرفة أن تكون كلية أيضاً . وبالتالي لا يستقيم فهمنا لعمل الثقافة إلا إذا فهمناها من الزاوية الكلية ، أما عن منهج الدراسة فقد قام الباحث منذ البداية يجمع كافة البيانات والمعلومات الجغرافية والتاريخية والاجتماعية عن منطقة الخور حيث تعيش قبيلة المهاندة ( حوالي ٨٠٪ سكان القبيلة ) ولذلك يطلق عليهم مهاندة الخور ، وذلك قبل النزول إلى الميدان من ورغم ضآلة تلك البيانات ، وعلى الملاحظة الجيدة من ناحية أخرى . الذين كانوا له حامين وراعين وأخذوا بيده إلى المنطقة ، حيث كانت لديهم القدرة على أن يصفوا للكاتب بدقة الوضع الذي كانت عليه العادات الاجتماعية في الماضي ) منذ ثلاثين عاماً ) أي قبل اكتشاف البترول ، وذلك فيما يتعلق بثلاث مراحل هامة من دورة الحياة وهي : مرحلة الميلاد ، والوفاة . كما قام الكاتب بنفسه بحضور بعض حفلات الميلاد واحتفالات الزواج ومراسيم وطقوس الوفاة ، و تسجيل وجمع كل العادات الاجتماعية الحالية المتعلقة بتلك المراحل حتى يمكن الوقوف على مظاهر التغير التي تكون قد طرأت عليها في الوقت الحاضر عنها في المجتمع القطري التقليدي قبل اكتشاف البترول و كان الكاتب حريصاً على أن يستقي من أخبارييه المحليين الدائمين وأيضاً من الإخباريين العرضيين دلالة ومعنى كل لفظ ومصطلح أو تعبير يجده غريباً عليه ، فالعلاقات الاجتماعية والعقائد والعمليات الفنية بل وكل شيء في حياة الأهالي الاجتماعية يُعبر عنه إما في شكل ألفاظ أو في شكل أفعال . حيث كان يعين أمامهم - دون أن ي ينبههم - بعض الكلمات أو التعبيرات مع تعمده أن يذكرها بطريقة خاطئة حتى يرى ما إذا كان الإخباري منتبهاً فيصححها له، يقول مونتني وهو من الذين درسوا عادات البدائيين الأمريكيين : «لقد كان الرجل الذي معي بسيطاً أمينًا ، ولذا فقد كان ، لأن المجادلين وإن كانوا يلاحظون بمهارة ويلتقطون كثيراً من الأشياء ، إلا أنهم يصقلونها ويغلفونها تبعاً لوجهة النظر التي يرون بها الأشياء . لذا فنحن نحتاج لرجل صادق تماماً أو من البساطة بحيث لا تكون عنده ملكة التركيب • بمعنى معرفة ما كان يحدث في الزمان الماضي وما يحدث حالياً مع التأكيد على تحديد تاريخ ظهور الصور الجديدة . أما بالنسبة للبعد المكاني ، فلا يخفى أنه من بين ما يتطلبه هذا البعد مراعاة تلك الاختلافات بين الوحدات المكانية داخل المنطقة موضع البحث والدراسة والدراسة في مجموعها وصفية تستهدف أساساً تقرير خصائص ظاهرة ثقافية معنية ، وهي العادات الاجتماعية المتعلقة بدورة الحياة ، وذلك بجمع الحقائق وتفسيرها لاستخلاص دلالاتها . ويستند هذا الوصف على عدد من الأدوات المتكاملة التي تمثل جماع الخبرات الأنثروبولوجية والفلكلورية على امتداد تاريخ العلم مثل الملاحظة ( وبالدرجة الأولى الملاحظة غير المشاركة (حيث لم تمكنا الظروف من الإقامة بمنطقة البحث على مدى زمني طويل كما تستوجبه الملاحظة بالمشاركة التي تتطلب المشاركة الفعلية في كل أوجه الحياة الاجتماعية ، والاعتماد على الإخباريين أو المرشدين ، هذا علاوة على الصور الفوتوغرافية العادية والملونة التي تم التقاطها والتي تفي بمتطلبات التسجيل الأنثروبولوجي السليم . مستأنساً في تصميمها بالإطار الثقافي التخطيطي الذي أعده الأنثروبولوجيون المتخصصون في الدراسات الحقلية لدراسة الجماعات البسيطة مثل المجموعة الاستخبارية