الايمان بالنبوة : إن الإيمان بالنبوة – أو الصلة بين الله تعالى ومجتمع الإنسان عن طريق الأنبياء ـ من خصائص التصور الإسلامي ومميزاته . والنبي هو الإنسان الذي يختاره الله تعالى ليقوم بأداء رسالة معينة إلى عباده ، وقد وجدت مذاهب تؤمن بالله ولكنها تنكر النبوة وتزعم أنه لا حاجة لوجود هذه الصلة وحجة أصحابها في ذلك ، أن ما أتى به الأنبياء إما أنه موافق للعقل ففي العقل غنى عنه، أو مخالف له فلا حاجة لنا به لأننا نعتمد العقل طريقاً للاستدلال على حقائق الأمور .ويرد على أصحاب هذا الرأي بأنه يستحيل أن نتقبل فكرة وجود الخالق المدبر دون أن تترافق مع الإيمان برعايته لخلقه وتدبيره المستمر للكون ، هذا وليس من الضروري أن يكون كل ما في العقل مخالفاً لما يأتى به الأنبياء ، فجميع التصورات والشرائع التي نزلت بها الرسالات السماوية يقرها العقل الصحيحعلى تفكير علمي منظم ، بالإضافة إلى أن لكل من العقل والوحي ميدانه الخاص في كثير من المسائل ، فإذا استطعنا بالمنطق التجريبي والرياضي التوصل إلى حقائق علوم الكون والحياة فإننا لا نستطيع بغير الوحي أن يتوصل إلى حقائق ما وراء المادة ،فالعلم الصحيح بذات الله تعالى وصفاته وطرقه المرضية وحساب الآخرة ومجازاتهالطاعة الله وامتثال أوامره وأحكامه ، وكل ما يتعلق بعالم الغيب كل ذلك لا يعرف إلا عن طريق الأنبياء.والصلة بين الله والأنبياء تتم بوسائل متعددة ، وغالباً ما يبدأ الوحي بالرؤى الصادقة ، وفي قصص الأنباء كثير من حوادث الرؤيا الصحيحة ، وقد قص علينا القرآن الكريم قصتها عندما حدثنا كيف أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه اسماعيل عليه السلام : «فلما بلغ السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني قال يا أبت افعل ما تؤمر » وقد تكون وسيلة الاتصال الإلهام في حالة اليقظة ، كما حدث مع الرسول الكريم إذ أتاه هذا الإلهام وهو جالس بين المسلمين ، قال رسول الله ﷺ : « هذا رسول رب العالمين ، وقد يكون الاتصال بأن يكلمالله تعالى النبي مباشرة كما حصل لموسى عليه السلام كما حدثنا القرآن عنه : « فلما أتاها نودي من شاطىء الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين . » والواسطة العادية في حصول الوحي أن يكون عن طريق جبريل عليه السلام : « نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين »3) ، وأحياناً كان جبريل ينزل مجسداً يراه المسلمون كما حصل في حديث أركان الإيمان والإسلام والإحسان وأشراط الساعة الذي روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وحين يدعي إنسان أنه يتصل بالله ويحمل منه إلى الناس رسالة ترتب عليهم تكاليف وواجبات . فإن من الطبيعي أن يطالبه الناس بالدليل على صدقه ، ولم ير القرآن الكريم في هذا أمراً خارجاً على المعقول فالتساؤل حتى للتعليم والتنبيه مطلوب وإذ قال ابراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن ؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي.ومن هنا ظهرت الحاجة إلى وجود ما يثبت النبوة ، وتعد المعجزة من أهم الوسائل التي أجراها الله على أيدي أنبيائه ليؤمن الناس أنهم لا يمثلون أنفسهم والحقيقة أن الإيمان بالرسل مرتبط بالإيمان بالله من جهة وبالغيب من جهة أخرى ،ذلك الإيمان الذي يعتبر أخص مميزات المسلم التقي : « ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ، الذين يؤمنون بالغيب والمعجزة في الأصل حادث خارق للعادة والقوانين التي يلاحظها الناس وتجري عليها سنن الكون ، يجريه الله تأييداً للنبي ، وقد حاول البعض أن يعطي المعجزة صورة الأمر العادي لكن الحق" أن المعجزة إذا فقدت الصفة الخارقة للعادة فقدت فإذا بين مدعي النبوة أن دلالة صدقهأن تطلع الشمس من المغرب وهي عادة تطلع من المشرق كان ذلك دلالة وتأييداً أما إذا أخبر قومه أن الشمس تطلع من المشرق فليس في الأمر جديد .