الإمام عبد الحميد بن باديس (1889-1940)، ولد في قسنطينة لعائلة جزائرية مرموقة بالعلم والثراء. تلقى تربية إسلامية خالصة، فوالده رفض إلحاقه بالمدارس الفرنسية. حفظ القرآن الكريم في الثالثة عشرة من عمره على يد الشيخ محمد المداسي، وتتلمذ على شيوخ أفاضل، أبرزهم الشيخ أحمد أبو حمدان الونيسي، الذي وجهه بعدم استخدام علمه سبيلاً للوظائف الاستعمارية. في عام 1908، ارتحل لطلب العلم، فنال شهادة العالمية من جامع الزيتونة بتونس عام 1911، حيث التقى بعلماء بارزين كشيخ محمد الطاهر بن عاشور والخضر بن الحسين، الذين أثروا تكوينه. عاد إلى الجزائر عام 1913 لخدمة وطنه، وبدأ بالتدريس في الجامع الكبير بقسنطينة، لكن السلطات الاستعمارية سرعان ما منعت نشاطه؛ لإدراكها خطورة أفكاره التحررية. عندها، توجه إلى الحجاز، حيث درس تجارب الإصلاحيين الكبار مثل محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، والتقى يومياً بالطيب العقبي والبشير الإبراهيمي، الذين أسس معهم لاحقاً جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقد حثه شيخه الونيسي على العودة لإنقاذ دينه ووطنه. عاد ابن باديس إلى الجزائر وفي ذهنه مشروع إصلاحي شامل لمواجهة الإدارة الاستعمارية. كرّس 27 سنة من حياته لمحاربة التجهيل والخرافة والشعوذة عبر العمل التربوي والتعليمي المتطوع، استهدف فيه كافة فئات المجتمع، مع إيلاء اهتمام خاص لتعليم المرأة؛ لإيمانه بأنها أساس بناء الأسرة والمجتمع. أكد على ضرورة نيل المرأة نصيبها من العلم والتربية، مبرهناً أن لا نص شرعي يمنع ذلك، وحذر من تحرير سطحي للمرأة، داعياً لرفع "حجاب الجهل" عن عقلها أولاً، مستشهداً بتاريخ قرطبة وبجاية. اتبع استراتيجية تقوم على شقين: التعليم المسجدي (للطلبة المتفرغين لتكوين طلائع النهضة، ولعامة المواطنين بدروس الوعظ والإرشاد، وللشباب بدروس متنوعة تعالج قضايا وطنية واجتماعية ودينية)، والتعليم المدرسي (بفتح مدارس خاصة لتربية الأبناء والبنات تربية إسلامية سليمة). لم يكتفِ بنشر العلم بقسنطينة، بل قام بجولات أسبوعية في مختلف أنحاء الجزائر لإلقاء الدروس ونشر الوعي. أدرك الإمام أهمية الصحافة كأداة لنشر أفكاره، فساهم في جريدة "النجاح" عام 1919، وأسس "المنتقد" عام 1925 بشعار "الحق فوق كل أحد والوطن فوق كل شيء"، والتي أوقفتها السلطات. ثم أسس "الشهاب" عام 1929 بأسلوب مرن لتجاوز الرقابة، مما جعلها أطول عمراً، وكانت له إسهامات في جرائد جمعية العلماء الأخرى كـ "البصائر". في عام 1931، أسس مع رفقائه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، تزامنًا مع مئوية الاحتلال الفرنسي، بهدف لمّ شمل العلماء وتكثيف جهودهم لتحقيق الإصلاح المنشود، ومقاومة مشاريع المستعمر في طمس الشخصية الجزائرية ومحاربة البدع والضلالات. رغم المراقبة، نجحت الجمعية في توحيد الصفوف وحشد الأمة الجزائرية وبعث الروح الإسلامية ونشر العلم، مما أثمر عن تكوين جيل جهادي ناشئ على أسس سليمة. لم يؤلف ابن باديس كتبًا، بل ركز على تكوين الرجال. جمع تلامذته آثاره بعد وفاته، منها تفسيره للقرآن وشروحه للحديث ودروسه في العقيدة، وقد جمع الدكتور عمار طالبي جزءًا كبيراً منها. توفي الشيخ عبد الحميد بن باديس في 16 أبريل 1940، عن عمر يناهز الخمسين، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والجهاد، تاركًا نهجًا أحيى به الأمة الجزائرية وزرع بذور ثورة التحرير.