تضافرت آراء أكثر العلماء الناظرين في التاريخ الطبيعي للأديان على أن الاستبداد السياسي الإنسان، واملشاكلة بينهما أنهما حاكمان أحدهما في مملكة الأجسام والآخر في عالم القلوب. والفريقان مصيبان في حكمهما بالنظر إلى مغزى أساطري الأولني، التوراة والرسائل املضافة إلى الإنجيل، فيهما، كما هم مخطئون إذا نظروا إلى أن القرآن جاء مؤيدا للاستبداد السياسي، من العذر شيء أن يقولوا نحن لا ندرك دقائق القرآن نظرا لخفائها علينا في طي بلاغته ووراء العلم بأسباب نزول آياته، منذ قرون إلى الآن من استعانة مستبديهم بالدين. يقول هؤلاء املحررون إن التعاليم الدينية ومنها الكتب السماوية تدعو البشر إلى خشية قوة عظيمة هائلة لا تدرك العقول كنهها، فقط كما عند البوذية واليهودية، أو في الحياة وبعد املمات كما عند النصارى والإسلام، تهديدا ترتعد منه الفرائص فتخور القوى وتنذهل منه العقول فتستسلم للخبل والخمول، ثم تفتح هذه التعاليم أبوابا للنجاة من تلك املخاوف نجاة وراءها نعيم مقيم، تلك الأبواب حجاب من البراهمة والكهنة والقسوس وأمثالهم الذين لا يأذنون للناس بالدخول ما لم يعظموهم مع التذلل والصغار ويرزقوهم باسم نذر أو ثمن غفران، إن أولئك الحجاب في بعض الأديان يحجزون فيما يزعمون لقاء الأرواح بربها ما لم يأخذوا عنها مكوس املرور إلى القبور وفدية الخلاص من مطهر الأعراف. الأديان كم يرهبون الناس من غضب الله وينذرونهم بحلول مصائبه وعذابه عليهم ثم طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد يرشدونهم إلى أن لا خلاص ولا مناص لهم إلا بالالتجاء إلى سكان القبور الذين لهم دالة بل سطوة على الله فيحمونهم من غضبه. ويقولون إن السياسيني يبنون كذلك استبدادهم على أساس من هذا القبيل، يسترهبون الناس بالتعالي الشخصي والتشامخ الحسي، الأموال حتى يجعلوهم خاضعني لهم عاملني لأجلهم يتمتعون بهم كأنهم نوع من الأنعام التي يشربون ألبانها ويأكلون لحومها ويركبون ظهورها وبها يتفاخرون. ويرون أن هذا التشاكل في بناء ونتائج الاستبدادين الديني والسياسي جعلهما في مثل فرنسا خارج باريس مشتركني في العمل كأنهما يدان متعاونتان، مشتبكني في الوظيفة كأنهما اللوح والقلم يسجلان الشقاء على الأمم. ويقررون أن هذا التشاكل بني القوتني ينجر بعوام البشر وهم السواد الأعظم إلى نقطة أن يلتبس عليهم الفرق بني الإله املعبود بحق وبني املستبد املطاع بالقهر، في مضايق أذهانهم من حيث التشابه في استحقاق مزيد التعظيم، النسبة بني عظمته ودناءتهم، في كثري من الحالات والأسماء والصفات، وهم هم، ّ (الفعال املطلق)، والحاكم بأمره، وبني (لا يُسأل عما يفعل) وغري مسئول، وولي النعم، وبني (جل شأنه) وجليل الشأن. وبناء عليه يعظمون الجبابرة تعظيمهم هلل، ويزيدون تعظيمهم على التعظيم هلل لأنه