المبحث الأول: الإطار العام للمؤسسات الوطنية لحقوق الانسان تعد حقوق الإنسان حجر الزاوية في بناء المجتمعات الحديثة، وقد شهد العالم منذ منتصف القرن العشرين تطورا ملحوظا في مجال حماية وتعزيز حقوق الإنسان، وذلك من خلال مجموعة من المواثيق والاتفاقيات التي أرست مبادئ عالمية لحماية كرامة الإنسان وضمان حقوقه الأساسية. المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان هي هيئات مستقلة تنشأ بموجب القوانين الوطنية أو الدساتير، وتهدف إلى تعزيز وحماية حقوق الإنسان داخل الدولة من خلال اليات متعددة تشمل المراقبة، والتدخل لحماية الأفراد من أي انتهاكات محتملة. وقد جاءت مبادئ باريس لعام 1993، لتحدد الأطر العامة لعمل هذه المؤسسات، وتتنوع أدوار هذه المؤسسات بين الاستشارية والتنفيذية، وتعمل على نشر الوعي بين المواطنين حول حقوقهم وواجباتهم، كما تلعب دورا رقابيا على تنفيذ الدولة لالتزاماتها الدولية في هذا المجال، إما عن طريق التحقيقات أو من خلال الوساطة بين الأفراد والجهات المعنية. وتطوير التشريعات بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية وحماية الفئات الهشة. المطلب الأول: مفهوم المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان أصبح تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها من القضايا المحورية التي تحظى باهتمام متزايد على المستويين الوطني والدولي، فلم يعد دور الدولة يقتصر فقط على إرساء القوانين والمواثيق التي تكفل الحقوق والحريات الأساسية، بل بات من الضروري إنشاء اليات مؤسسية قادرة على ضمان تنفيذ هذه القوانين ومراقبة مدى احترامها في الواقع العملي، برزت المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان كأحد أهم الأدوات الفعالة التي تسهم في ترسيخ مبادئ العدالة والمساواة، وتتمثل مهمتها الأساسية في تعزيز وحماية الحقوق والحريات من خلال مجموعة من الاليات التي تشمل المراقبة، والدفاع عن الضحايا الذين تعرضوا لانتهاكات حقوقية، مما يمنحها دورا استراتيجيا في تطوير السياسات الوطنية الخاصة بحقوق الإنسان وضمان توافقها مع المعايير الدولية. ويعود الإطار المرجعي لعمل هذه المؤسسات إلى مبادئ باريس لعام 1993 المذكورة سلفا، والتي وضعتها الأمم المتحدة لتحديد المعايير الأساسية التي يجب أن تلتزم بها المؤسسات الوطنية حتى تتمكن من أداء دورها بفعالية، ومنحها صلاحيات واسعة تمكنها من إجراء التحقيقات وإصدار التوصيات بشأن القضايا الحقوقية المطروحة. حيث تعمل على تقييم مدى التزام الحكومات بتنفيذ التزاماتها الحقوقية، وتسعى إلى إيجاد حلول لها إما عبر التفاوض مع الجهات المعنية أو من خلال الوساطة والتوصية باتخاذ إجراءات تصحيحية، تضطلع المؤسسات الوطنية بدور رئيسي في نشر ثقافة حقوق الإنسان عبر تنظيم الحملات التوعوية، وإعداد الدراسات والأبحاث التي تهدف إلى تعزيز الوعي العام بأهمية الحقوق والحريات الأساسية. ومن بين المهام الجوهرية التي تضطلع بها هذه المؤسسات أيضا تقديم المشورة للحكومات بشأن التشريعات والسياسات المتعلقة بحقوق الإنسان، من خلال اقتراح سياسات تكفل لهم الحماية وتعزز من إدماجهم داخل المجتمع. فهذه التحولات تفرض تحديات جديدة تتطلب تدخلا سريعا وفعالا من المؤسسات الوطنية لضمان عدم المساس بحقوق الأفراد، ورغم الأدوار الحيوية التي تؤديها، ضعف الإمكانيات المادية والبشرية، سواء من خلال توفير الموارد المالية اللازمة أو تعزيز استقلاليتها، الفرع الأول: تعريف المؤسسات الوطنية ودورها في تعزيز وحماية حقوق الانسان تمت مناقشة فكرة إنشاء المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان لأول مرة في المجلس الاقتصادي والاجتماعي عام 1946، وقد دعا المجلس انذاك الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى دراسة إمكانية تأسيس مجموعات إعلامية أو لجان محلية لحقوق الإنسان داخل كل دولة، ازداد التركيز على دور هذه المؤسسات الوطنية في دعم التنفيذ الفعال لتلك المعايير، وتؤكد هذه المبادئ على ضرورة أن تضطلع المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان بعدة وظائف أساسية، توفير المعلومات حول حقوق الإنسان ليكون بمثابة مصدر موثوق للحكومة والمجتمع. إنشاء