You said: سَوَاءٌ عَلِمَ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةً أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَعْدِي مِمَّنْ يُعَامِلُ الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ أَوْ لَا يُعَامِلُهُ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَإِقْرَارًا لِلظُّلْمِ، سَقَطَ حَقُّهُ، فَإِنَّهُ لَا نَقِيصَةَ فِيهِ، وَقَدْ حَضَرَ عُمَرُ وَأُبَيُّ عِنْدَ زَيْدٍ، وَحَضَرَ هُوَ وَآخَرُ عِنْدَ شُرَيْحٍ، لَا يَسْتَدْعِيهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةً، وَيَتَبَيَّنَ أَنَّ لِمَا ادَّعَاهُ أَصْلًا. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ وَإِهَانَةً لِذَوِي الْهَيْئَاتِ، فَإِنَّهُ لَا يَشَاءُ أَحَدٌ أَنْ يَبْذُلَهُمْ عِنْدَ الْحَاكِمِ إلَّا فَعَلَ، وَالْأُولَى أَوْلَى؛ لِأَنَّ ضَرَرَ تَضْيِيعِ الْحَقِّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا. فَإِنْ كَانَتْ بَرْزَةً، وَإِنْ كَانَتْ مُخَدَّرَةً، شَهِدَا عَلَيْهَا. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا، وَإِذَا حَضَرُوا عِنْدَهَا، كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ سِتْرٌ تَتَكَلَّمُ مِنْ وَرَائِهِ، وَإِنْ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ، ثُمَّ يُحْكَمُ بَيْنَهُمَا، الْتَحَفَتْ بِجِلْبَابِهَا، وَإِذَا كَانَتْ خَفِرَةً، سِيَّمَا مَعَ جَهْلِهَا بِالْحُجَّةِ، وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهَا بِالشَّرْعِ وَحُجَجِهِ. (٨٢٤٤) فَصْلٌ: وَلَا يَخْلُو الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا؛ فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، فَإِنْ شَاءَ الْحَاكِمُ بَعَثَ مَعَ الْمُسْتَعِدِّي عَوْنًا يُحْضِرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ بَعَثَ مَعَهُ قِطْعَةً مِنْ شَمْعٍ أَوْ طِينٍ مَخْتُومًا بِخَاتَمِهِ، فَإِنْ امْتَنَعَ، أَنْفَذَ صَاحِبَ الْمَعُونَةِ فَأَحْضَرَهُ، بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ، أَوْ بِالضَّرْبِ أَوْ بِالْحَبْسِ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ، وَيَخْتِمَ عَلَيْهِ. وَتَقَرَّرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّ الْمَنْزِلَ مَنْزِلُهُ، سَمَّرَهُ أَوْ خَتَمَهُ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ، وَسَمِعَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا، وَلَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، أَمَرَ بِالْهُجُومِ عَلَيْهِ، فَيُدْخِلُ النِّسَاءَ وَالصَّبِيَّانِ، أَخَذُوهُ فَأَحْضَرُوهُ. وَلَهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، ثَبَتَ الْحَقُّ عِنْدَهُ، حَاضِرَةٌ، وَكَانَ فِيهِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، قِيلَ لَهُ: حَرِّرْ دَعْوَاك؛ أَوْ خَمْرِ الذِّمِّيِّ، فَإِذَا تَحَرَّرَتْ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَيُوجَدُ مَنْ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا. وَلَنَا، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِمَشَقَّةٍ، فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ وَيُعَزَّرُ، لِأَنَّهُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ. صِيَانَةً لِلْقَاضِي عَنْ الِامْتِهَانِ. فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا مِنْ دَيْنٍ أَوْ غَصْبٍ، أَعْدَاهُ وَحَكَمَ بَيْنَهُمَا كَغَيْرِ الْقَاضِي. فَهِيَ كَالْغَصْبِ. وَإِذَا فَعَلَ هَذَا مَعَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ؛ كَمَا يُقْبَلُ فِي وِلَايَتِهِ. وَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَ ابْنَهُ ظُلْمًا، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَخْرَجَ عَيْنًا مِنْ يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْحَاكِمِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ أَنْكَرَا، وَإِنْ أَنْكَرَا لَمْ يَسْتَحْلِفَا؛ لِأَنَّ إحْلَافَهُمَا يَطْرُقُ عَلَيْهِمَا الدَّعَاوَى فِي الشَّهَادَةِ وَالِامْتِهَانَ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. [مَسْأَلَةٌ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي مَنْ لَا يَعْرِفُ عَدَالَته] (٨٢٤٧) مَسْأَلَةٌ، فَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ، فَإِنْ عَرَفَهُمَا عَدْلَيْنِ، سَأَلَ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْعَدَالَةِ شَرْطٌ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ بِجَمِيعِ الْحُقُوقِ. وَمُحَمَّدٌ. إلَّا أَنْ يَقُولَ الْخَصْمُ: هُمَا فَاسِقَانِ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَرُوِيَ «، أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَقَالَ: نَعَمْ. وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ» . وَلِأَنَّ الْعَدَالَةَ أَمْرٌ خَفِيٌّ، فَلْيَكْتَفِ بِهِ، مَا لِمَ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ كَالرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَفِي سَائِرِ الْحُقُوقِ كَالثَّانِيَةِ؛ أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ، فَوَجَبَ الْعِلْمُ بِهَا كَالْإِسْلَامِ، فَأَمَّا الْأَعْرَابِيُّ الْمُسْلِمُ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمْ بِثَنَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ دِينَهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيثَارًا لِدِينِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الظَّاهِرَ الْعَدَالَةُ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ وُجُوبَ الْبَحْثِ، أَنَّهُ أُتِيَ بِشَاهِدَيْنِ، وَلَا يَضُرُّكُمَا إنْ لَمْ أَعْرِفْكُمَا، فَأَتَيَا بِرَجُلٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تَعْرِفُهُمَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ عُمَرُ: صَحِبْتهمَا فِي السَّفَرِ الَّذِي تَبِينُ فِيهِ جَوَاهِرُ النَّاسِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: عَامَلْتهمَا فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الَّتِي تُقْطَعُ فِيهَا الرَّحِمُ؟ قَالَ: لَا. لَسْت تَعْرِفُهُمَا، جِيئَا بِمَنْ يَعْرِفُكُمَا وَهَذَا بَحْثٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِدُونِهِ. وَالْعَدَالَةُ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَخْفَى وَيَحْتَاجُ إلَى الْبَحْثِ إلَّا الْعَدَالَةُ، فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَحْثِ عَنْهَا؛ أَوْ نُخْبَرَ عَنْهُ، وَنَسَبِهِمْ، أَقْنَى الْأَنْفِ أَوْ أَفْطَسُ، وَلَا يَقَعُ اسْمٌ عَلَى اسْمٍ، وَقَدْرَ الْحَقِّ، لِكُلِّ وَاحِدٍ رُقْعَةً. وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا الْمَشْهُودَ لَهُ، أَوْ شَرِكَةٌ، وَذَكَرْنَا اسْمَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ وَذَكَرْنَا قَدْرَ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ مِمَّنْ يَرَوْنَ قَبُولَهُ فِي الْيَسِيرِ دُونِ الْكَثِيرِ، وَلَا تَطِيبُ إذَا كَانَ كَثِيرًا. لِئَلَّا يَتَوَاطَئُوا. وَيَكُونُ السُّؤَالُ سِرًّا؛ لِئَلَّا يَكُونَ فِيهِ هَتْكُ الْمَسْئُولِ عَنْهُ، أَوْ يَسْتَحْيِيَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَصْحَابُ مَسَائِلِهِ غَيْرَ مَعْرُوفِينَ لَهُ؛ لِئَلَّا يُقْصَدُوا بِهَدِيَّةِ أَوْ رِشْوَةٍ، أَبْرِيَاءَ مِنْ الشَّحْنَاءِ وَالْبُغْضِ؛ أَوْ يَسْأَلُوا عَنْ الشَّاهِدِ عَدُوَّهُ فَيَطْعَنَ فِيهِ، وَلَا يَكُونُونَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْعَصَبِيَّةِ، بَعَثَ آخَرَيْنِ، ثَبَتَ وَرَدَّ الشَّهَادَةَ، وَيُقَدِّمُ الْجَرْحَ، وَلَا يَقْبَلُ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ، وَيَقْبَلُ قَوْلَ أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ. وَقِيلَ: لَا يَقْبَلُ إلَّا شَهَادَةَ الْمَسْئُولِينَ، وَيُكَلِّفُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا بِالتَّزْكِيَةِ وَالْجَرْحِ عِنْدَهُ، وَلَا تُقْبَلُ مِنْ صَاحِبِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، أَنَّ شَهَادَةَ أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ شَهَادَةُ اسْتِفَاضَةٍ، لَا شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ، فَيَكْتَفِي بِمَنْ يَشْهَدُ بِهَا، كَسَائِرِ شَهَادَاتِ الِاسْتِفَاضَةِ؛ وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ إجْبَارُهُ عَلَيْهَا، فَصَارَ كَالْمَرَضِ وَالْغَيْبَةِ فِي سَائِرِ الشَّهَادَاتِ، لَتَعَذَّرَتْ التَّزْكِيَةُ؛