ـ تعريف الأنموذج (البخيل) في الأدب المقارن. الأنموذج:‏ هو ذاك الإنسان الذي تتمثل فيه مجموعة من الفضائل أو الرذائل، أو متفرقة في مختلف الأشخاص. أو عن تقاليد وطنية، أو غير ذلك من الشخصيات التاريخية التي دخلت ميدان الأدب. ومن هذه النماذج الإنسانية العامة أنموذج (البخيل) الذي هو موضوع هذه الدراسة. فما هو أنموذج البخيل في الأدب العربي حيث يمثله بخيل (الجاحظ) ويمثله في الأدب الفرنسي بخيل موليير؟. إن شخصية الأنموذج البخيل قديمة في الأدب العالمي. وعن شعراء الإغريق منهم خاصة. ويذكر الدكتور محمد غنيمي هلال أن: "من بين الذين برعوا في الملهاة من الرومانيين نخص "بلوتوس" plotus (254 ـ 184ق. وطرائف لاذعة عميقة، وكان يحاكي شعراء الملاهي من الإغريق، ومن أشهر ملاهي بلوتوس التي كان لها تأثير في الآداب الأوروبية بعده، ملهاة "أولولاريا"، أو "وعاء الذهب". وقد حاكاه "موليير" في ملهاته الشهيرة "البخيل"(1). كما يشير الدكتور هلال في مكان آخر إلى تأثر موليير في مسرحيته الشهيرة "البخيل"، بالشاعر الروماني بلوتوس حيث "صور موليير شخصية "أرباغون" أنموذجاً إنسانياً للبخيل وتعمق في تصويره أكثر مما فعل بلوتوس بحيث ظهرت هذه الرذيلة الاجتماعية في صورها المختلفة الهدامة في علاقة البخيل بأولاده، وفي نظرته إلى المجتمع، حتى ِأن عاطفة الحب عنده لم تطغ(2) على صفة البخيل فيه. وقد ظهرت في المسرحية آثار هذا البخل الأليمة في أبناء ذلك البخيل. مما أكسب هذه الملهاة طابعاً به يقرب الضحك المر من البكاء. وأشهرها مسرحية الشاعر الإيطالي "كارلو جولدوني" (1707 ـ 1793م). وعنوانها البخيل، وللمؤلف ملهاة أخرى عنوانها "البخيل المتبرج"، كما له ملهاة ثالثة بعنوان: "البخيل الغيور"، هذا في الأدب الأوروبي. فما هو الشأن في الأدب العربي؟؟ هل كان الجاحظ مبتدعاً في هذا الباب؟. أم سبقه سابقون إلى الخوض فيه؟؟ ما الذي لفت الجاحظ إلى موضوع البخل وإلى تصوير البخلاء؟؟!. في المقدمة التي وضعها الدكتور طه الحاجري في تحقيق كتاب "البخلاء للجاحظ"، يشيران إلى أن له في هذا الموضوع أسلافاً من أمثال "الأصمعي"، و"أبي عبيدة"، 4). ومنها مسرحية "البخيل"؟. كيف تصور هذان الأديبان /الجاحظ وموليير/ أنموذج "البخيل"، وكيف رسما ذلك؟. وكيف جاء عنصر الإضحاك والسخرية الذي يُعدُّ من أهم مقومات فن الفكاهة أو /الملهاة/؟؟؟‏ الجاحظ: هو أبو عثمان عَمْرو بن بحر بن محبوب الكناني الجاحظ. ولد بالبصرة سنة تسع وخمسين ومئة هجرية. وتوفي سنة خمس وخمسين ومئتين هجرية. كان في قلة ثم أثرى بجهده ونشاطه ودأبه. أخذ الجاحظ العلم عن المسجديين، على أن علمه الواسع جاء عن طريق مطالعته الخاصة حيث كان شديد الولع بالقراءة. "تثقف الجاحظ باليونانية عن طريق علماء الكلام، وسلمون وأمثالهما، وبالفارسية من كتب ابن المقفع، وكان إلى جانب ذلك يختلط بالفقراء والأغنياء والكبار والصغار وعامة الناس. فاكتسب من ذلك خبرة واسعة بطبائع الناس، وعاداتهم وتقاليدهم، وأفكارهم وميولهم. وافق مولد الجاحظ في عصر ساد فيه الترف المادي والفكري. فنشط سوق البيان والعلم، وكثر المثقفون وظهر العلماء في شتى المجالات، وانتشرت الحرية الفكرية والمناظرات الكلامية في عصر تشابكت فيه