التي أعدها فو كارت ومارين Marin وهي نماذج من المجموعات العامة الشاملة للأسئلة المتعلقة بمختلف النظم التي يمكن أن يتجه إليها الباحث الأنثروبولوجي . وعلى وجه الخصوص عادات الميلاد والزواج والوفاة بعد أن تم حذف الأسئلة وتعديل بعضها بما يتلاءم مع ثقافة المجتمع القطري • وقد نوهنا في السابق بأن الدراسة التي قمنا بها وصفية أساساً اعتمدت على ملاحظة السمات الثقافية والظواهر والنظم بصورة مباشرة في ضوء الدراسة المونوجرافية ( المفردة ) لمهاندة الخور والاعتماد على الإخباريين الأميين كبار السن أساساً ، كلها وما إليها تعتبر روافد خصبة ومصادر غنية تعكس العادات الاجتماعية والطرق الشعبية لدورة الحياة ، وهي كلها تدخل في مجال الوصف غير المباشر ويتضح من هذا أن منهج الوصف ذو شقين وأن جانباً واحداً من هذا الوصف ، وقد لا يموت أحد مثلاً حين يكون الباحث في الميدان ، فهنا لا تجدي الملاحظة المباشرة ، ويلجأ الباحث إلى الملاحظة غير المباشرة أي ملاحظة ظواهر أُخرى مرتبطة بها أو القيام بزيارة المدافن وملاحظة عدة أشياء جزئية ثم السؤال والاستقصاء الذي يعتمد على الذاكرة أكثر مما يعتمد على العين المجردة ، ذلك لأن الذي يتحرى الدقة بعينيه فقط لن يقدم إلا صورة ناقصة للحياة الاجتماعية. وأخيراً نشير إلى أن محاولة الوقوف على مظاهر الثبات والتغير في العادات الاجتماعية لدورة الحياة ، يعكس أهمية استخدام المقارنة التاريخية لمعرفة الوضع الذي كانت عليه تلك العادات في الماضي أو في المجتمع القطري التقليدي والمجتمع الحديث . وتفترض الدراسة الحالية في استخدامها للمقارنة التاريخية نقطة معينة يفترض أنه قد حدث عندها التغير ، وهي ما يطلق عليه نقطة الصفر . وهذه النقطة هي اكتشاف البترول منذ حوالي ثلاثين عاماً ثم تداوله تجارياً وتسويقه دولياً وعلى نطاق واسع وضخم بعد ذلك . وإن تفاوتت قوة تلك التأثيرات بطبيعة الحال من منطقة ثقافية إلى أخرى . ومعنى هذا أن المنهج التاريخي يمكن أن يصف لنا الظاهرة الاجتماعية وتحولها أو ما يطرأ عليها من تغير من نقطة ابتداء معينة إلى نقطة انتهاء محددة ، ويستتبع عدم الحاجة إلى تفسير الظاهرة الاجتماعية بالالتجاء إلى التاريخ الظني أو التأويل السيكلوجي ======== ثانياً ) الثبات والتغير في عادات دورة الحياة : رؤية شاملة عاش أفراد المجتمع القطري فترة طويلة من حياتهم في ظل نظم وأوضاع اقتصادية وسياسية واجتماعية تقليدية ثابتة نسبياً ، ومجتمعات الخليج العربي التي تشكلت قبل اكتشاف البترول ، ولعل السبب في ذلك هو أن كل هذه الإمارات تتغذى على احتياطي بشري واحد هو قبائل شبه الجزيرة العربية. وهذا النمط من المجتمعات البدوية القبلية ذو تنظيم اجتماعي و نشاط اقتصادي وبناء للسلطة يختلف كل الاختلاف عن تلك التنظيمات الاجتماعية والنشاطات الاقتصادية وأبنية السلطة بين الجماعات التي تسكن المناطق الريفية أو الحضرية الصناعية والمجتمع البدوي القبلي تحكمه قيم ونظم وأنماط سلوكية معروفة ومحددة . ويكاد يكون هذا النظام هو النسق المشترك في البداوة العربية كلها. ومن خلال هذا احتفظ البدوي بوحدته الثقافية والحضارية . ولعل هذا هو السبب في أن ولاء البدوي لا ينصرف إلى المكان ، وإنما يتجه إلى الزمان . كما أن العصبية جزء لا يتجزأ من النظام الاجتماعي البدوي بفضل ما تتميز