حليم كريم ولأن عذابه آجل غائب، الجبار فعاجل حاضر. والعوام كما يقال عقولهم في عيونهم، بحياتهم الدنيا ملا صلوا ولا صاموا، على قراءة القرآن، ولا رجحوا اليمني بالأولياء املقربني كما يعتقدون على اليمني باهلل. وهذه الحال هي التي سهلت في الأمم الغابرة املنحطة دعوى بعضاملستبدين الألوهية على مراتب مختلفة حسب استعداد أذهان الرعية، َ إلى الآن إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله أو تعطيه مقام ذي علاقة مع الله. ولا أقل من أن يتخذ بطانة من خدمة الدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله، يعنون به الاستبداد تفريق الأمم إلى مذاهب وشيع متعادية تقاوم بعضها بعضا فتتهاتر قوة الأمة ويذهب ريحها فيخلو الجو للاستبداد ليبيض ويفرخ، املستعمرات لا يؤيدها شيء مثل انقسام الأهالي على أنفسهم وإفنائهم بأسهم بينهم بسبب ويعللون أن قيام املستبدين من أمثال (أبناء داود) و(قسطنطني) في نشر الدين بني 1 وقيام الحاكم الفاطمي والسلاطني الأعاجم في الإسلام بالانتصار لغلاة الصوفية وبنائهم لهم التكايا لم يكن إلا بقصد الاستعانة بممسوخ الدين وببعض أهله املغفلني على ظلم املساكني، الناس يتلقون قواعده وأحكامه بإذعان بدون بحث أو جدال فيودون تأليف الأمة على تلقي أوامرهم بمثل ذلك، ُ ويحكمون بأن بني الاستبدادين السياسي والديني مقارنة لا تنفك متى وجد أحدهما في أمة جر الآخر إليه أو متى زال رفيقه، وإن صلح، أي ضعف، أحدهما صلح، أي ضعف، الثاني. ويقولون إن شواهد ذلك كثرية جدا لا يخلو منها زمان ولا مكان. أن الدين أقوى تأثريا من السياسة إصلاحا وإفسادا، والهولنديني والأمريكان والأملان الذين قبلوا البروتستنتية، السياسي والأخلاق أكثر من تأثري الحرية املطلقة السياسية في جمهور اللاتني أي الفرنسيني والطليان والإسبانيول والبرتغال. وقد أجمع الكتاب السياسيون املدققون، إلا واختل نظام دنياه وخسر أولاه وعقباه. والحاصل أن كل املدققني السياسيني يرون أن السياسة والدين يمشيان متكاتفني، ويعتبرون أن إصلاح الدين هو أسهل وأقوى وأقرب طريق للإصلاح السياسي. وربما كان أول من سلك هذا املسلك أي استخدم الدين في الإصلاح السياسي هم السياسة بإحيائهم عقيدة الاشتراك في الألوهية، بصورة تخصيص العدالة بإله، والحرب بإله، والأمطار بإله، إلى غري ذلك من التوزيع، وجعلوا لإله الآلهة حق النظارة عليهم، وحق الترجيح عند وقوع الاختلاف بينهم. 