الثقافات الإنسانية بصورة واسعة. انتقل من البصرة إلى بغداد، وكانت هي والكوفة آنذاك عاصمتي العلم والمعرفة والأدب، أصبح الجاحظ بذلك إماماً من أئمة الكلام، وزعيماً من زعماء المعتزلة، وصاحب نحلة من نحلهم، عالماً، محيطاً بمعارف عصره لا يكاد يفوته شيء منها. كما أصبح راوية من رواة اللغة وآدابها وأخبارها، غابرها ومعاصرها، واسع الرواية، ألم الجاحظ إلى جانب ذلك بالفارسية، أديباً، بكل ما تتضمنه هذه الصفة من رهافة في الحس، وخصوبة في الخيال، قصيراً، أسود، بارز العينين، يحدثنا هو عن شوهته فيقول: "ذكرت للمتوكل لأعلم أولاده، فأمر لي بعشرة آلاف دينار وصرفني". حاضر الجواب، سريع النكتة، ناعم السخرية، وله ولع شديد بالضحك والإضحاك. ينفد بعقله إلى المدركات الخفية، ويراها بوضوح تام. ولذا فقد أدرك ذاته وفهمها وتقبّل عيوبها، هو نزعته إلى السخرية والتهكم إلى جانب المرح والدعابة. ولعل في الحادثة التالية التي يوردها محقق البخلاء، عن الجاحظ، ما يعطي صورة دقيقة، وفهماً أعمق لروح الجاحظ المرحة الشفافة التي وجدت في الدعابة والفكاهة والتندر بمواقف البخلاء ما يعجز عن التقاطه الأذكياء. "حين تولى الوزارة محمد بن عبد الملك الزيات، اتصل الجاحظ به وقدم إليه كتابه "الحيوان"، وكان ابن الزيات مناوئاً للقاضي أحمد بن داوود في زمن "المعتصم" فوقف الجاحظ مع صديقه الزيات ضده. وأسلوبه المرح. "(8). دارسو، ومحققو كتب الجاحظ بلغ عددهم في أرشيف مكتبة الأسد الوطنية بدمشق لوحدها /121/ مئة وواحداً وعشرين دارساً ونيف. توزعت دراساتهم بين أهم مؤلفاته وأشهرها: (الحيوان ـ البيان والتبيين ـ رسائل التربيع والتدوير ـ الإيجاز ـ تهذيب الأخلاق ـ خلق القرآن ـ الاعتزال ـ الإمامة ـ العرب والموالي ـ العرب والعجم ـ الرد على المشبهة ـ الجواري ـ الحاسد والمحسود ـ فلسفة الجد والهزل ـ التاج في أخلاق الملوك ـ الحنين إلى الأوطان ـ المحاسن والأضداد ـ النساء ـ القضاة والولاة ـ رسائل الجاحظ ـ منتخبات من أدبه ـ وبحوث تحليله لأدبه. ، أما دارسو وشارحو كتابه البخلاء فقد قارب عددهم في الأرشيف نيفاً وأربعين دراسة يعود أقدمها، إلى سنة /1905/ القاهرة. توصلنا إلى آراء متباينة تعكس وجهة نظر الدارسين. لقد ذهب بعضهم إلى أنه أراد بموضوعه البخلاء إضحاك الناس وتسليتهم، إلا أننا نستشف من مختلف المراجع أن أحاديث البخل وأخبار البخلاء كانت تسير في طريقين متجهين إلى غايتين: يقوم في أحد الطريقين دعاة الشعوبية الذين يقفون بالمرصاد فيردون على العرب فخرهم واعتزازهم بالكرم والشجاعة وغيرها من الصفات التي تتطلبها المروءة في الصحراء. ولهذا فهم يحاولون جاهدين تلقّط الأخبار التي تتعلق بأسلوب حياة العرب القاسية، ومأكلهم، وذلك بهدف النيل والتقليل من شأن العرب، والحط من قدرهم. وقد وجدت حركة الشعوبية في باب الهجاء عند شعراء العرب مادة دسمة، فركبت موجتها، ألزمت ذلك القبيلة كلها، كما تمدح‏ القبيلة بفعل جميل وإن لم يكن ذلك إلا بواحد منها". وهكذا. ذهبوا يصنفونها ويملأون بها الجو على العرب والعربية تشنيعاً وسخرية. وهذا الباب يكثر ويطول. فإن أردته مجموعاً فاطلبه في كتاب الشعوبية فإن هنالك مستقصى". 