به من قوة حلقية واجتماعية قادرة على حماية كيانه القبلي. هذه العصبية هي التي تنظم سلوك الأفراد وتعمل على التضامن والانسجام وتلبي مطالب البدوي كلها ، كما يترتب عليها التزامات وأدوار اجتماعية يقوم بها الأفراد والجماعات لتدعيم هذا النسق . وتتجلى العصبية في مظاهر اجتماعية متعددة كعصبية الأقارب وذوي الأرحام ، وعصبية التضامن والتحالف القبلي ، وعصبية الجوار ، وعصبية العادات والتقاليد . .. الخ . وتتأثر عاداته وتتشكل وفقاً لها . فالزواج يقوم على أساس الرابطة الدموية أو العصبية ، وهذا يفسر مغالاة بعض القبائل والعشائر في حرصها على نقاوة عصبيتها فلا يمكن مثلاً للقبيلة الأصيلة أن تزوج بناتها للقبائل غير الأصيلة والعائلة هي نواة المجتمع ، فهو يتبوأ مكانه رفيعة ، وهي قوانين التعامل الاجتماعي بين أفراد المجتمع التقليدي خصوصاً في المجتمعات التي لا تشكل دولة بالمعنى المتعارف عليه سياسياً ، وليست من صنع الفرد ، حيث يمكن مشاهدة ذلك بسهولة في مظاهر العمران المختلفة : في المباني وفي اقتناء أحدث سلع الاستهلاك والترف على اختلاف أنواعها ، وظهور أنشطة اقتصادية جديدة لم تكن موجودة في المجتمع التقليدي ، واختفاء أنشطة تقليدية أخرى مثل الغوص على اللؤلؤ ، وقد أخذت التجارة الآن وضعاً جديداً في المجتمع القطري عامة يستند على أسس مغايرة وتنظيمات مختلفة عن تلك التي قامت عليها قديماً . كما أنشئت كثير من البنوك والمؤسسات المالية . كما كان على الوحدات القبلية والعرفية الانتظام في علاقات جديدة في النسق السياسي الحديث الذي يقوم على نظم الإدارة المحلية والتنظيمات الإدارية بالشرطة والقضاء ، كما أن طبيعة المشروعات الاقتصادية الحديثة التي ظهرت بعد اكتشاف النفط أدت إلى ظهور نظام جديد للتأمين يختلف تمام الاختلاف عن نظام التأمين الاجتماعي والاقتصادي التقليدي الذي كانت تمارسه العائلة والقبيلة ، مما أدى إلى تقلص وتلاشي الحاجة شيئاً فشيئاً إلى التمركز الإقليمي للوحدات القبلية والعرفية ، وظهور الصورة الحديثة للأسرة الزواجية أو الصغيرة Conjugal or Nuclear Family بعد أن كانت العائلة الممتدة Extended family هي نمط التنظيم العائلي السائد . والعمل الحر ولم تعد التنشئة الاجتماعية تنشئة صارمة أو متسلطة يمارس فيها الأب الدور الرئيسي باعتباره رمز السلطة المطلقة ( Authoritarian figure) بحيث يقوم بتحديد أنماط السلوك المرغوبة وغير المرغوبة للأفراد في نطاق الأسرة أو المجتمع ، ويفرض هذه الأنماط على الأبناء وأصبحت عملية التطبيع الاجتماعي أو التنشئة الاجتماعية أكثر مرونة ، وابتدأ يظهر ما يمكن أن يسمى بصراع الأجيال أو صراع بين القديم والجديد . وتغيرت النظرة إلى إلى المرأة إلى حد ما - حيث لم تعد فحسب أداة للاستمتاع في علاقة الزواج ، وذلك تحت تأثير التعليم الذي أعطاها ومازال سيعطيها دفعة أثر دفعة ستساعد على كسر كثير من القيود والأغلال الاجتماعية التي تحد من مشاركتها كعضو منتج فعال في الهيئة الاجتماعية باعتبارها تشكل نصف أفراد المجتمع . هذه الرؤية الشاملة - في نظر الكاتب - تعد ضرورية وهامة لفهم مظاهر ( التغير النسبي ) عادات دورة الحياة ، تلك العادات التي لا تنفصل عن بناء المجتمع الكلي . وثالثة ابتدأت تصيبها رياح التغيير . مجتمع يتعايش فيه القديم والجديد جنباً إلى جنبب ،