الخلاصة في تفسير آيات إفساد بني إسرائيل في الأرض مرتين وأكثرهم فاسقون؛ 113]. وداود وابنه سليمان، كما قال الله تعالى: ﴿ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 54]، ولكنَّ بني إسرائيل كفروا وتمردوا، فغضب الله عليهم ولعنهم، واستحقوا عذابه في الدنيا والآخرة، الذي أعطاه الله مُلكًا عظيمًا، فكفر أكثر بني إسرائيل وعصَوا ربهم، وأعاد لهم دولة وقوة، فأفسدوا في الأرض مرة أخرى في عهد الأنبياء زكريا ويحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، فسلَّط الله عليهم من أهلكهم مرة ثانية، وقد ذكر الله في التوراة التي أنزلها الله على نبيه موسى صلى الله عليه وسلم هاتين الإفسادتين من بني إسرائيل، وما سيكون عليهم بعده من عقوبتين؛ وذكر الله ذلك في القرآن الكريم في أوائل سورة الإسراء فقال تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 4]. وقد اتفق المفسرون القدامى على أن هاتين المرتين من الإفساد قد وقعتا من بني إسرائيل، ونقل شيخ المفسرين ابن جرير الطبري الإجماع على أن المرة الثانية هي فسادهم الذي وقع فيه قتل النبي يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام؛ وقال ابن تيمية: "كانت الأولى بعد سليمان، وكانت الثانية بعد زكريا ويحيى والمسيح لما قتلوا يحيى بن زكريا". وقد ذهب بعض المفسرين المعاصرين إلى أن المرة الثانية لم تقع بعدُ، والراجح - والله أعلم - ما ذهب إليه المفسرون الأولون، ويدل عليه ما سيأتي من قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ﴾ [الإسراء: 8]، فيعذبهم الله ويهلكهم في الدنيا بأيدي أعدائهم، وأما الإفساد العظيم الحاصل من اليهود في عصرنا الحاضر، فليس حاصلًا من بني إسرائيل، فكثير منهم أصلهم من الخَزَر أو الأرْمَن أو الروس أو الأوربيين وغير ذلك من الأمم، ولا حتى بموسى عليه الصلاة والسلام، وهم في نظر اليهود المتمسكين بدينهم المحرَّف مرتدون. الذين يسمون أنفسهم مع هذا يهودًا، وحينما يفعلون بعض الشعائر اليهودية يفعلونها من باب التراث الشعبي. 6]. اتفق المفسرون القدامى أنَّ هؤلاء المسلَّطين على بني إسرائيل قوم كفار، لا بعثٌ بوحي وأمر. ومعنى الآية كما قال المفسرون: فإذا حان وقت عقوبتكم - يا بني إسرائيل - على أول الإفسادين أرسلنا إليكم جندًا من خلقنا أصحاب قوة شديدة، فطاف الجنود الذين سلَّطهم الله على بني إسرائيل بين بيوتهم يبحثون عنهم ليقتلوهم، وكان تسليط الله على بني إسرائيل الجنود الذين يقتلونهم ويدخلون بيوتهم قضاء كائنًا لا بد من وقوعه، ثم أعدنا لكم - يا بني إسرائيل - الغلبة ونصرناكم على أعدائكم، لـمَّا تبتم وأطعتم الله ورسله، وصيَّرناكم أكثر جندًا من أعدائكم. وقد قضى الله أن يسلط على اليهود من يعذبهم في الدنيا بسبب كفرهم وعصيانهم؛ كما قال الله تعالى عن بني إسرائيل: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ﴾ [الأعراف: 167]، فسلَّط الله عليهم بعد تلك المرتين النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابَه رضي الله عنهم، فنصرهم على يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة وأهل خيبر، فكان المسلمون يأخذون من اليهود الجزية وهم أذلة، إلى أن وقع من اليهود هذا العلو العظيم والإفساد المستطير في عصرنا الحاضر بمعاونة ودعم القوى العالمية النصرانية والعلمانية الملحدة؛ ولا زال الله سبحانه يسلط على اليهود المسلمين المستضعفين في أرض فلسطين؛ كما جاء في الأحاديث الصحاح، ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ﴾ [الإسراء: 7]. ويعذبكم في الآخرة، بعثنا عليكم أعداءكم ليفعلوا بكم ما يُقبِّح وجوهكم بقتلكم وقهركم، فدخلوا المسجد وخرَّبوه، وليدمر الجنود الذين سلطناهم عليكم كل ما غُلبوا عليه من بلادكم تدميرًا. وقد ذكر المؤرخون والمفسرون والمتخصصون أن بيت المقدس خُرِّب مرتين؛ الخراب الأول على يد بختنصر البابلي، والخراب الثاني على يد الرومانيين، كما قال الله تعالى: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الأعراف: 168]؛ قال ابن تيمية: "بيت المقدس خُرِّب مرتين؛ وبقِيَ خرابًا سبعين سنة، ومن اليهود في عصر الشتات من كان صالحًا متمسكًا بشريعة موسى عليه الصلاة والسلام، فآمن به؛ كعبدالله بن سلام سيد اليهود في المدينة النبوية، ولا تزال قلة قليلة جدًّا من اليهود يتوبون إلى الله، ولا يتأملون ما فيها من تحريفات واضحة، ﴿ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ﴾ [الإسراء: 8]؛ أي: لعل الله - يا بني إسرائيل - يرحمكم بعد انتقامه منكم، ويجعل لكم دولة وقوة، ولا يستطيعون الخروج منها أبدًا. قال ابن جزي: "وقد عادوا فبعث الله عليهم محمدًا صلى الله عليه وسلم وأُمَّتَه، يقتلونهم ويُذِلُّونهم إلى يوم القيامة". قال السعدي: "في هذه الآيات التحذير لهذه الأمة من العمل بالمعاصي؛ عرف أن ذلك من أجل ذنوبهم عقوبة لهم، وأنهم إذا أقاموا كتاب الله وسنة رسوله مكَّن لهم في الأرض، من أحب الاطلاع عليها،