"إذا أرنا أن تؤرخ لفن الإلقاء عند العرب، كان علينا أن نرجع إلى أواسط القرن الأول الهجري ، وهو ما يقابل ما بعد منتصف القرن السابع الميلادي، وهو الوقت الذي وضع فيه القراء العرب قواعد النطق التي تناولوا فيها الحروف ولأبجدية فحددوا مخارجها من الجوف والحلق واللسان والشفتين والخيشوم . و سردوا صفاتها وطبائعها ومايعتريها من مظاهر النطق في أحوالها المختلفة، وقدروا للكلام ابتداء ووقفاً وتتبعوا اختلاف اللهجات بين القبائل فسلكوا بعضها في عداد الفصيح ، وحكموا على البعض بالتنافر والوحشية ". ونجد أن الإغريق حين بدأوا فنهم التمثيلي كان الحوار عن دهم شعراً، والإلقاء نشيداً منغماً وكانت الصورة الأولى التي ظهر بها الفن عندهم في احتفالهم بأعياد (باكوس) المرحة حيث يتغنى الشاعر ، وتردد الجوقة بعض مقاطعه ، وحين طور الإغريق هذا الفن إلى تلك المسرحيات الدرامية التي أنشأها ايسكلوس وسوفوكلوس، ويوريبيدس وألفاظ منتقاة لا يمكن للإلقاء إلا أن يسايرها ويوائم بينه وبينها بالنطق الفحم والجرس الرنان. فتخلص الإلقاء من النشيد رويداً رويداً، ولكنه اتخذ أسلوباً قريباً من النشيد والتغني في لغة فخمة (كلاسيك) ثم جاء تطور آخر في ذلك العهد نفسه حين كتب ارستوفان كوميدياته فجنح الإلقاء معها إلى ما يلائم طابعها وجوها. فطبيعة تلك العصور طبيعة كلاسيكية بفطرتها ، وبقيت هذه الكلاسيكية تطبع الفن التمثيلي قروناً طويلة، وخصوصاً أن هذا مظاهرها، وعلى هذا النحو سار الإلقاء في الفن التمثيلي على عصر الإغريق ثم عصر الرمان ، وعلى هذا النحو الفن ينشأ دائماً أول ما ينشأ في الوسط الديني ،