1 محاكم ملعاقبة املتهمني بالزندقة أو مخالفة بعض أحكام الدين وفيها أنواع العذاب (محاكم التفتيش). طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد تمكن هذه العقيدة في الأذهان ملا ألبست من جلالة املظاهر وسحر البيان سهل على أولئك الحكماء دفعهم الناس إلى مطالبة جبابرتهم بالنزول من مقام الانفراد، الأرض كإدارة السماء، فانصاع ملوكهم إلى ذلك مكرهني. مكنت اليونان أخريا من إقامة جمهوريات أثينا وإسبارطة. وكذلك فعل الرومان. الأصل لم يزل املثال القديم لأصول توزيع الإدارة في الحكومات امللكية والجمهوريات على إنما هذه الوسيلة أي التشريك، فضلا عن كونها باطلة في ذاتها، شيء من خصائص الألوهية كالصفات القدسية والتصرفات الروحية، يتهجم على مثلها غري أفراد من الجبابرة كنمرود إبراهيم وفرعون موسى ثم صار يدعيها البرهمي والبادري والصوفي. ومللاءمة هذه املفسدة لطباع البشر من وجوه كثرية، بحثنا هذا محلها، انتشرت وعمت وجندت جيشا عرمرما يخدم املستبدين. وقد جاءت التوراة بالنشاط، الله ونبيه يقاتلان عنهم، وجاءتهم بالنظام بعد فوضى الأحلام، مستبدلة مثلا أسماء الآلهة املتعددة بامللائكة، والاستبداد، وكان أيضا مؤيدا لناموس التوحيد، ّ تلك الأقوام املنحطة، الذين بادروا لقبول النصرانية قبل الأمم املترقية، صفتان مجازيتان يعبر بهما عن معنى لا يقبله العقل إلا تسليما، ورثت الإسلامية التفلسف فيها عن أديان الهنود وأوهام اليونان. والبنوة بمعنى توالد حقيقي لأنه أقرب إلى مداركهم البسيطة التي يصعب عليها تناول الله، فكبر عليهم أن يعتقدوا في عيسى عليه السلام صفة هي دون مقام أولئك امللوك. ثم ملا انتشرت النصرانية ودخلها أقوام مختلفون، تلبست ثوبا غري ثوبها، وثنية للرومان واملصريني مضافة على شعائر الإسرائيليني وأشياء من الأساطري وغريها، وأشياء من مظاهر امللوك ونحوها. درجة اعتقاد النيابة عن الله والعصمة عن الخطأ وقوة التشريع، أخريا البروتستان أي الراجعون في الأحكام لأصل الإنجيل. ثم جاء الإسلام مهذبً ً ا لليهودية والنصرانية مؤسسا على الحكمة والعزم هادما في الأجسام، ووضع شريعة حكمه إجمالية صالحة لكل زمان وقوم ومكان، بمثال لها بني البشر حتى ولم يخلفهم فيها بني املسلمني أنفسهم خلف، كعمر بن عبد العزيز واملهتدي العباسي ونور الدين الشهيد. فهموا معنى ومغزى القرآن النازل بلغتهم وعملوا به واتخذوه إماما، قضت بالتساوي حتى بينهم أنفسهم وبني فقراء الأمة في نعيم الحياة وشظفها، في املسلمني عواطف أخوة وروابط هيئة اجتماعية اشتراكية لا تكاد توجد بني أشقاء يعيشون بإعالة أب واحد وفي حضانة أم واحدة، لكل منهم وظيفة شخصية، عائلية، ووظيفة قومية. املحمدي لم يخلفه فيه حقا غري أبي بكر وعمر ثم أخذ بالتناقص، وتبكيه من عهد عثمان إلى الآن، بطراز سياسي شوري؛ ذلك الطراز الذي اهتدت إليه بعض أمم الغرب؛ لربما صح أن نقول: قد استفادت من الإسلام أكثر مما استفاده املسلمون. وهذا القرآن الكريم مشحون بتعاليم إماتة الاستبداد وإحياء العدل والتساوي حتى بَّع تخاطب أشراف قومها: ِون * قَالُوا نَ ٰى تَ ْشَه ُد ْم ًر َ ا حتَّ ْمِر َي م ُ ا ك ُ نت قَ ﴿قَالَ ْت يَا أ َ ا د