10). وهكذا نرى أن الخصومة الجنسية التي ثارت بين الروح العربية، قد أدت إلى نوع من الحديث عن البخل وجهته ولونته بما تريد، كما وجهت أنواعاً أخرى من الأحاديث، وخلقت ضروباً من الكتب والتآليف كثيرة!!. ـ وفي الطريق الأخرى كان يقوم دعاة الدولة القائمة ممن وضعوا أنفسهم في خدمة السلطان، من العلماء وأهل الأدب. ومنهم من كان ينصر الدعوة العربية ويتعصب لها كالأصمعي. ومنهم من كان أميل إلى الشعوبية كالمدائني وغيره. تعرض صوراً من الحياة الماضية دون الحياة الحاضرة، بل لقد كانت بلا ريب جرساً نبه نزعته الفنية إلى اقتحام هذا اللون، والإبداع فيه، فكان كتابه الثر، السريعة الاستجابة، والتي كانت تطبع شخصيته بطابع مميز. وهنا يخطر سؤال هام يقول: أكان هناك غرض أو أغراض شخصية كانت تداخل نفس الجاحظ وتؤثر في توجيه قلمه، وتلوّن مجراه؟؟. يجيب الدكتور الحاجري عن ذلك فيقول: "الواقع أن نزعة الجاحظ الفنية وحدها كانت حافزته وباعثته، وباعثته فيه وصاحبة الأمر في تصريفه وتلوينه". ويؤكد الدكتور الحاجري على هذه القناعة مرة ثانية في مكان آخر من كتابه فيقول:"ومن هذا نرى أنه لم تكن تنزع بالجاحظ إلى هذه الأحاديث نزعة غير النزعة الفنية"(12). بدءاً بالملوك والرؤساء، وانتهاء بعامة الناس، الذين ينتسب الجاحظ إليهم مثل أبي الهذيل العلاف، وعلي الإسواري، كما نجد في سخريته من الأصمعي العربي، وأبي سعيد المدائني أسباباً أبعد من تلك التي تعود إلى نزعته الفنية، وقد يكون من أهمها توجيه النقد اللاذع، بأسلوب ساخر خفيف، إلى الطبقة التي أعماها الثراء عن التبصّر في أمور الآخرين، وكشف زيف ذلك الثراء الذي قام على استغلال جهد الآخرين. خلاصة كتاب البخلاء:‏ يتحدث الجاحظ في مدخل كتابه، أنعمتَ فَزِدْ". عن المحتوى، وعن أسلوبه فيه، وأنه في نوادر البخلاء واحتجاج الأشحاء، وما يجوز من ذلك في باب الهزل، وما يجوز في باب الجد. وكذلك عن الباعث على تأليفه، وأوضح الجاحظ في المقدمة أن أشخاص البخلاء بعضهم حقيقيون، وبعضهم الآخر وهميون لم يذكر أسماءهم: "وقد كتبنا لك أحاديث كثيرة مضافة إلى أربابها، وأحاديث كثيرة غير مضافة إلى أربابها، إما بالخوف منهم، وإما بالإكرام لهم". 13). وما يتهاجون ويتمادحون به في هذا الباب. فمن رسالة سهل بن هارون في آداب الإنفاق، إلى تصوير بخل أهل خراسان، ولاسيما أهل مرو الذين يكاد يكون البخل فيهم فطرة وغريزة يولدون عليها. لإكثار الناس في أهل خراسان، ونخص بذلك أهل مَرْو بقدر ما خُصُّوا به: قال أصحابنا: يقول المروزيُ للزائر إذا أتاه، تغديتَ اليوم؟ فإن قال: نعم، وإن قال: لا. قال: لو كنتَ تغديتَ لسقيتُكَ خمسةَ أقداح. ".(14). ويرى الجاحظ أن البخل في أهل خراسان لا يقتصر على البشر، وإنما هو وباء تسرب إلى الحيوانات أيضاً. يأخذ الحبة بمنقاره ثم يلفظها قدام الدجاجة، إلا دِيَكَة مرو، فإني رأيت ديكة مرو تسلب الدجاج مافي مناقيرها من الحب. ومن قصص أهل البصرة من المسجديين ص /56/ إلى قصص زبيدة(16)، بن حميد ص/64/ وليلى الناعطية /67/ وابن خلف /71/ وابن يزيد /77/ التي تدور على أن لُحمة البخل كصلة النسب. وأن بيوت الأموال درهم إلى درهم. وأن فضيلة المال في الحفاظ عليه، ومن نوادر أبي جعفر الطرسوسي ص/97/، وخالد بن عبد الله القسري ص/107/، والحارثي /109/. إلى نوادر أبي فاتك ص/122/، والبخل مال وذم، وأن سوء المعاملة في أمور المال تؤدي إلى هبوط الأسعار والكساد الاقتصادي، ومن كلام العقدي ص/198/ والمدائني/209/، وأبي عُيينة /221/. إلى رسالة الثقفي ص/235/ وابن التوأم /256/، وإلى أنواع مختلفة من ضروب الطعام عند العرب ص/319/، وحديث القِرى. والكرم. وآداب الضيافة عندهم!!. يمكن أن نضع يدنا على أنموذجات متعددة مثلت جوانب كثيرة باستطاعتنا أن نردها إلى المسارات الخمسة التالية التي قصد الجاحظ إليها، وهي(17):‏ والمقترين على أنفسهم وعلى ذويهم، وأن الادخار هو العقل بعينه. ولم يذم صنيعهم ويستنكره. وأبدى صفحته للذم ولم يرضَ من القول إلا بمقارعة الخصم. كعجبي ممن قد فَطِنَ لبخله، وعَرَف إفراطه وشُحّه وهو في ذلك يجاهد نفسه، ويغالب طبعه. فلو أنه كما فطن لعيبه، وفطن لمن فطن لعيبه، فطن لضعفه عن علاج نفسه وعن تقويم أخلاطه. لترك تكلف ما لا يستطيعه، إلا أن اللا شعور لا يلبث أن يلفظها دون وعي منهم. فتطفو على السطح وقد هتكت سترهم. وكشفت عن مرضهم "ودلت على حقائق التموهين. وفرقت بين الحقيقة والرياء، وفصلت بين المقهور المنزجر ـ في طوايا النفوس ـ والمطبوع المبتهل". 20). والكتاب من هذه الزاوية، وتبيان حال المعوزين في كيفية الحصول على المال، كقصص الحارثي؛ المسار الخامس: ويبين جانباً من هدف الكتاب وهو الضحك واللهو وإملاء الفراغ من سخرية على البخلاء، أو تعرف حيلة لطيفة، في حين كان جده لأبيه يملك متجراً في ساحة سوق (سان جرمان) حيث كانت تقام فيها العروض المسرحية الشعبية. من تلك السن المبكرة، ومن خلال هذا الجو والنشأة، بدأ الصبي يتشبع بالروح الفني لتبدأ ملامح الذكاء والتفوق تظهران عليه وهو يدرس في مدرسة (كليرمون) حيث يتجمع أبناء الطبقة النبيلة الذين غدا لهم شأن كبير فيما بعد في المجتمع كـ(برينييه الكاتب، وشابيل الشاعر، وحامي لموليير ونصيره. انتقل جان إلى مدرسة "جاسندي" الفيلسوف المتحرر والمرح. إلا أنه لم يزاول هذه المهنة التي كان يرى فيها ما سماه (بالعدالة الملتوية). دخل جان عالم المسرح بشكل كامل عام /1643م/ واتخذ لنفسه اسماً لأحد مؤلفي الروايات هو "موليير" ثم اختار لفرقته اسم (المسرح الفخم) وبدأ نجمه يرتفع يوماً، بعد يوم فكثر أنصاره، وكان على رأسهم الملك لويس الرابع عشر، والناقد "بوالو". وكان على رأسهم رجال الكنيسة. وظل يكافح بعزيمة وعناد، على الرغم من كثرة العواصف التي كادت تطيح به. ، فأخذ يكتب المسرحيات، ويشارك في التمثيل بجهد ودأب، ليخرج للأدب العالمي روائع المسرحيات التي تمثل حتى اليوم، و من أهمها:‏ وغيرها. في عام /1792م/ نقل إلى متحف الآثار الفرنسية حجر ضخم متشقق يميل لونه إلى السواد، كان كل ما بقي للإنسانية من قبر موليير الذي تصارع مع السل فصرعه الآخر عام /1673م/. بخيل موليير: يشير النقاد إلى أن مسرحية "البخيل" لموليير من أحسن مؤلفاته. وهي مسرحية نثرية تقع في خمسة فصول، وتدور حوادثها في منزل البخيل "أرباغون" بباريس، بطل المسرحية إذن هو البخيل ("أرباغون" Harpagon) ـ شيخ في الستين من عمره، استهواه جمع المال. فوضع ماله في صندوق خبأه في حديقة داره بعيداً عن أعين الرقباء والمتطفلين. لأرباغون ولد يسمى (كليانت Cleante) وبنت تدعى (أليس Ellse). يتركز دور كليانت في المسرحية حول علاقته بـ(ماريان Mertane)، الفتاة التي تسكن بجوارهم منذ عهد قريب، والتي تعيش مع أمها المريضة عيشة متواضعة. ينصرفان لنرى أرباغون وقد تسلطت عليه الوساوس، ثم يحضر (لافليش Lafleche) خادم كليانت، فيأمره أرباغون بالانصراف. أرباغون: اذهب لوجهك توّاً. ـ مالم يقم الدليل على العكس ـ أن به مساً من الشيطان. أرباغون: أراك تتمتم!!