أولاً: الإشكال المنهجي إن المتتبع لمسار الدراسة في الدرس اللساني العربي الحديث يجد أن هناك شبه إجماع على تخلفها عن نظيرتها الغربية، وأن واقع هذه اللسانيات في المشرق العربي يختلف عما هو عليه في مغربه بشكل عام. شكلت أعمال نحاة القرون الوسطى، أهم سماتها البارزة)، وعلى هذا الأساس يكون التراكم أساساً مهماً من أسس البحث السليم. إذا كانت الثقافة العربية قد تعرفت أهم اتجاهات البحث اللساني التي سادت في الغرب منذ عصر النهضة، فإنها لم تستطع إفراز بحوث تضاهي نظيرتها في الغرب، لذا ظل الاتجاه البنيوي في الثقافة العربية أسير أعمال النحاة وتحليلاتهم. لهذه الأسباب وغيرها، لذا يمكننا القول إن ظهور المنهج التوليدي التحويلي في الدرس العربي كان طفرة، بل إنها كانت معنية به بشكل أكبر؛ إن الخطاب المعرفي في كل قطاع من قطاعات المعرفة العلمية في الغرب أصبح اليوم يحمل كثيراً من المفاهيم والتقنيات ذات الأصول المعرفية المتعدّدة، والمقدّمات الفلسفية والطرائق الاستكشافية التي لا يُصرح بها ؛ ناهيك عن البحوث الحاسوبية التي أصبحت تشكل جزءاً لا يتجزأ من نظريته ولاسيما في برنامجها الأدنى؛ ويمكن أن نعزو اهتمام النظرية التوليدية التحويلية بهذه المجالات العلمية إلى من سببين: بمعنى أنها تتوخى انتقاد النظريات التي يبنيها العالم وإبطالها إذا اقتضى الأمر، وليس إثباتها أو البرهنة على صحتها، الثاني: أنها نظرية لا تعتني باللغة، أي بالآلة التي تمكن من توليد عدد غير متناه من المتواليات التي تنتمي إلى لغة بشرية معينة. وعندما نعود إلى الدراسات اللسانية التوليدية العربية نجد أن كثيراً من هذه الأصول المعرفية لا يتم استحضارها، كالتعامل مع أنظمة اللغة الطبيعية، أو مع أنظمة الحواسيب أو مع أساليب بناء النماذج، وهذا يعني أن جزءاً كبيراً من سياق اللسانيات التوليدية غير الظاهر يتم تغييبه، ويدلّ هذا التغييب على عدم إدراك الأبعاد المختلفة لممارسة العلم، هذا السؤال هو ما يسمى مشكل أفلاطون أو معضلة أفلاطون، ومفاده: «كيف يمكننا معرفة الكثير عن شيء ( أشياء) لا نملك سوى أبهت الدلائل وأفقرها حوله»بمعنى كيف للإنسان أن يكتسب معرفة لغوية منظمة على الرغم من فقر المنبه؟ هذا ما حاول چومسكي الإجابة عنه في مؤلّفه (معرفة اللغة). وتبعته في ذلك الدراسات الغربية التي اهتمت بظواهر علم النفس للبرهنة على صحة الاستدلالات التوليدية، واهتمت بدراسة الصورية والاستدلال في النحو التوليدي التحويلي، هذا فضلا على أنها نوعت من مظاهر تطبيق الأنموذج التوليدي فشملت الصوت والصرف والتركيب والدلالة والمعجم وغير ذلك. ومن ثمّ انتقاء الظواهر المناسبة لتمثيلها. لأنها تعالج القضايا نفسها، بينما تظل القضايا الأخرى مغيبة عن ذلك البحث . بينما تتم الإشارة إلى المستويات الأخرى إشارات خجولة غير آبهة بأهمية تداخل هذه المستويات وتكاملها في الدرس التوليدي التحويلي خاصة واللساني عامة. فالواقع اللغوي يؤكّد أن كثيراً من تلك القضايا التركيبية الخاصة باللغة العربية ترتبط في جوانب كثيرة مع مستويات اللغة الأخرى وتتداخل معها، ولا يمكن أن نفصل بعضها عن بعض إلا لحسابات منهجية لا غيرها . وأي ملمح إضافي لا يتجاوز اقتراح تعميمات جديدة لا تخرج عن إطار النظرية التوليدية العام.