َخلُوا ُمِر َين * قَالَ ْت إِ َّن الْ يْ ِك فَ ُ انظِر َي ماذَا تَ ٍس َشِد ٍيد َو ْالأَ َسُد َوه َ ا و َجَعلُوا أ فهذه القصة تُعلم كيف ينبغي أن يستشري امللوك امللأ أي أشراف الرعية، يقطعوا أمرا إلا برأيهم، وتشري إلى لزوم أن تحفظ القوة والبأس في يد الرعية، يخصص امللوك بالتنفيذ فقط، وأن يكرموا بنسبة الأمر إليهم توقريا، ومن هذا الباب أيضا ما ورد في قصة موسى عليه السلام مع فرعون في قوله تعالى: ْر ِض ُك ْم فَ ْخِر َج ُك ِّ م م ْن أ َس ِ احٌر َعِل ٌيم يُ ْوِم ِفْرَع ْوَن إِ َّن َهذَا لَ ُم ُر َون﴾ أي قال الأشراف بعضهم لبعض: ماذا رأيكم؟ (قالوا) خطابا لفرعون وهو طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد تُ َوك ِب ُك ِّل َس ِ احٍر َعِليم َمَد ِائِن َح ِ اشرِ ْرِس ْل ِفي الْ َخ ُ اه َوأ ْم َرُه ْم﴾ أي رأيهم ﴿بَيْنَ نَ َ از ُعوا أ مذاكرتهم بقوله تعالى: ﴿فَ أفضت مذاكراتهم العلنية إلى النزاع فأجروا مذاكرة سرية طبق ما يجري إلى الآن في بناء على ما تقدم لا مجال لرمي الإسلامية بتأييد الاستبداد مع تأسيسها على مئات َ من أمثال هذه الآيات البينات التي منها قوله تعالى ﴿و َش ِاو ْر ُه ْم ِفي ْ الأمِر﴾ أي في الشأن، ِولي ْ الأمِر ِمنْ ُك ْم﴾ ِط ُيع َّ وا الرُس َول َوأ ِط ُيعوا اللهَ َوأ ِذ َين َ آمنُوا أ ومن قوله تعالى: ﴿يَا أ أي أصحاب الرأي والشأن منكم، وهم العلماء والرؤساء على ما اتفق عليه أكثر املفسرين، َ وهم الأشراف في اصطلاح السياسيني. ِفْرَع ْوَن﴾ أي ما شأنه، وحديث «أمريي من امللائكة جبريل» أي مشاوري. وليس بالأمر الغريب ضياع معنى (أولي الأمر) على كثري من الأفهام بتضليل علماء الاستبداد الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، منعا لتطرق أفكار املسلمني إلى التفكر بأن الظاملني لا يحكمونهم بما أنزل الله، ْم بَْ َني النَّ َ ا ح َك ْمتُ َع ْدِل َ ﴾ أي التساوي، إلى معنى آية ﴿إِ َّن اللهَ يَأ ِئ َك ُه ُم نَْز َل اللهُ فَ ْم يَ ْح ُك ْم ِبَما أ َع ْدِل َ ﴾ أي التساوي؛ الْ َك ِافُر َون﴾. املمالئني دفعا للفتنة التي تحصد أمثالهم حصدا. ِوا ف َيها فَ ُ ا مْترَِف َيها فَ َ الأفهام في معنى (أمر) في آية: ﴿وإِذَا أ ْدِمريًا﴾؛ فإنهم لم يبالوا أن ينسبوا إلى الله الأمر بالفسق . َدَّم ْرنَ َ اها تَ الله عن ذلك علوا كبريا . أو تشديدها — أي جعلنا أمراءها مترفيها ففسقوا فيها (أي ظلموا أهلها) فحق عليهم العذاب أي (نزل بهم العذاب). والأغرب من هذا وذاك أنهم جعلوا للفظة العدل معنى عرفيا وهو الحكم بمقتضى ما قاله الفقهاء حتى أصبحت لفظة العدل لا تدل على غري هذا املعنى، لغة التسوية؛ فالعدل بني الناس هو التسوية بينهم، 2 الساحر هو الداهية املقتدر على التمويه والخداع. ِق َص ِ اص َحيَاةٌ﴾ املتواردة