إن الاسلام في نظر الجمهور يعد قبل كل شيء دينا - نظاما من العقائد والعبادات - يقترن بذات النبي محمد ( عليه الصلاة والسلام ) وبسجل أقواله المحفوظ في القرآن، (۱) ونحن نسمى أتباعه محمديين أو مسلمين أو « مسلمان - ويمدنا الأحصائيون بأرقام إجمالية وتفصيلية لبيان توزيعهم وقوتهم النسبية. الأحصاءات أن مجموع معتنقى الأسلام يتراوح بين ٢٤٠ و ٢٥٠ مليونا أي ما يزيد على مجموع سكان الأمريكتين من هؤلاء ۱۸۰ مليونا في آسيا (في الهند ما يربى قليلا على ٧٠ مليونا وما يقرب من ٥٠ مليونا في أندونيسيا وحوالي. ٤٠ مليونا في آسيا الغربية والباقون في الصين وسيبيريا ) وفي أفريقية ما ير لي على ٥٠ مليونا حيث يزيد حقا عدد المسلمين على غيرهم من متبعى سائر الأديان المنظمة أضعافا مضاعفة وحيث يكونون ما لا يقل عن ثلث سكان القارة، تصدر عن عقائدهم المتغلغلة فى نفوسهم ، أن المكان الذي تبوأته التعاليم الدينية كان دائما من العظمة بحيث لا نستطيع إغفال ناحية العقيدة عند إلقاء أى نظرة على النزعات الحديثة في العالم الأسلامي . ولم نقل المسيحية ولقلنا الصين بدل أن نقول ديانة كونفوشيوس : يشمل الاسلام مزيجا كاملا من الثقافات التي نمت حول الأصل الديني أو ارتبطت به في معظم الأحوال مع تعديل قليل أو كثير فهو مزيج ذو خصائص يتميز بها في تكوينه السياسي والاجتماعي والاقتصادي وفي تصوره للقانون وفي نظرته الخلقية ونزعاته العقلية وأساليبه في الفكر والعمل ، وهنا ينقطع امتداد الكتلة لأول مرة ولكن بعد أن تتفرع منها جماعات كبيرة منثورة في البنغال وغيرها من أقاليم الهند تبدأ سلسلة جديدة في شبه جزيرة الملايو وتمتد متصلة في مجموع جزر الهند الشرقية حتى تنتهى في جزر الفلبين الجنوبية ، وإذا نظرنا إلى العالم الإسلامي على المصور ألفيناه يشبه هلالين عظيمين يخرج قرنا كل منهما من مركز مشترك في آسيا الغربية ويكون الشمالي منهما نطاقا يربو عرضه على ألف ميل ويحيط بأوربا من أقصاها إلى أقصاها تقريباً ويفصلها جغرافيا عن البلاد الغاصة بالسكان في جنوب آسيا وشرقيها ، ولعل من سداد الرأى توقعنا أن يكون انتشار الأسلام على هذه الأصقاع الشاسعة واشتماله على أجناس كثيرة وتقاليد قديمة أمرين سيحولان دون بلوغ وحدة حقيقية في المدنية الاسلامية وأنه رغم اتحاد المظاهر الدينية فان بقاء العادات التي رسخت قديما وأساليب التفكير المختلفة في طبيعتها اختلافا لا يدع لاتفاقها سبيلا سيؤثر تأثيراً قويا في ثقافة كل إقليم على حدة حتى لا يترك مجالا لتقاليد شاملة ولا لأى وحدة تامة في الشعور وحتى يوجد عدداً من الثقافات الاقليمية الأسلامية . وكانت المدة ما بين ۷۵۰ و ۱۰۰۰ م هى دور التكوين الذي طبعت فيه المدنية الأسلامية في تطورها بالطابع المميز لها و الذي لم تفقده إلى يومنا هذا وهنا لا بد أن نقف قليلا لنفحص عن كتب مسألة ذات مساس كبير بالمعضلة الأسلامية عامة - جرينا على أن نعد الأسلام دينا شرقيا وثقافته ثقافة شرقية حتى النميل إلى إغفال الخصائص الحقيقية