‏ لافليش:لِمَ تطردني؟‏ أرباغون: صنعتَ؟. إني أريد أن تغادر هذا المكان. لافليش: لقد أمرني سيدي كليانت أن أبقى في انتظاره هنا. وبعد حوار طويل يدور بين الاثنين يتهم فيه أرباغون لافليش بأنه يراقبه وبأنه جاسوس يمكن أن يذيع أخبار ماله المكنوز، يهم بصفعه طالباً منه الخروج ثم يصرخ به:‏ لا ترحل. مقترباً منه). ألم تسلبني شيئاً؟. لافليش: وماذا أستطيع أن أسلبك؟. لافليش: هاهما يداي. أرباغون: والآخرين؟ (ظاناً أنه سرق بيدين أخريين). لافليش: (يريه إياهما من خلفه) ها هما تان. أرباغون: (مشيراً إلى سراويل لافليش)، هذه السراويل الواسعة تصلح لإخفاء المسروقات، وأتمنى لو يشنق بعضهم من أجلها. وبعد انصراف لافليش، ولقاء على المسرح بين أرباغون وابنته وابنه حيث يصارحهما بأنه اعتزم الزواج بشابة تدعى ماريان، وأنه عازم كذلك على تزويج كليانت بأرملة غنية، وبأنه قد اختار السيد أنسليم، ذلك الرجل الناضج الذي أشرف على الخمسين، والذي اشتهر بثرائه الفاحش، زوجاً لابنته أليس، يتركهما مع الخادم "فالير" الذي كان يحب "أليس" وعلى علاقة بها، والذي زج نفسه في هذا العمل ليكون قريباً من محبوبته. الفصل الثاني: يكثف الفصل الثاني حاجة كليانت للمال، فيحاول استدانته من أحد المرابين، وهنا تبرز الشروط القاسية التي يمليها المرابي المستتر، (والتي تذكرنا بشروط تاجر البندقية اليهودي "شايلوك". يلتقي على المسرح المرابي الجشع، فيفاجأ بأنه والده أرباغون، الفصل الثالث: ويتضمن تعليمات أرباغون المشددة بخصوص عدم الإسراف في مأدبة عشاء سيقيمها في المساء، ثم نادى (لافليش) قادماً من الحديقة، يحمل صندوقاً صغيراً كان أرباغون قد أخفى فيه نقوده، مقدماً إياه إلى كليانت. وعندما يكتشف أرباغون سرقة أمواله يصاب بمس من الجنون. ونراه يدخل إلى المسرح مهرولاً، عاري الرأس، زائع النظرات، يصيح كالمخبول: "إلى اللص!. إلى اللص!. إلى القاتل!. إلى الجاني!. عدلك، أيتها السماء العادلة". لينتهي هذا الفصل باستدعاء الشرطة في الفصل الخامس بعد أن اتهم أرباغون جميع الناس، فطلب إلى المفوض أن يعتقل جميع من في المدينة. العوامل المؤثرة التي دعت الأديبين لأنموذج البخيل:‏ يشكل كتاب البخلاء للجاحظ، ومسرحية البخيل لموليير ظاهرتين من ظواهر الفكر العربي في المجتمع العباسي، ولقد لعب العامل الاقتصادي الدور الأهم في ذلك التغيير، بعد أن غدت العراق مركزاً للتجارة وللحياة الاقتصادية النابضة من الهند والصين شرقاً، إلى المحيط الأطلسي وجنوب الحبشة غرباً. الأمر الذي جنب الأضواء، وحوّل الأذهان عن التفكير في جميع القيم باتجاه القيمة المادية التي طغت على ما سواها. بل كان أشد بؤساً وتعاسة، وأكثر افتتاناً بجمع المال. كما شاعت فيه ضروب النفاق والدّجل والحرص على المال. وجاءت حروب "لويس الرابع عشر معاصر موليير لتزيد الطين بِلّة، إذ أنهكت فرنسا، وخلّفت فيها أنواعاً من الشقاء، وضروباً من الطبائع الخسيسة، خلّفها بذخ الملك، وإذا كان الجاحظ قد انتقى أكثر أشخاصه من تلك الطبقة التي تكالبت على المال، فإن موليير انتقى أنموذجه ليجسم شراهة الطبقة البرجوازية المرابية الجشعة. مضافاً إليها طبقة رجال الدين المستغلة التي راحت تنتزع اللقمة من أفواه الناس. وكذلك في المجتمع الفرنسي الأمر الذي أدى إلى انشطار كل من المجتمعين ليفرز فئة كادحة تعيش في ضائقة خانقة، وتلتمس أغرب السبل والحيل من أجل حاجاتها. مما أدى إلى تمزق أصاب التركيب الاجتماعي فيه وقسمه إلى طبقات متناحرة. يتعقب الدكتور طه الحاجري أحد محققي كتاب البخلاء، ليرسم لنا أبرز الصفات الفنية التي تتجلى في أسلوب الجاحظ، والتي تأتي في أولها البراعة في الوصف، والدقة في التصوير، موضحاً أن الوصف عند الجاحظ يعني ما يشمل الوصف الحسي والوصف النفسي للبخيل. والخزامي، وابن التوأم والأصمعي. وبخيل الجاحظ إنسان يرى الاقتصاد في النفقة هو العقل بعينه، بل هو السلوك الصحيح. وتثمير المال هو الوسيلة الأجدى أو مذهب "الجمع والمنع"، كما يحلو للجاحظ أن يصفه. هو رجل بخيل بطبعه، وهو يتكلف الكرم تكلفاً، فيخادع نفسه، حين يعود فيقدم حججاً وأسباباً تدور كلها حول ضرورة الاقتصاد. وفي هذا تظهر الحركات النفسية التي تصدر عن البخل وتدور حوله. بينما بخيل موليير بخيل بطبعه لكنه يحيا بخله ولا يمثله أو يقمعه. والجاحظ مولع باستشفاف الحركات التي تلابس البخل، من مثل كلمة عابرة، أو إشارة طائرة، وإذا ما حاولنا الاقتراب من بخيل موليير، وقارنا بين البخيلين، وتفترق في حالات أخرى، لأنه كان يصور كل بخيل على حدة، ويخلع على الواحد منهم من الملامح والسلوك غير ما نجده لدى الآخر. فإذا قرأنا قصص المسجديين نجد صورة (زبيدة بن حميد) غير صورة(أبي محمد الخزامي). وصورة صاحب النخالة غير ما صورة (مريم الصناع). في حين جاءت صورة بخيل موليير على عكس صورة بخلاء الجاحظ من الجهة الفنية، وفي الوقت الذي أعطى الجاحظ لبخلائه وصفاً لإنسان حقيقي موجود، ثانياً: وبخلاء الجاحظ يختلفون عن بخيل موليير في كثير من الصفات والمواقف، إنهم في غالبيتهم الساحقة بخلاء مثقفون، لا بل متكلمون مناطقة. أما بخيل موليير فتبدو عليه البلاهة والسذاجة في أكثر مواقفه إلى درجة يخرج معها عن المألوف والمعقول حتى أنه يندهش من عبارة فالير عندما يؤنبه قائلاً: "إن على الإنسان أن يأكل ليعيش لا أن يعيش ليأكل"، وقد يتغابى بخيل الجاحظ أحياناً، حتى أنه يفطن إلى تغابيه فيسارع إلى تبريره بما يكاد يقنع. وبين عقلية عبد الله بن كاسب الحزامي الآنف الذكر وثقافته. ويعود السبب في هذا الاختلاف إلى أن موليير قد اختار بخيله من الطبقة الوسطى، طبقة التجار المحدثين، وكبار المسجديين، فالفرق ـ دائماً ـ بين بخيل موليير وبخيل الجاحظ هو الفرق بين طبقتيهما ودرجة ثقافتيهما. ثالثاً: ثم إن الجاحظ قد صور لنا أنموذجاً واحداً للبخيل دون سواه (أرباغون)، فإن الفطنة والتفلسف الحاذقين يظهران عليهم كالخزامي، "وقلت له مرة: قد رضيتَ بأن يُقال عبد الله بخيل؟ قال: لا أعدمني الله هذا الاسم. فقد جمع هذا الاسم الحمد والمال. قال: وبينهما فرق. قلتُ فهاتِهِ: قال: في قولهم بخيل تثبيت لإقامة المال في ملكه. وفي قولهم سخي إخبار عن خروج المال من ملكه. واسم البخيل اسم فيه حفظ وذم. واسم السخي اسم فيه تضييع وحمد. والمال زاهر نافع مكرم لأهله، معز. والحمد ريح وسخرية. واستماعك له ضعف وفسولة، وعرى جلده، وشمت به من كان يحسده"(24). ذلك أن هذا البخل، وهذا البخيل الذي قدمه هو ضحية اختلال القيم، وهذا الاختلال بقدر ما يثير في النفس الضحك، فإنه يبعث مشاعر الكآبة والأسى. وبخاصة حين نعلم ماقد جره بخيل موليير على أبنائه وأسرته كما سيمر معنا في العنصر التالي. تبدو أوجه الشبه بين بخلاء الجاحظ وبخيل موليير واضحة ومتعددة. و أكثر ما تتجلى في:‏ لدرجة أن أعاب بعض النقاد على موليير تخطيه لكل ماهو معقول ومحتمل في طبائع أشخاصه. وقالوا: "إن بخيل موليير ليس إنساناً عادياً يعيش بيننا وإنما هو شخص مستحيل الوجود"(25). وحججهم في ذلك أن في ملهاة "البخيل" عناصر كثيرة للتهريج، بحيث لا يعقل أن تكون صورة للواقع، أو مما يحتمل وقوعه في الحياة. بعض هذه المواقف يبدو محتملاً ومعقولاً، وبعضها في غاية السخف. كموقف "أرباغون" الذي نراه حين سُرقت صندوقته المليئة بالدراهم يتوجه للنظارة بالزعيق والصراخ طالباً منهم أن يرشدوه إلى سارقها. أو حين نراه يمسك بيده ظناً منه أنه يمسك بيد اللص. فإن بخلاء الجاحظ هم كذلك مستحيلو الوجود، أو هم على الأقل فوق المألوف من البخلاء العاديين. ولكن المغالاة، كما نعلم، شرط أساسي في عملية التصنيع الفني القائم على تجاوز الواقع، أو الانطلاق منه إلى واقع قريب من المثال. وإلا لأصبح الأدب نسخاً عن الشائع المكرور. إن موليير والجاحظ أديبان فنانان يقدمان لنا نماذج فائقة للبخل في أقصى ما يمكن أن نتصوره لهذا البخيل من خصائص وتصرفات غريبة ومدهشة وشاذة. 26). ثانياً ـ على أن شخصية البخيل لدى الكاتبين تبدو لنا شخصية حقيقية، وكائناً يعيش بيننا، وينبض قلبه بدم الحياة ولو اعتراه شيء من المبالغة في سلوكه. إلا أن عيوبه وأهواءه هي التي تسيّره وهي التي تضفي عليه صفة من صفات البشر، ولهذا يبدو لنا أرباغون كائناً حياً، واقعياً وعفوياً، فما ذلك إلا لأنه وقع فريسة عيب يراه هو جادة الصواب، والسلوك الأمثل الذي يضمن سبب حياته ومبرر وجوده. وهذا الجانب كذلك نلحظه عند بخيل الجاحظ الذي لم يعد "يحفل بالذم والخمول"، كما يقول الجاحظ. ثالثاً ـ وتبدو نقطة الالتقاء كذلك بين بخلاء الجاحظ وبخيل موليير في "نظرتهم للبخل". فهم يعتقدون أن الصفات التي يحملونها هي من صفات السلوك الصحيح من حيث الاقتصاد والحزم والتدبير، فأرباغون يريد أن يظهر بمظهر "شيخ الشباب"، و"زبيدة بن حميد الصيرفي" المليونير، يناقش البقال في الفرق الحاصل بين وزن "الشعيرات الأربع الصيفية"، ". الخ. رابعاً ـ حتى إذا أتينا إلى الأسلوب في الأداء، نرى أن كُلاً من الأديبين اعتمد أسلوب الحوار، أو في النثر لدى الجاحظ، وهذا هو السبب الذي أدى إلى الارتفاع بهذه الآثار الأدبية إلى مستوى الفن الرفيع الذي لا يبلى مع الزمن. "وماكان لموليير أن ينجح، فجاءت ملاهيه مليئة بها. وأبو عثمان الجاحظ لم يوفق في نوادره، ونحا بها