مطلقا، َع ْدِل َ ﴾، املعاقبة باملثل فقط على ما يتبادر إلى أذهان الأسراء الذين لا يعرفون للتساوي موقعا في الدين غري الوقوف بني يدي القضاة. وقد عدد الفقهاء من لا تقبل شهادتهم لسقوط عدالتهم فذكروا حتى من يأكل ماشيا ِّ في الأسواق؛ ولكن شيطان الاستبداد أنساهم أن يفس ّ قوا الأمراء الظاملني فريدوا شهادتهم. ولعل الفقهاء يُعذرون بسكوتهم هنا مع تشنيعهم على الظاملني في مواقع أخرى؛ ُم ُر َون ِبالْ َلى الْ َخْريِ َويَأ يَ ْدُع َون إِ تَ ُك ِّ ن منْ ُك ْم أ َ عذرهم في تحويل معنى الآية: ﴿ولْ ُمنْ َكِر﴾ إلى أن هذا الفرض هو فرض كفاية لا فرض عني؟ واملراد منه َه ْوَن َعِن الْ سيطرة أفراد املسلمني بعضهم على بعض؛ إلى ذلك الأمم املوفقة للخري؛ السيطرة والاحتساب على الإدارة العمومية: السياسية واملالية والتشريعية، ومن يدري من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكام عن املسئولية حتى أوجبوا لهم الحمد إذا عدلوا، وأوجبوا الصبر عليهم إذا ظلموا، اللهم إن املستبدين وشركاءهم قد جعلوا دينك غري الدين الذي أنزلت فلا حول ولا كذلك ما عذر أولئك الصوفية الذين جعلتهم الإنعامات على زاوياتهم أن يقولوا: لا يكون الأمري الأعظم إلا وليا من أولياء الله، ولا يأتي أمرا إلا بإلهام من الله، نعم، لولا حلم الله لخسف الأرض بالعرب؛ حيث أرسل لهم رسولا من أنفسهم، ٍ لهم أفضل حكومة أسست في الناس، رعيته» أي كل منكم سلطان عام ومسئول عن الأمة. ما قاله مشرع سياسي من الأولني والآخرين، ٍ ظاهره وعموميته إلى أن املسلم راع ّ على عائلته ومسئول عنها فقط. ْولِيَاءُ بَ ْع ٍض﴾ إلى ولاية الشهادة دون الولاية العامة. ُمْؤِمنَ ُ ات بَ ْع ُضُه ْم أ ّ وهكذا غريوا مفهوم اللغة، وبدلوا الدين، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد لذة الاستقلال، وعزة الحرية؛ وكأن املسلمني لم يسمعوا بقول النبي عليه السلام: «الناس سواسية كأسنان املشط، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى». ُ اك ْم﴾ فإن الله جل شأنه ساوى بني ْك َرَم ُك ْم ِعنْ للحكمة ومجيئه مفسرا الآية ﴿إِ َّن أ ْد َك َّرْمنَا بَنِ َ ي آد َم﴾ ثم جعل الأفضلية في َ عباده مؤمنني وكافرين في املكرمة بقوله: ﴿ولَقَ غرسها علماء الاستبداد القائلني في تفسري (عند الله) أي في الآخرة دون الدنيا؛ ْك َرَم ُك ْم لغةً هي الاتقاء أي الابتعاد عن رذائل الأعمال احترازا من عقوبة الله. ُ اك ْم﴾ كقوله إن أفضل الناس أكثرهم ابتعادا عن الآثام وسوء عواقبها. وقد ظهر مما تقدم أن الإسلامية مؤسسة على أصول الحرية برفعها كل سيطرة وتحكم بأمرها بالعدل واملساواة والقسط والإخاء، بحضها على الإحسان والتحابب. جعلت أصول حكومتها: الشورى الأرستقراطية أي شورى أهل الحل والعقد في الأمة حسبما يأتي فيما