٢- الكندى والبرهنة على وجود اللّٰه تعالى ووحدانيته وحدوث العالم : يعتمد الكندى فى محاولته إثبات الخالق للعالم على فكرة التناهى، فالعالم متناه من حيث الجسم والحركة والزمان، أى أنه حادث لا بد له من محدث هو اللّه. وقد كان أرسطوا وأكثر القدماء يسلمون بتناهى العالم من حيث الجرم أو الجسم، ولكن الكندى لا يكتفى بذلك ويقدم دليلاً - يبين تناهيه من حيث الزمان والحركة أيضًا - يعتمد على مقدمات رياضية لإثبات هذا الفرض' مخالفًا فى ذلك أرسطو الذى كان يقول بقدم العالم؛ أى عدم تناهيه من حيث الزمان والحركة : "إن هذه الأمور الثلاثة - الزمان والمكان والجسم - متلازمة + فالزمان زمان الجسم أى مدة وجوده، والحركة هى حركة الجسم وليس لها وجود مستقل، وكل حركة معناها عدد مدة الجم، فالحركة لا تكون إلا حالّة فى زمان، والزمان بدوره مقياس حركة الجسم فلا معنى له إلا إذا وجدت الحركة : ومتى ثبت حدوث واحد من هذه الأمور الثلاثة المتلازمة ثبت حدوث جميعها. ولكن الكندى يقدم دليلا آخر يؤكد تناهى أو حدوث كل من الحركة والزمان ملخصه : لو أن كلا من الحركة الماضية أو الزمان الماضى لا نهاية له لاستحال الانتهاء إلى الحركة الحالية أو الزمان الحالى، وغير ذلك فإنا لو ثبتنا انتباهنا على نقطة معينة من الحركة أو الزمان لكانت هذه النقطة من غير شك حدًا فاصلاً، فيلزم سن هذا كله أن الجرم والحركة والزمان موجودة معًا لا يسبق أحدهما الآخر، ولما كانتكلها متناهية فإن ددة وجود العالم متناهية فالعالم حادث'، وكل حادث لا بد له من محدث يخرجه من حالة العدم إنى حالة الوجود. وينبغى ألا يفرتنا أن الكندى فى فكره هذا أقرب إلى الروح الدينية منه إلى التقليد الفلسفي الذى يميل - عند الإغريق ومن تأثر بهم من فلاسفة المسلمين وغيرهم - إلى القول بقدم العالم وهو نوع من الثنائية يتنافى مع الأديان السماوية وفلسفات الوحدة جميعاً. أما فى "الوحدانية" فيتخدم الكندى فكرة منطقية : وهى أنه عندما تتعدد أفراد النوع الواحد فلا بد أن تتفق فى صفة أو صفات مشتركة (هى الجنس) وتختلف فى صفة أو صفات مميزة (هى الفصل) ، وبناء على ذلك فلو قلنا بوجود عدة آلهة للعالم لوجب أن تشترك هذه الآلهة جميعًا فى صفة الألوهية الأساسية (وهى القدرة على الخلق)، وأن يتميز كل منها عن الآخر بصفات أخرى أو فروق فردية. ومعنى ذلك أن حقيقة الإله مستكون مركبة من شىء عام يشترك فيه مع غيره وشىء خاص يتفرد به وحدد، ولئن وجدنا علة على سبيل الفرض فلا بد من البحث عن علة أخرى وهكذا ، لكن لا يمكن الاستمرار فى ذلك إلى ما لا نهاية ولا بد من الوقوف عند حد، أى القول بوجود إله هو أول. أو علة أولى لكل موجود بريثة من كل كثرة وتركيب؛ إذ الكثرة من سمات الخلق والحاجة إلى الغير وهى مستحيلة - كما هو ظاهر - بالنسبة للخالق،