!! و إذا بالشأن السياسي يُتَرْجَمُ إلى أزمة فكريّة تأمّليّة خانقة، و في مقدّمتها الفنّ المسرحي الذي كثيرا ما رفع راية الثورة و التحدّي، و يدفع بالكتابة المسرحيّة نحو الإقرار بحبائل الإنشقاق الممضّ في بيئة عربيّة تحكمها سلطة فرديّة مطلقة بالحديد و النار. وهو يقدم على كتابة مسرحيّة"، و ينزعون أغشية الدلالات، تطلب الغطس غوصا عن درّ كامن، أنثى هي في المسرحيّة متأبّية متمنّعة تطلب صبرا و مراودة. إنّها تنطلق من العنوان، فهل أنّ اِعتماد التاريخ في تخيّل أحداث النصّ المسرحي هو إسقاط لقضايا الراهن على الماضي أم هو تحيين لقديم مستعاد؟ فماهي أهم المظاهر الشاهدة على ذلك. 2-الجوهر: فركّز على تغلغل فكرة الإنتقام و الثأر على شخصية البطل، و حاشية و رجال دين مثل المغنّي"مزهود"الذي أشار على"رمضان باي"بسمل عيني مراد وهو لا يزال حدثا للتخلّص منه و الإنفراد بالحكم، و الشيخ العواني مفتي الديار و الكنانيّ. ثُمَّ عساكر و رعيّة. خاصّة و أنّ مراد تدفعه الشهوة إلى سفك الدماء بدعوى"البالة جاعت"(هو إسم سيفه التركي)و لا يتحرّج من سرد صور التعذيب الذي يمارسه على خصومه للتأثير في مخاطبيه و حملهم على الرّضوخ لأوامره، و دفعهم إلى الخوف من بطشه و انتقامه العنيف، فيقول:"قتلتُ العواني و سجنتُ الشيخ البكري في تونس. هل تريدون أن أسرد عليكم كلّ ما فعلته؟". و إذلال الأفراد و الجماعات، و يتجاوز بذلك القصاص إلى الإنتقام، بل إلى الظلم و الأخذ بالشبهات. تنمو و تتكاثر حتّى تحوّل إرادته إلى مارد زاحف إذا تحرّك على أرض سوّى بها ما عليها، و ويل لمن تمرّد و لم يطأطئ الرأس، أليس مراد هو من أمر كلّ من بايعه بالسجود إليه؟ هو ذا الحاكم الجائر، و على قدر جوره يشتدّ بالنفوس البلاء، و ينتظر من كلّ ذلك شكرًا، و كيف لا تشكر رعيّة و قد أنعم عليها ببقاء الأنفاس؟ القابض على رقاب العباد و الماسك بزمام البلاد، و هذا ما جعله يدخل في صدام مع حاشيته المقرّبة منه التي عارضت سياسته الوحشية و إفراطه في القتل. و حتّى من أقاربه كنقمة اِبنة عمّه أمينة عليه على خلفيّة قتل زوجها بسيفه البالة، أبقاك الله. الناس تستنكر قتل الشيخ محمد العواني و تعذيب الشيخ أبي غيث البكري. ". فإنّ بطل بولعراس يخالفهم الرأي، و لا يقرّ بقانون انتهك حرمته الجسدية، فصرّح بذلك قائلا:"تدافعون عن نظام كنت أنا ضحيّته. فليقوّضه سيفي و يفوقه في الدماء". و مع كلّ هذا العنف و القسوة التي اتّسمت بها شخصية مراد ، وهي تحاول الإنقضاض عليه ، و خنق أنفاسه، فتكدّر صفو حكمه، و تشمت في تتالي المصائب عليه. حالة مراد هذه صوّرها الحبيب بولعراس في نصّه المسرحيّ و قد استبدّ ببطله جنون العظمة بإعتبارها خاتمة رحلة تسافر فيها النفس الحاكمة مع وساوسها فتتدرّج على سلالم الوهم، جنون العظمة صورة ممتلئة بفراغات مرّت عليها ريشة الزمن فلوّنتها بأصباغ متلاحقة:فتنة الألقاب و مهابة السلطان و منازع التقديس و التوق إلى التألّه و نشوة عند رؤية دماء بريئة تسيل غزيرة أمام عيني الحاكم