بعد. هذه الأصول بأتم وأكمل صورها. مطلقا في غري مسائل إقامة شعائر الدين ومنها القواعد العامة التشريعية التي لا تبلغ مائة قاعدة وحكم، كلها من أجل وأحسن ما اهتدى إليه املشرعون من قبل ومن بعد. ولكن وا أسفاه على هذا الدين الحر، الحكيم، السهل، السمح، على غريه من سوابقه، الدين الذي رفع الإصر والأغلال، وأباد امليزة والاستبداد، الذي ظلمه الجاهلون فهجروا حكمة القرآن ودفنوها في قبور الهوان، الأنصار الأبرار والحكماء الأخيار فسطا عليه املستبدون واملترشحون للاستبداد، وسيلة لتفريق الكلمة وتقسيم الأمة شيعا، وحريوا أهله بالتفريع والتوسيع، والتشديد والتشويش، ّ قبلهم أصحاب الأديان السائرة، املتفننون بني دفتي كتاب ينسب لاسم إسلامي هو من الدين، القيام بواجباته وآدابه ومزيداته، إلا من لا علاقة له بالحياة الدنيا؛ حياة الإنسان الطويل العمر، العاطل عن كل عمل، عن تمييز الصحيح من الباطل من تلك الآراء املتشعبة التي أطال أهلها فيها الجدال بالبرهان؛ والحقيقة أن كلا منهم قد سكت تعبا وكلالا من املشاغبة. وبهذا التشديد الذي أدخله على الدين منافسو املجوس، على النفس، واعتقاد التقصري املطلق، فضلا عن محاسبة الحكام املنوط بهم قيام العدل والنظام. وهذا الإهمال للمراقبة، وهو إهمال الأمر باملعروف والنهي عن املنكر، ليستعملن الله عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب». رضي الله عنهما مع الأمة، نجد أنهما مع كونهما مفطورين خري فطرة، النبوية لم تترك الأمة معهما املراقبة واملحاسبة ولم تطعهما طاعة عمياء. وقد جمع بعضهم جملة مما اقتبسه وأخذه املسلمون عن غريهم وليس هو من دينهم بالنظر إلى القرآن واملتواترات من الحديث وإجماع السلف الأول فقال: (اقتبسوا) من النصرانية مقام البابوية باسم الغوثية و(ضاهوا) في الأوصاف والأعداد أوصاف وأعداد البطارقة، والكردينالية والشهداء والأساقفة، وعجائبهم، والدعاة املبشرين وصبرهم، والرهبنات ورؤسائها، وحالة الأديرة وبادريتها. والرهبنات ورسومها والحمية وتوقيتها، وتميزهم في ألبستهم وشعورهم، ولبس املسابح في الرقاب، في الرقص على أنغام الناي والتغالي في تطييب املوتى والاحتفال الزائد في الجنائز وتسريح الذبائح معها وتكليلها وتكليل القبور بالزهور. وزينتها، والبيع واحتفالاتها، والترنحات ووزنها، والترنمات وأصولها، على القبور، وشد الرحال لزيارتها، والإسراج عليها، والخضوع لديها، بسكانها. و(أخذوا) التبرك بالآثار: كالقدح والحربة والدستار، العكاز، وكذلك إمرار اليد على الصدر عند ذكر الصالحني، الصليب. و(انتزعوا) الحقيقة من السر، ووحدة الوجود من الحلول، والخلافة من الرسم، والسقيا من تناول القربان، واملولد من امليلاد، وحفلته من الأعياد، الصلبان، وتعليق ألواح الأسماء املصدرة بالنداء على الجدران من