لم تكن المهمة التي واجهت الشيخ زايد منذ أول يوم من توليه الحكم في السادس من شهر آب / أغسطس 1966 مهمة يسيرة بأي حال من الأحوال، إذ كان عليه أن يبني مجتمعاً جديداً. ورغم الحماس والتأييد البالغين اللذين عبر عنهما كل أهالي أبوظبي لتوليه الحكم فقد كانت فرحة الحاكم بترحيب شعبه ممزوجة بمشاعر القلق من ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه ، " وذلك لأنه تولى مسؤولية الحكم بعد مرحلة مضطربة تمكن الشيخ شخبوط خلالها من بسط السلم والأمن لفترة تقارب الأربعين عاماً . وكانت أولوياته الرئيسية هي تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في إمارة أبوظبي، ونستشف هذا من العبارة التي قالها الشيخ زايد لزائر بريطاني يدعى جون دانیلز John Daniels : أريد أن من أحقق التنمية التي تحتاج إلى خمسة أعوام خلال عام واحد لا أكثر »غير أنه أنه بـ بعد توليه السلطة حاكماً جديداً لأبوظبي واجه الشيخ زايد ضغوطاً سياسية من الأطراف ذات المصالح ، لم يواجه مثلها من قبل عندما كان ممثلاً للحاكم في العين . إذ إنها شملت كل الأمور الرئيسية؛ وبتوليه الحكم في أبوظبي فقد أتيحت له الفرصة أخيراً لتنفيذ تلك الرؤية فعلياً على النحو الذي يحقق
طموحاته وطموحات شعبه فيما يتعلق بتنمية أبوظبي وتطويرها . لام معلقاً على السياسة البريطانية نحو أبوظبي وحاكمها الجديد قائلاً :عند النظر في سياستنا تجاه الشيخ زايد أعتقد أن علينا أن نتذكر دائماً عدة عوامل ، وأنه ينظر إلى العالم كما هو الآن، وأن سياستنا الرامية إلى تحديث علاقاتنا مع حكام الخليج يجب أن تجعلنا نلتقي مع رغبة الشيخ زايد في التوصل إلى فهم جديد لعلاقتنا معه . يجب أن نبتعد عن اعتبار أبوظبي مجرد إمارة من إمارات الساحل المتصالحة، مقارنة على سبيل المثال بأم القيوين . ذات مساحة وثروة تفوقان مساحة وثروة الإمارات الست الأخرى مجتمعة . وأعتقد أن علينا أن نمد إليه يد التعاون لثلاثة أسباب هي : أن ذلك يصب في مصلحتنا المالية والتجارية، ولا يجعلها مجرد إمارة من الدرجة الثانية وسط مجتمعها الأوسع في الجزيرة العربية، عندما يحين الوقت الذي تتخلى فيه حكومة، فقد تصاعدت توقعات الحكومة البريطانية بشأن اضطلاع أبوظبي تحت حكم الشيخ زايد بدور الزعامة بين الإمارات، وكان أكثرهم تفهماً لعمق الرؤية السياسية للشيخ زايد وحرصه الشديد على التطوير، كما أدرك لام قدرة الحاكم الجديد لأبوظبي على أن يكون زعيماً للمنطقة وخاصة في وزارة الخارجية في، من القول بأن تحمس الحاكم الجديد لعملية الإصلاح مدعوماً بعوائد النفط، قد تضع عقبات في طريق تحقيق التعاون بين أبوظبي وإمارات الساحل المتصالحة الأخرى وتجعله أمراً صعباً . وأن ذلك قد يؤدي من الناحية الاقتصادية إلى تحميل الاقتصاد المحلي أعباء تفوق طاقته . وفي الأشهر القليلة الأولى من عهده كان من السهل على كل متابع أن يرى عزمه على تشجيع إخوانه الحكام على أمر لا يرضون عنه تمام الرضا، شكلت الرابط الأساسي للاتحاد الوليد الذي تحقق بعد أعوام قليلة . الأمر الثاني الذي لم
رأيهم من وجهة النظر الاقتصادية تحديداً، وهو وفي حين صار قرب لام من الأحداث في أبوظبي بصفته المقيم البريطاني فيها يجعله قادراً على فهم التغيرات التي تشهدها، كان من الصعب على رؤسائه في لندن أن يتفهموا الواقع الجديد، ومن هنا كانت وجهة نظرهم أن أفضل سبيل للتطوير هو مكتب تطوير إمارات الساحل المتصالحة الذي تسيطر عليه الحكومة البريطانية ، وليس المبادرة الشخصية لحاكم وطني إذ كان الحاكم حينئذ يوافق على خطط ضخمة للتنمية والتطوير، فقد كانوا حريصين على مراعاة مصالح الشركات البريطانية العاملة في أبوظبي والتصرف بالنيابة عنها ، في الوقت الذي يتعين عليهم فيه دعم الحاكم الجديد، فتطوير البنية التحتية كان يحمل في مضمونه رسالة سياسية، إذ أراد الشيخ زايد أن يبرهن على أن أبوظبي ملتزمة بإدخال نمط التطور الذي كانت المملكة العربية السعودية تقدم نموذجاً له أمام إمارات الساحل المتصالحة . أي قدرة أبوظبي في ذلك الوقت على الاضطلاع بالدور القيادي اللائق بها في جنوب الخليج العربي . وعلاوة على ذلك فقد استطاع الشيخ زايد من خلال تمويله الكامل تقريباً لصندوق تنمية الإمارات المتصالحة أن يبرهن على المكاسب الملموسة للتعاون بين الإمارات السبع . وفي هذا السياق