أجهزة استشارية محلية أو إقليمية، عرفت لاحقا بـ "مبادئ باريس". ثم تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 48/134 الصادر في 20 ديسمبر 1993. إذ تم لأول مرة الاعتراف رسميا بالمؤسسات الوطنية المتوافقة مع مبادئ باريس كجهات فاعلة وأساسية في تعزيز وحماية حقوق الإنسان، من أبرزها مبدأ عدم قابلية حقوق الإنسان للتجزئة وضرورة ترابطها، إلى جانب وضع جدول أعمال طموح لتعزيز حقوق الإنسان في القرن الحادي والعشرين، كما جدد التأكيد على الدور المحوري للمؤسسات الوطنية في تقديم المشورة للسلطات المختصة، من أهمها ضرورة توحيد مراكز وأنشطة المؤسسات الوطنية مع المبادئ المتعلقة بوضعها القانوني وفق مبادئ باريس. على أهمية إنشاء وتعزيز مؤسسات وطنية لحقوق الإنسان تتسم بالاستقلالية والتعددية، أولا: تعريف المؤسسات الوطنية لحقوق الانسان يمكن تعريف المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان بأنها هيئات تنشأ بموجب قرار من رئيس الدولة أو إحدى الجهات المختصة داخلها، حيث تقدم اراء وتوصيات وتقارير إلى الجهات الرسمية، وتشجع الدول على الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والمصادقة عليها، وتعد هذه المؤسسات عنصرا فاعلا في ضمان احترام حقوق الإنسان، نظرا لدورها الأساسي في معالجة الانتهاكات وتعزيز الوعي المجتمعي بهذه الحقوق. كما تعرف المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان بأنها كيانات تنشئها الدول بموجب الدستور أو عبر تشريعات أو مراسيم رسمية، إلا أنها تتمتع باستقلالية تامة عن السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، رغم خضوعها – بشكل مباشر أو غير مباشر – للمساءلة أمام السلطة التشريعية، بل تعتمد على إطار قانوني وتنظيمي رسمي يحدد مسؤولياتها وصلاحياتها داخل الدولة، وهو أمر طبيعي نظرا لكون الدول نفسها قد تكون موضع شكاوى متعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان. ثانيا: دور المؤسسات الوطنية في تعزيز وحماية حقوق الانسان تقوم المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان بعدد من الأدوار وفقا لما هو منصوص عليه فى مبادئ باريس كالتالى: 1- تعزيز حقوق الإنسان مما يسهم في ترسيخ القيم الحقوقية المستمدة من الأطر القانونية الدولية والوطنية. أ- التثقيف في مجال حقوق الإنسان مثل العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة . ب- ملائمة القوانين الوطنية مع المعايير الدولية 2- حماية حقوق الإنسان كما تساهم في إصلاح الأنظمة القانونية وتعزيز استقلالية القضاء ومكافحة الإفلات من العقاب. أ- رصد الانتهاكات الحقوقية بالإضافة إلى امتلاك المؤسسات الوطنية صلاحيات تمكنها من جمع الأدلة واستدعاء الشهود وزيارة أماكن الاحتجاز لضمان حقوق الأفراد. ب- التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان بل تسعى إلى تقديم تقارير موضوعية تحدد مدى صحة الادعاءات والمسؤولين عن الانتهاكات، 3- تقديم المشورة للحكومات والبرلمانات تضطلع المؤسسات الوطنية بدور استشاري للحكومات والبرلمانات من خلال تقديم تقارير وتوصيات بشأن مختلف قضايا حقوق الإنسان، سواء بطلب رسمي أو بمبادرة منها، أ- التفاعل مع المنظومة الدولية لحقوق الإنسان ب- التعاون مع المؤسسات الوطنية الأخرى والشبكات الإقليمية يعزز التعاون بين المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان تبادل الخبرات والممارسات الفضلى، ج- الشراكة مع المجتمع المدني حيث تمتلك منظماته معلومات ميدانية تساعد المؤسسات الوطنية على تطوير سياساتها وبرامجها، يمكن للمؤسسات الوطنية تقديم الدعم للمجتمع المدني عبر تزويده بالخبرات القانونية والحقوقية. د- التنسيق مع الجهات الوطنية الأخرى يجب أن تعمل المؤسسات الوطنية بالتنسيق مع مؤسسات أمناء المظالم ، 5- حماية وتعزيز حقوق الفئات المهمشة تعد المؤسسات الوطنية الية رئيسية لحماية حقوق الفئات الأكثر ضعفا، حيث تسهم في رفع أصواتهم وضمان تمتعهم بحقوقهم الأساسية. 6- تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مما يتطلب نهجا طويل الأمد وإجراءات حكومية فعالة لضمان تحقيق هذه الحقوق. 7- دور المؤسسات الوطنية في حالات النزاع وما بعده