تعليق الصور والتماثيل، والاستفاضة واملراقبة من التوجه بالقلوب انحناءً أمام الأصنام و(منعوا) الاستهداء من طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد نصوص الكتاب والسنة كحظر الكاثوليك التفهم من الإنجيل، عن إقامة الدليل من التوراة في الأحكام. الفلك، وبخشية أوضاع الكواكب وباتخاذ أشكالها شعارا للملك، وباحترام النار ومواقدها. و(قلدوا) البوذيني حرفا بحرف في الطريق والرياضة وتعذيب الجسم بالنار والسلاح، واللعب بالحيات والعقارب وشرب السموم، الأدعية والأناشيد والأحزاب، واعتقاد تأثري العزائم ونداء الأسماء وحمل التمائم، ذلك مما هو مشاهد في بوذيي الهند ومجوس فارس والسند إلى يومنا هذا. نقله إلى الإسلامية أمثال جون وست وسلطان علي منلا والبغدادي وحاشية فلان الشيخ وفلان الفارسي، على أن إسناد ذلك إلى أشخاص معينني يحتاج إلى تثبيت. الأساطري والإسرائيليات أنواعا من القربات، وعلوما سموها لدنيات. وكذلك يقال عن مبتدعي النصارى من أن أكثر ما اعتبره املتأخرون منهم من الشعائر الدينية حتى مشكلة التثليث لا أصل له فيماه ورد عن نفس املسيح عليه السلام؛ إنما هو مزيدات وترتيبات قليلها مبتدع، وكثريها متبع. من الصفائح الحفرية الهندية والآشورية ومن الصحف التي وجدت في نواويس املصريني املضافة إلى أصول عامة الأديان في الشرق الأدنى مقتبسة من الوضعيات املنسوبة لنحل وعيسى عليهما السلام، كما شوش الاستبداد في املسلمني تاريخ آل البيت عليهم الرضوان؛ الأمر الذي تولد عنه ظهور الفرق التي تشيعت لهم كالإمامية والإسماعيلية والزيدية والخلاصة أن البدع التي شوشت الإيمان وشوهت الأديان تكاد كلها تتسلل بعضها من بعض وتتولد جميعها من غرض واحد هو املراد، ألا وهو الاستعباد. والناظر املدقق في تاريخ الإسلام يجد للمستبدين من الخلفاء وامللوك الأولني وبعض العلماء الأعاجم وبعض مقلديهم من العرب املتأخرين أقوالا افتروها على الله ورسوله تضليلا للأمة عن سبيل الحكمة، يريدون بها إطفاء نور العلم وإطفاء نور الله، ْك َر َوإِنَّا لَ أن تمسه يد التحريف وهي إحدى معجزاته لأنه قال فيه: ﴿إِنَّا نَ َح ِاف ُظ َون﴾ فما مسه املنافقون إلا بالتأويل وهذا أيضا من معجزاته؛ ِبُع َون َما تَ َشابََه ِمنْ ِذ َين ِفي قُ وإني أمثل للمطالعني ما فعله الاستبداد في الإسلام بما حجر على العلماء الحكماء من أن يفسروا قسمي الآلاء والأخلاق من القرآن تفسريا مدققا لأنهم كانوا يخافون مخالفة رأي بعض الغفل السالفني، أو بعض املنافقني املقربني املعاصرين، فيكفَّرون فيقتلون. وهذه مسألة إعجاز القرآن وهي أهم مسألة في الدين لم يقدروا أن يوفوها حقها من الإتيان بمثله في فصاحته وبلاغته، وأنه أخبر عن أن الروم من بعد غلبهم سيغلبون. أنه لو فتح للعلماء ميدان التدقيق وحرية الرأي