كان الشيخ زايد مدركاً تماماً من خلال ما استشفه من حواراته مع إيه . وفي حين كانت الكويت والبحرين تشكلان النموذجين المحتملين للتطور السياسي، فقد ظلت الأطر السياسية التقليدية والمحلية قوية في هذه الإمارات، وكان الشيخ زايد مقتنعاً تماماً بأن الكيانات التقليدية تملك القوة والمرونة التي تمكنها من التكيف مع التغيير، لم تلفت الروح الجديدة المنبعثة من أبوظبي انتباه المسؤولين البريطانيين فحسب بل تعدتهم إلى الأمريكيين أيضاً ، فعندما تولى الشيخ زايد مقاليد الحكم في أبوظبي لم يكن للولايات المتحدة الأمريكية ممثل مقيم فيها، وفي عام 1966 أرسل القنصل الأمريكي في الظهران مذكرة سرية مطولة إلى وزارة الخارجية الأمريكية حول التطورات السياسية في أبوظبي قال فيها بالإضافة إلى موافقة حاكم أبوظبي الشيخ زايد على عقود مشروعات عديدة ، فإنه يحاول أن يشكل تنظيماً حكومياً . ومنذ أن حل محل أخيه الشيخ شخبوط حاكماًلأبوظبي في مطلع آب / أغسطس ركز الشيخ زايد جهوده بشكل تام على التنمية الاقتصادية في إمارته المتخلفة [ نسبياً] ، فالشيخ زايد لم يرث أي هيكل إداري للحكم بالمعنى المعروف . لذا فقد أصدر الشيخ زايد مباشرةً مرسوماً تأسست بموجبه نواة لحكومة يرأس معظم دوائرها شخصيات من أ أسرة آل نهيان . إمارة في طور التحول خطة عمل الشيخ زايد وبلغت الميزانية المقترحة لعام 1967 - وهي في حد ذاتها تغير جذري - 47 مليون دينار بحريني، 14 وفي عام 1966 بلغ النقد المتداول في أبو ظبي 2. وهو العام السابق لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة واعتماد عملة جديدة، وبطبيعة الحال فقد سبقت الخطة الخمسية التحولات السياسية التي شهدتها أبوظبي في أعقاب انسحاب بريطانيا في عام 1971 ، وقيام دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد تغيرت بعض أولويات تخصيص الأموال عما كانت عليه في مشروع ميزانية عام 1967 ، فقد وفرت الميزانية الأولى الإمكانيات اللازمة لتنفيذ الخطط التي كانت مقترحة والمشروعات التي ظلت معلقة لأعوام قبل أن يتولى الشيخ زايد مقاليد الحكم؛ لذا فإن اهتمام ميزانية عام 1967 كان موجهاً إلى تقويم الأوضاع السابقة على وجه السرعة، معظمها لتوسيع شبكة المياه التي ازداد الضغط عليها بسبب ارتفاع الطلب على المياه في أبوظبي والعين. وكان الشيخ زايد يؤمن بأن أفضل طريقة في الزراعة هي تطوير أنواع من المحاصيل وسلالات من المواشي تناسب الظروف المحلية ؛ كما كان هناك جانب اجتماعي يعزز العديد من مشروعات التنمية الاقتصادية ؛ وعلى سبيل المثال فقد افتتحت الأسواق التجارية للمرة الأولى في أبوظبي في مطلع عام 1969 ، وكما حدث في العين من قبل لم يفرض الشيخ زايد رسوماً على المحلات التجارية بل اكتفى بمبالغ رمزية زهيدة مقابل الانتفاع بها ، وبلغ عددها 200 محل تجاري في السوق المركزية. وهو القطاع الذي أعطاه الشيخ زايد أولوية على غيره، وكان توافر المحلات التجارية بتكلفة زهيدة يعني أن في وسع المنتجين المحليين أن يبيعوا محاصيلهم بأسعار أفضل من السابق . ووجه الجزء الأعظم من ميزانية الخطة التنموية إلى تطوير البنية التحتية ، وكان من النتائج المباشرة لهذا الاهتمام البالغ بالدراسات التحليلية والتخطيط إنشاء مجلس التخطيط في أواخر عام 1968 من أجل تنفيذ التغيرات واسعة النطاق التي بدأها الحاكم. ويعتبر المجلس محاولة طموحة لإيجاد هيكل تنظيمي ونظام إداري معتمد لم تعرفهما أبوظبي من قبل . وقد ترأس الشيخ زايد بنفسه اجتماعات مجلس التخطيط كلما أتاحت له أعباؤه العملية ذلك . وبشكل عام نجد أن الشيخ زايد كان حذراً عند التعامل مع "نصيحة الخبراء " ؛ يدفع لهم رواتبهم، وعلى حد تعبير لام فقد كان الشيخ زايد مقتنعاً بالحاجة إلى بناء قاعدة راسخة : إن نجاحه في تطوير إمارته إنما يعتمد على وضعه للأسس السليمة المالية والإدارية والاقتصادية والتجارية والاجتماعية والهندسية، وفي وسعه أن يجلب الخبرات اللازمة للنواحي الهندسية ، بسبب الرخاء الذي عمهم فجأة. وعلى الرغم من أن الشيخ زايد قد عايش وعرف بعضاً من أنماط المشكلات المرتبطة بالنمو الاقتصادي السريع، وقد تميز الشيخ زايد بالقدرة على تفقد سير العمل والمتابعة الشخصية له بلا كلل ، الأمر الذي دعم عمل المجالس واللجان التي تأسست ضمن المنظومة الإدارية والاقتصادية الجديدة.