وقد كانت المعجزات ، والمادية منها على وجه الخصوص مجالاً لبحوث كثيرة وإنكار من بعض الذين يدعون الموضوعية ، وقد تحدث القرآن عن مجموعة من المعجزات المادي منها والمعنوي وإذا دعا الإسلام إلى الإيمان بمعجزات الأنبياء فإن الإسلام دين المعجزات التي يراها العقل حيثما نظر ، وليس دين المعجزات التي تكف العقل عن الرؤية ، وليس معنى أن يؤمن المسلم بإمكان المعجزة أن ينكر السنن الكونية ، فليست المعجزة بأعجب من خلق السموات والأرض وما فيهما من كائنات وعجائب  اذا آمنا خلت الله للعالم كله فلن يستحيل علينا أن نؤمن بخلق حادث مفرد يخرق به النواميس والعادات ،فخوارق العادات ممكنة لا استحالة فيها ، ومن قال باستحالتها لزمه الإثبات ، لأنه يدعي الاستحالة عقلا ً بغير دليل ، وهناك فارق عظيم بين ما هوضد العقل وما هو فوقه ، فما هو ضد العقل يلغيه ، وما هو فوقه يطلق له المدى ويوقفه حيث ينبغي له أن يقف ومن المعجزات المادية التي تحدث عنها القرآن : ناقة صالح ، وقد قص القرآن خبرها بقوله : « قالوا إنما أنت من المسحرين ، ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين ، قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم»  ومنها معجزة تحول عصا موسى وهي جماد إلى حياة : « قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشيء مبين ، قال فأت به إن كنت من الصادقين ، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ، ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين » ومنها معجزات عيسى عليه السلام ، وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله ، إن في ذلك لآيةلكم إن كنتم مؤمنين» والمتتبع لتاريخ الأمم السابقة يلاحظ أن معظمها لم يؤمن بالمعجزة المادية بل أصرت على كفرها وإلحادها ، فالهداية بيد الله ، ومهما تكن المعجزة قارعة فإن قلوباً أشد قسوة من الصخر «ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجونلقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون» . وهكذا فمهما تكن قوة المعجزة المادية فإن البعض سيقول إنه السحر أو خداع البصر ، لذا فقد خاطب الله تعالى رسوله متحدثاً عن هذا المعنى بقوله : «وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ، وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ، وما نرسل بالآيات إلا تخويفا» أما المعجزات المعنوية والعقلية فأهمها القرآن الكريم الذي تنزل على خاتم المرسلين محمد عليه السلام ، وهو معجزة ذاتية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالرسالة وتتصل بماهيتها وتتعلق بجوهرها ، فهي معجزة يتقبلها العقل على الدوام لأنها تخاطب الفكرالبشري وتعتمد على القناعة العقلية أكثر مما تعتمد على قرع الحواس الذي هو أصل المعجزات المادية . وكانت البشرية قد قطعت حتى بعثة الرسول شوطاً كبيراً من الرقي العقلي حتى أمكن مخاطبة العقول مباشرة ، وخطاب العقل أكثر شمولاودواما واستقراراً وخلوداً ،وقد اختلف الباحثون في حقيقة الإعجاز في القرآن على ثلاثة اتجاهات رئيسية :فهناك من يرى بأن المعجز في القرآن هو في صياغة ألفاظه الخارقة للعادة وبلاغته الواضحة التي أعجزت العرب أن يأتوا بمثلها فقد أشار القرآن إلى حوادث ستقع في المستقبل ، ثم وقعت كما حدث . فأخبر القرآن عن هذه الواقعة وأنبأ بأن الروم سينتصفون من خصومهم في بضع سنين ، وقد تم ذلك فعلا ً ، وبما أن أي إنسان لا يستطيع أن يعلم الغيب فإن هذا يثبت أن الكتاب منزل من الله وفيه من الإعجاز ما فيهثم إن القرآن تحدث عن تاريخ الأمم السابقة وأديانها وألم" بكل صغيرة وكبيرة منأحداثها وشؤونها ، ولما كان الرسول عليه السلام أمياً لم يطلع على كتب الأقدمين التي لم تشر بدورها بدقة إلى تلك الأمور ؛ فلا بد أنه تعالى هو الذي أخبر نبيه بهذه الأخبار .وأخيراً فإن كثيراً من الباحثين يرون بإن الإعجاز في القرآن هو فيما ورد فيه من أنظمة إنسانية بالغة الرقي لم تعهد الإنسانية مثلها قديماً أو حديثاً في ضمان مصلحة بني الإنسان العامة وتأمين حياته الخيرة ، فقد ورد في القرآن أنظمة لحياةالإنسان في مختلف ألوان النشاط البشري من نواحيها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية مما سنعرض له ، ولما كانت هذه الأنظمة بعيدة عن قدرة أي إنسان أو تصوره فلا بد أن يكون القرآن منزلا من الله ومثبتاً لرسالة النبي عليه الصلاة والسلام .والحق أن الإعجاز في القرآن يشمل هذه الأمور جميعاً ، فهو معجزة في اللفظ العجيب والتركيب البلاغي البديع ، وهو معجز في إخباره عن الغيوب وأنباء الأمم السابقة وهو معجز في أنظمته الرائعة السامية ، ولا نستطيع أن نحصر الإعجاز في جانب واحد ،