بأمره. فإنّ شخصيّته تحكمها صراعات داخليّة عنيفة ، تعصف بكيانه، فرضتها مشاعره التي جمعت بين المتناقضات:الحبّ و الكراهية، الحقّ و الباطل. و لئن بدا مراد في الظاهر متعدّد الجوانب، فإنّه في حقيقة الأمر واحد تتصارع في أعماقه قوى عديدة هي عماد حياته و جوهر مأساته مثلما بيّن ذلك المؤلّف الحبيب بولعراس في مقدّمة المسرحيّة:"إنّ حساسيّة مراد أدمتها الفواجع التي عاشها منذ نعومة أظفاره جعلته يجابه مصيره وحده، إنّ مراد ليس كبقيّة الحكّام، يسائله باِستمرار، يعانيه مأساويّا، أراد الكاتب أن ينتقد مشكلة الحكم الفردي، و اِنسياق الحاكم خلف اِشباع شهوة ذاتية. فالكاتب على وعي بأنّ تلك الحاشية متى كانت سلبيّة و غير قادرة على الحاكم و ترضى بالقمع. و لكنّ الزمان لا ينصف مظلوما رضي بالظلم و سكن للمذلّة و وطأة القهر. و لذلك صوّر الحبيب بولعراس في مسرحيّته كيف رضخت خاصّة مراد لسطوته، و رضيت بظلمه، نزلت من شامخ عزّها لا محالة، و أشرفت على حضيض التلاشي و الفناء، و لا تنبت العظماء من الرجال إلاّ في القليل. و مهلك كلّ مارد معتد. تلك هي العدالة التي ينشدها مراد، عمياء كصاحبها، قد سُمِلت عيناها فعجزت عن إدراك حقائق الأمور. و تلك هي سياسة الاِستبداد:قمع و ظلم و جور و طغيان، و ما الحريّة في نظام كهذا سوى أكذوبة، فهي المكبوت و المغيّب و المسكوت عنه على الدوام. فأيّة خصائص فنيّة ارتآها بولعراس لطرق هذه القضايا السياسية الشائكة. بالتوازي مع كلّ هذه المضامين و القضايا الحسّاسة، و يستسيغ المشاهد معانيها متى عرضت المسرحية على الركح. من ذلك ما نجده في تدافع التدخّلات و تسارعها، كقول مراد مخاطبا حاشيته بنبرة حادّة:"كفّوا. بل تخلق وجودها ذاته عبر منطوقها. لذلك نرى الشخصية في مسرحيّة"مراد الثالث"تفضح نفسها، وهي تتكلّم، استوجب جزالة و قوّة و جديّة للفظ مثلما يتّضح في قول"محمد خوجة"للعلماء لحثّهم على خلع مراد من الحكم و الثورة عليه:"إنّ بيدكم السلاح الذي دعاكم مراد من أجله. و سيكون الجند عندئذ معكم". فهو لا يستخدم إلاّ أبسطها، محمّلا إيّاها من المعاني المكثّفة و الدلالات الكثير. و نوّع في مواقعها فجعلها سابقة للحوار تارة، أو في وسطه في مواضع كثيرة لوصف جوانب من نفسية الشخصيات و خاصة بطله مراد، ثمّ لتحديد طبيعة العلاقات بينها و بينه، و دفعه نحو لحظة التأزّم. بحيث أدّت تلك الإشارات-متكاملة مع الحوار-وظائف فنية عديدة، و خاصة حين صوّرت البطل عنيدا مكابرا طورا، و منكسرا يائسا طورا آخر. 3-الخاتمة: و من كلّ ما تقدّم، جهر النصّ بأوجاع لا حصر لها و متاعب شتّى، و يتوغّل في ثنايا شخصياته و تشعّباتها، و نجح في العثور على الرابط الدقيق و الخفيّ في العلاقات السياسية و القيم و المواقف التي اتّصلت جميعها بالحكم الفردي المطلق الإستبدادي، فبدت تلك العلاقات واهنة تكاد تتصدّع في كلّ حين لأنّها لم تكن يوما مدعومة بأسس قانونيٌة تمكنّها من الثبات و الرسوخ. و لا يدرك أبدا متى و كيف ينتهي، هي لعبة مرآوية تُسلَب فيها الإرادة سلبا،