للمدنية الأسلامية وحتى ليفوتنا مكانها الصحيح وخطورتها في تاريخ الجماعة البشرية . ثم إن الدين الأسلامي في ذاته واحد من مجموعة الأديان التي تشمل إلى جانبه المجوسية واليهودية والمسيحية وهو يقاسمها نفس المبادى الأساسية (1) ومن ثم فهو من أول الأمر ينتمى لما يمكن أن نسميه مجموعة الأديان الغربية تمييزاً لها عن مجموعة الأديان الشرقية الهندية والصينية . زادت قوة فيما بعد لأن العالم الخارجي الذي انتشر فيه الاسلام من بلاد العرب كان هو العالم الاغريق الذي ورث المدنية اليونانية - الرومانية، ولهذا كانت المؤثرات الخارجية التي صاغت المدنية الأسلامية إغريقية وفارسية ، وتغلغلت الثقافة اليونانية في صميم الحياة العقلية للمسلمين، واتصالنا بها أوثق من اتصالنا بثقات الهند أو الشرق الأقصى قتسميتها شرقية ، اليهود والمسيحيون الشرقيون تحت كنف المسلمين ولم تأت سنة ١٠٠٠ م حتى كمل هذا التطور في الأسلام من عقيدة محضة إلى مجتمع متشعب النواحى حتى إذا وثب إلى ماوراء حدوده القديمة بعد ذلك ومسكن لنفسه في أقاليم ذات ثقافة موروثة أخرى لم يفعل ذلك وهو بمرونته الأولى بل انتقل ثقافة متماسكة تامة النضج حملها معه أينما ذهب . كان الأسلام في الهند وإندونيسيا هو الوارث الروحي للاسكندر وحامل لواء المدنية الاغريقية وإن كان قد هضمها وصبغها بصبغته ( وربما نجد مثا لا على ذلك. أن الاسلام وحده من بين الأديان الغربية رفع الاسكندر إلى ما يقرب من مكان الأنبياء) (۲) ورغما عن تكييف المظاهر الدينية بما يلائم العرف الأقليمي ولا سيما بين الطبقات الدنيا فان الأسلام أبى أن يسالم بيئته الجديدة أو أن يعيد النظر في نزعته أو أصوله ، ومع هذا كان من المحتمل أنه كلما زاد انتشار الاسلام وزاد تحويره لتقاليد غريبة الجوهر عن كنه الصحيح حتى تلائم أغراضه فلما صار المثل الأعلى للوحدة التي يسعى لصناعتها عرضة للخطر وصارت رسالته الحقيقية عرضة لأن تضعف أو تضل السبيل. ويلى الحج مباشرة في العمل على التوحيد الروحي الجهود التي بذلها دعاة الاسلام من أتباع الطرق الصوفية المخلصين الذين يجهدون في كل ناحية في المحافظة على الأيمان وإذكاء لهيبه في قلوب أفراد الناس، ومهما كان في كثير من فروع الطوائف الصوفية الصغيرة من إسراف ورغما عما يشوبها من الهنات فان الطرق الصوفية في جملتها لعبت ولا سيما في البلاد النائية الأحدث عهداً بالأسلام دوراً مثمراً في نشر العقائد والعبادات الأسلامية . وعلى هذا فان تقاليد الأسلام الخالصة وتأثيرات ثقافتة كانت تقوى على الدوام في البلاد الأحدث عهداً بالاسلام بفضل الجهود التي تضافر عليها المهاجرون من المركز الأصلى والعلماء. كان الأثر الخالص لهذه العوامل أنها أو جدب وصانت في العالم الاسلامي كله ثقافة وتقاليد متينة التماسك إلا تكن قد بلغت تمام كمالها فانها تسترعى النظر بحق إذا ما نظرنا إلى أجزائها المتباعدة واختلاف أصول أجناسها و لغاتها بدت متانة تلك الثقافة فى شيوع الكتابة العربية وظهرت بدرجة أقل من ذلك.