والتأليف كما أطلق عنان التخريف لأهل التأويل والحكم لأظهروا في ألوف من آيات القرآن ألوف آيات من الإعجاز، َر ْط ٍب َولاَ يَ َ يوم آية تتجدد مع الزمان والحدثان تبرهن إعجازه بصدق قوله: ﴿ولاَ ٍ اب ُّمِب ٍني﴾، ولجعلوا الأمة تؤمن بإعجازه عن برهان وعيان لا مجرد تسليم وإذعان. ومثال ذلك أن العلم كشف في هذه القرون الأخرية حقائق وطبائع كثرية تعزى لكاشفيها ومخترعيها من علماء أوروبا وأمريكا؛ التصريح أو التلميح في القرآن منذ ثلاثة عشر قرنا؛ الخفاء إلا لتكون عند ظهورها معجزة للقرآن شاهدة بأنه كلام رب لا يعلم الغيب سواه؛ ومن ذلك أنهم قد كشفوا أن مادة الكون هي الأثري، َلى َّ السَم َ اءِ وِه َي ُد َخ ٌ ان﴾. ٍك يَ ْسبَ ُح َون﴾. ْحيَيْنَ َ اه َ ا﴾ إلى أن يقول: ﴿و ُك ٌّل ِفي فَ َّن َّ السَم َ او ِ ات َوالأَ وحققوا أن الأرض منفتقة في النظام الشمسي والقرآن يقول: ﴿أ َ ا رتْقً ا فَ وحققوا أن القمر منشق من الأرض والقرآن يقول: ﴿أ َو َ انشَّق الْقَ ُصَه ِ ا م ْن أ ِذ َي خلَ َق َسبْ َع َسَم َ او ٍ ات َوِم َن وحققوا أن طبقات الأرض سبع والقرآن يقول: ﴿اللهُ الَّ وحققوا أنه لولا الجبال لاقتضى الثقل النوعي أن تميد الأرض أي ترتج في دورتها ِم َيد ِب ُك ْم﴾. ْر ِض َر َو ِ َ اسي أ َ والقرآن يقول: ﴿وأ طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد وكشفوا أن سر التركيب الكيماوي بل واملعنوي هو تخالف نسبة املقادير وضبطها ُ والقرآن يقول: ﴿ك ُّل َشيْ ِءٍ عنْ َم ُ اءِ ك َّل ِ ا م َن الْ َ وكشفوا أن للجمادات حياة قائمة بماء التبلور والقرآن يقول: ﴿و َجَعلْ َشيْ َ ءٍ ح َ وحققوا أن العالم العضوي ومنه الإنسان ترقى من الجماد والقرآن يقول: ﴿ولَقَ ٍة ِّم ِ ن ط ٍني﴾. َس َ ان ِم ُ ن سلاَلَ َه ِ ا مَّما تُ َ وكشفوا ناموس اللقاح العام في النبات والقرآن يقول: ﴿خلَ َق ْ الأز َو َ اج ُكلَّ بَ ٍ ات َشتَّ ْ ى﴾ ويقول: ﴿اهتَ َّز ْت َو َربَ ْت َوأ ْز َو ً اج ِّ ا من نَّ ِ ا بِه أ ْر ُض﴾ ويقول: ﴿فَ َمَر ِ ات َجَع َل ِف َيه َ ا ز ْو َجْنيِ اثْ ِم ُ ن ك ِّل َز ْو وكشفوا طريقة إمساك الظل أي التصوير الشمسي والقرآن يقول: ﴿أ نَ َّ ا الشْم َس َعلَ ُه َس ِ اكنًا ثُ َف َمَّد ِّ الظ َّل َولَ وكشفوا تسيري السفن واملركبات بالبخار والكهرباء والقرآن يقول، ُه ِّم م ِّن مثْ َ والجواري بالريح: ﴿و َخلَقْ وكشفوا وجود املكروب وتأثريه والجدري وغريه من الأمراض، ْرِم ِيه ِ م ب ِح َج َ ارٍة ِّم ِ ن س ِّج ٍيل﴾ ِاب َيل﴾ أي متتابعة مجتمعة ﴿تَ ِه ْم َطْريًا أ ْر َس َل َعلَ سينكشف سرها في املستقبل في وقتها املرهون تجديدا لإعجازه بإخباره عما في الغيب ما َّ دام الزمان وما كر الجديدان، نَ َ ا ز ْو َجْنيِ﴾. َ تنمو باللقاح كما تشري إلى ذلك آية ﴿وِم ُ ن ك ِّل َشيْ