وقاتل من بهذا ما أثبته الواقدي في روايته، فكان يقتصر عليها في الرواية؛ أما ما أغفله فهو ما نقصه نحن: وقد لا توفيه جهد محاسنوكانت مارية هذه مسيحية قوية الدين والعقل، فلم تكن أبوابهم تدافع إلا بمقدار ما ولما نزل عمرو بجيشه على بلبيس، إذ كان الروم قد أرجفوا أن هؤلاء العرب قوم جياع ينفضهم الجدب على البلاد نفض الرمال على الأعين في الريح العاصف؛ جاءك أربعة آلاف جزار أيتها الشاة المسكينة! ستذوق كل شعرة منك ألم الذبح قبل أن تُذبَحي! جاءك أربعة آلاف خاطف أيتها العذراء المسكينة! ستموتين أربعة آلاف مِيتة قبل الموت! أنسيت أن أبي قد أهدى إلى نبيهم بنت "أَنْصِنا"1، فكانت عنده في مملكة بعضها السماء, وبذلك تكون أسلحتهم نفسها ذات أخلاق! قالت أرمانوسة: لا ضير يا مارية، فالمسلمون ليسوا كهؤلاء العلوج من الروم، فهم القساة الغلاظ المستكلِبون كالبهائم؛ فكان طوظهور الحقيقة من هذا الرجل الأمي هو تنبيه الحقيقة إلى نفسها؛ أن هذا النبي قد خذله قومه وناكروه وأجمعوا على خلافه، فكان في ذلك كالمسيح، أما هذا فقد ثبت ثبات الواقع حقالت مارية: إن هذا والله لسر إلهي يدل على نفسه؛ فمن طبيعة الإنسان ألا تنبعث نفسه غير مبالية الحياة والموت إلا في أحوال قليلة، فإذا كانت هذه الأمة الإسلامية كما قلتِ منبعثة هذا الاقالت أرمانوسة: وما بعد ذلك دليل على أنكِ تتهيئين أن تكوني مسلمة يا مارية! فاستضحكتا معًا وقالت مارية: إنما ألقيتِ كلامًا جاريتُكِ فيه بحسبه، قال الراوي: وانهزم الروم عن بلبيس، فقد مر ذلك الكلام بما في عقلها من حقائق النظر في الأدب والفلسفة، وأنشأ لهومن طبيعة الكلام إذا أثر في النفس، فكان كلام أرمانوسة في عقل مارية هكذا: "المسيح بدء وللبدء تكملة، لا تكون خدمة الإنسانية إلا بذات عالية لا تبالي غير سموها. فلما أراد عمرو بن العاص توجيه أرمانوسة إلى أبيها، وانتهى ذلك إلى مارية قالت لها: لا يجمل بمن كانت مثلك في شرفها وعقلها أن تكون كالأخِيذة، تتوجه حيث يُسار بها؛ والرأي أن تبدئي هذا القائد قبل أقالت أرمانوسة: فلا أجد لذلك خيرًا منك في لسانك ودهائك؛ فاذهبي إليه من قِبَلي، فإن لهم فيكم صهرًا وذمة" وأعلميها أننا لسنا على غارة نُغِيرقالت: فصفيه لي يا مارية. فإذا هو على فرس كُمَيْت أَحَمَّ1 لم يخلص للأسود ولا للأحمر، صفيه كيف رأيته "هو"؟ قالت: رأيته قصير القامة علامة قوة وصلابة، فضحكت أرمانوسة وقالت: علامة ماذا؟ اجتمعت فيه القوة حتى لتكاد عيناه تأمران بنظرهما أمرًا. فكان ذلك حديثًا بينها وبين عيني أرمانوسة. وقالت هذه: كذلك كل لذة لا يفسرها للنفس إلا تكرارها. قالت أرمانوسة: من هيبته أم عينيه الدعجاوين؟ فنزل قيس يصلي بمن معه والفتاتان تنظران؛ وسألت الراهب "شطا": ماذا يقولون؟ قال: إن هذه كلمة يدخلون بها صلاتهم، قال الراهب شطا: ولكن هؤلاء المسلمين متى فُتحت عليهم الدنيا وافتتنوا بها وانغمسوا فيها؛ فستكون هذه الصلاة بعينها ليس فيها صلاة يومئذ. ثم يقاتلون بهذه الطبيعة أممًا ليس في الداخل منها قالت مارية: والله لكأننا ثلاثتنا على دين عمرو. واوقالت مارية للراهب شطا: سَلْهُ: ما أَرَبُهم من هذه الحرب، قال قيس: حسبك أن تعلمي أن الرجل المسلم ليس إلا رجلًا عاملًا في تحقيق كلمة الله، وترجم الراهب كلامه هكذا: أما الفاتح فهو في الأكثر الحاكم المقيم، وبهذا تكون النفس أكبر من غرائزها، وولى الروم مصعدين إلى الإسكندرية، وكان عمرو من نفسها كالمملكةورقت لها أرمانوسة، فسهرتا ليلة تديران الرأي في رسالة تحملها مارية من قبلها إلى عمرو كي تصل إليه، فإذا وصلت بلَّغت بعينيها رسالة نفسها. واستقر الأمر أن تكون المسألة عن مارية القبطية وخبرها ونسلها وما يتعلق بها مما يطول الإخبار به إذا كان السؤال من امرأة عن امرأة. فلما أصبحتا وقع إليها أن عمرًا قد سار إلى الإسكندرية لقتال الروم، هل أكلف الوجود شيئًا إذا كلفته رجلًا واحدًا أحبه! هل أكلف الوجود شيئًا كثيرًا إذا أردت أن أكون كهذه اليمامة! لم تعرفي الأمير وترك لكِ فسطاطه!