الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير، أحمده تعالى وأشكره حمدًا وشكرًا كما يحب ربنا ويرضى، أحمده وأشكره حمدًا وشكرًا عدد خلقه،  وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اتقوا الله حق التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102]، وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4]، وتيسرت وسائل الراحة واختصار الزمان في كل ميادين الحياة وشؤونها، فقد مكن الله تعالى للناس في الأرض ما لم يُمكن لمن قبلهم، وبسط لهم في المساكن والأموال والأولاد والمكاسب؛ فبعض الناس يشتكي من أنه لا يجد البركة في وقته، تمر عليه الأيام والليالي والشهور والأعوام، وبعضهم يشتكي من قلة البركة في ماله؛ قد نزعت منها البركة فلا ينتفع بها إلى أن يموت، ثم تنتقل بعد ذلك غنيمة باردة للورثة من بعده، ومن الناس من يشتكي من قلة البركة في زوجته، ولم تعنه يومًا من الأيام على أمر من أمور دينه أو دنياه، وآخر منَّ الله عليه بكثرة الأولاد ولكن بركتهم ونفعهم قليل، ومن الناس من يرى قلة البركة في صحته، وهكذا تتعدد ألوان قلة البركة، عباد الله، ولكن يجد الإنسان آثارها عليه، يجد آثار البركة في وقته، ويجد آثار البركة في أهله، ويجد آثار البركة في أولاده، ويجد آثار البركة في أمواله، ويجد آثار البركة في صحته، ويجد آثار البركة في كل شيء. ودعاء المتقين، فهذا نوح  يدعو ربه بقوله: وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ [المؤمنون:29] وكان من دعاء نبينا  أنه كان يقول: اللهم بارك لي فيما أعطيت [1] أخرجه الترمذي بسند صحيح. إن البركة نعمة من الله تعالى يتفضل بها على من شاء من عباده، وحيثما نزلوا، وقد قال الله تعالى عن صفوة أنبيائه ورسله، ذكر الله تعالى عن إبراهيم الخليل قوله: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ۝وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وقال عن عيسى: وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ. فإنه قد بعث وعمره أربعون سنة، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وكثرة الأتباع ما لا يقوم به غيره في قرون ودهور، وما آمن معه إلا قليل، البركة في حياة السلف وإذا نظرنا في سيرة سلفنا الصالح نجد أن البركة حاضرة في سيرهم، ها هو أبو بكر الصديق  ولي الخلافة سنتين وبضعة أشهر فقط ومع ذلك ما زلنا نقرأ في سيرته، والفتوحات الكثيرة، ومثله عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى فإنه ولي الخلافة سنتين وأشهر، أو ثمان وثلاثون أي: أنه بقي في الإسلام ست أو سبع سنين فقط، اهتز لموته عرش الرحمن وهو لم يبق في الإسلام سوى ست أو سبع سنين، يا ترى ماذا فعل في هذه السُّنيات؟ إنها البركة، البركة في الأموال وهكذا أيضًا كما بارك الله في أوقاتهم وأعمارهم، بارك الله لهم في الأمور الكثيرة ومن ذلك: البركة في أموالهم، ومن مولاك؟ قال: الله، فيقضيه الله  " ولم يخلف دينارًا ولا درهمًا وإنما خلف أراضين ودور، وقد يسر الله تعالى بيعها بمبالغ لم تخطر على البال فسدد ابنه عبدالله، سدد جميع الديون الكثيرة التي كانت على أبيه، وكان للزبير أربع زوجات، فأصاب كل زوجة من زوجاته ألف ألف أي مليون ومائة ألف، البركة في الأوقات وفي أعمارهم، ها هو الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يصلي لله تعالى تطوعًا من غير الفريضة في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة، ويدافع عنها، فكان يصلي لله تعالى في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة تطوعًا من غير الفريضة، ويتسأل هل يتسع عمر الإنسان لمثل هذا كله مع المشاغل الأخرى، وفي أرزاقهم، وكانت حاضرة في حياتهم، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، عباد الله، وإذا أردنا أن نتعرف على أسباب حلول البركة فيأتي على رأسها تقوى الله   وهو الذي أشار الله إليه في قوله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فالإيمان والتقوى من أسباب تنزل البركات من السماء والأرض، الشكر لله   على نعمه الظاهرة والباطنة ومن أسباب حلول البركة كذلك أيضًا الشكر لله   على نعمه الظاهرة والباطنة، فقال: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7]، والبعد عن المكاسب الخبيثة، فإن المكاسب الخبيثة هي من أسباب محق البركة، أو محقًا لأي شيء آخر حسب ما تقتضيه حكمة الله  لكن نعلم قطعًا بأن المرابي أن الله يمحقه، لكن كيف يمحقه وبأي شيء يمحقه؟ الله تعالى أعلم هذا يرجع إلى حكمة الله  وقضائه وتقديره، الصدق ومن أسباب حلول البركات: الصدق، أو غير ذلك. وبركة العالم في صدقه وتبليغه للحق، وعدم كتمانه وإن كان بالعكس فقد أجرى الله سنته بمحق بركة علمه، مع أنه ربما يفوق الأول بكثير في علمه، ولكن الله تعالى يجعل البركة في الصدق والبيان. أو قال: حتى يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، صلة الرحم والبركة فيه، القصد في الإنفاق إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء:27]، القناعة ومن أسباب حلول البركة القناعة، فإن الغنى غنى النفس، وقنعه الله بما آتاه [6]، ومن قنع بما آتاه الله بارك الله له فيما أعطاه، كما قال عليه الصلاة والسلام: إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، تأمل قوله: من أخذه بسخاوة نفس أي: من غير إسراف، وكان كالذي يأكل ولا يشبع [7]، ولا يقنع، ولا يزال يأكل ولا يشبع، الدعاء فإنه أوصى ابنه بأنه إذا وقع في كُربة من دَينه أن يقول: يا مولى الزبير اقض عنه دينه، وفي صحته، اللهم بارك لنا في أهلينا وفي أولادنا، اللهم بارك لنا في صحتنا. اللهم أنزل علينا من بركات من السماء والأرض، الأحياء منهم والأموات. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك،  ووفقهم لما تحب وترضى، اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم،