في الليل الموحش العتم كانوا يتمترسون خلف الأكياس الرملية على الشاطئ، وهناك بعيداً بعيداً تنتصب على الرمال البيوت السعفية والطينية – وآخر أطلالها هذا الجدار – تختزن صدى البكاء والعويل على القتلى والجرحى بتلك النيران، كان الوحش يرسل جراثيمه بين الحين والآخر، عبرت الزقاق الضيق. أحسست بالدم يتصاعد في عروقي. كبرت الدهشة وتفجرت، إذا بي أمام تجمع الحي. تجمد الدم في عروقي، – الأولاد!! . أين الأولاد وأمهم؟ انفجر باكياً وهو يردد (أحسن الله عزاك فيهم). تقدم أحدهم: كنا نطفئ حريقاً. هرعت مجموعة من الرجل، مادت الأرض من تحتي. حرارة المكان تلفحني وتزيد دمي غلياناً، خطوت نحو الركام. – شموا رائحته. إنه. كيف أقول لهم إن هذه القبضة من الرماد هي الحياة التي خنقت، وأغاني المراجيح وضحكات العاشقين والسمار في الليالي الجميلة وقد تحولت رماداً أسود؟ وجم الرجال. انشغلنا في إعداد الجثث لدفنها في الصباح الباكر بعد صلاة الغائب، جرفني بكاء حاد. ثم استلقيت وعيناي مشدودتان تجاه ذلك الوحش، (مبارك… (الشاحوف)… أجل الشاحوف. لا بد أن يرحل قبل أن أواريهم التراب). لفحتني نسمات الخريف الآتية من البراري وأنا أنزلق إلى الماء لأجذب الشاحوف، قفز مبارك من نومه مرعوباً على أثر ارتطام الشاحوف برمال الشاطئ. يا هلا. – أبو عبدالله ماذا جرى؟ تناولت طرف القماش الذي كان يلتحف به مبارك ومسحت السكين من بقايا الأسماك والأعشاب البحرية. وكأنه شعر أن الأمر لا يعدو أن يكون دعابة عابرة. – وكيف يا بو عبدالله وهو يدمر كل شيء وها قد مرت عشرة أيام ولم يبق من البلد إلا أطلالها. لم أتركه يكمل. وضعتها على السطح الأمامي. ودفعت بالشاحوف إلى أعماق البحر. – ولكن يا بو عبدالله…! – أعرف أن الشاحوف صغير والأمواج بدأت ترتفع، لكنها الفرصة الوحيدة التي ستساعدنا للوصول بقربه دون أن يشعروا. ما الذي يدور في عقلك؟ استمر في التجديف والزم الصمت حتى نصل. حيث الأمواج السريعة الانكسار، واستمر الشاحوف بالانزلاق وسط الصمت حتى اقتربنا. ابتعدنا قليلاً حتى يهجعوا للنوم. تكلم لماذا تلزم الصمت؟ – أبو عبدالله إن هذا لجنون. لا تنتظر يا مبارك. لقد قمت بعمل جبار. بعد أن استدرنا. توقفنا. خلعت الفانيلة و(الوزار) . اقتربت من حبل المرساة. ظللت أرتجف، تقدمت إلى (الغمارة) وإذا بي أشاهد حارساً على بابها وهو أمر لم أكن أتوقعه. تسللت إليه بحذر وبادرته بضربة قوية بالسكين في صدره. غارق في نوم عميق. ربما لا يكون القائد بعينه. صور المآسي والحرائق والأطفال اليتامى والمراجيح التي شنقت عليها الأغاني. هويت بيدي المرتجفة بالسكين على صدره، وحبست أنفاسه بمخدة قطنية منعاً للضوضاء والصراخ. أسرعت باتجاه الباب متعثراً بأكوام الحبال. قفزت إلى البحر غائصاً في الأعماق وهواجس الخوف والارتباك تملك مني النواصي. وحالما طفوت إلى السطح أمطرني الجنود برصاص بنادقهم. أصبت في ذراعي اليسرى. فقدت على إثرها قواي، غير أنني ظللت أصارع الأمواج وألم الجرح حتى ارتطمت بالشاطئ. وإذا بمبارك واقف والابتسامة تملأ ثغره ودموعه الساخنة تنثال على وجهه.