نحو العفوية والطبيعية والانطلاق ببخلائه على‏ 27). ولا تكاد تخلو قطعة في كتابه البخلاء ـ بخاصة ـ من روح السخرية التي تسري بهدوء ورصانة، وخفة ظل ومداعبة. وإذا كان لحياة الجاحظ الممتلئة بالمعايشة والتجربة، وكذلك لألوان ثقافته المتعددة الوجوه، والتي أفضت به إلى الاطلاع على صنوف الأجناس وألوان العقول. ومن ثم روح الاعتزال، فإن لطبيعته ومزاجه، ومن ذلك ما نجده لديه من دعوة إلى الضحك والمزاح والفكاهة إذ يقول: "ولو كان الضحك قبيحاً من الضاحك، وقبيحاً من المضحك، وأنه هو أمات وأحيا((29). وسخرية الجاحظ لا تأتي بصورة فجة وقاسية، بل تأتي في صورة رقيقة مستبطنة، لا يتنبه إليها إلا القارئ المتمتع بذهن متوقد وذوق رفيع. لكن سخريته منهم بعثت البهجة في نفوسنا، لأن تلك السخرية التي جاء بها الجاحظ كانت مقبولة، ويمكن أن تقع للناس في كثير من أوجه حياتهم، عندما يقول منبهاً إلى عدم الإفراط: "وللضحك موضع وله مقدار، وللمزح موضع وله مقدار، متى جازهما أحد، والتقصير نقصاً"(30). وفي تحليل عنصر السخرية والإضحاك عند موليير، يقول الدكتور عمر الدسوقي: "ولموليير ملاهٍ خفيفة ليس فيها هذا العمق في التحليل، والجودة في الصنعة. وإنما الغرض منها إثارة الضحك. وهي من النوع الذي يسمى في الأدب الغربي (Farce) أي الملهاة الفكهة أو الضاحكة. ومن هذا القبيل ملاهيه: الزواج بالإكراه ـ وطبيب رغم أنفه، وكان يلجأ إلى هذا النوع بين الفينة والفينة لأنه محبب إلى الجمهور. وهو في حاجة إلى اكتساب رضاه والإقبال على مسرحه". 31). وانفعاله مع بخيله؟. لقد أراد الجاحظ، كما أراد موليير ـ على بعد الزمن بينهما ـ أن يجعلنا نكره البخل ونرفض البخلاء. ولهذا لجأ كل منهما لإظهار عواقب هذا السلوك، الذي هو البخل، فالبخيل في صراع دائم مع نفسه ومع الآخرين، ولهذا فقد استطاع كل من الجاحظ وموليير أن يتغلغل إلى أعماق هذه الشخصية، لكنه بعث فينا ـ في الوقت ذاته ـ شيئاً من الأسى والمرارة. لأن مواقف البخلاء بقدر ما هي مضحكة مسلية، والدليل على ذلك أن "بخيل أرباغون كان مقدراً له أن يجعل من حياة ولديه حياةً شقية بائسة. وفضلاً عن ذلك فقد دفع بهما بخل أبيهما إلى مواقف ومشاعر مأساوية وغير هزلية على الإطلاق. فأضمرا لـه الحقد والازدراء وعاملاه كعدو لا كأب. وليس عن عبث قال "موسيه": "كان ينبغي لنا أن نبكي من حيث ضحكنا". 32). وتأتي مقدرة موليير على التفاعل مع أنموذجه من عنايته الفائقة بتصوير الواقع الذي كان له شغف بمعايشته معايشة مكنته من التقاط أدق عادات الناس وتصرفاتهم وأخلاقهم. وتدل الدراسات النقدية للمسرحية على أن موليير "قد صب بخيله على قوالب معروفة لأناس عايشهم وخبرهم في مجتمعه بل وعاش مع بعضهم تحت سقف واحد. "وجان تاردييه" على الأخص كان كأرباغون يصل الدانق بالدانق، ويستثمر أمواله وكنوزه بشتى الوسائل". 33). حتى إذا ما تقابلنا مع الجاحظ في ذلك، نراه يدخل أعماق شخصية البخيل ويتفاعل معها إلى درجة أن يسوق أقاصيصه عن البخل والبخلاء، والادخار والنفقة، 34). وإنما يجر القارئ إليهما، أو المقابلة بين الشخصية وأشياء أخرى. وقد يتبع طريقة أخرى في التهكم تدخل القارئ جو المحاورة كأحد طرفيها. فإذا عرض له خصم أدخله في أتون من السخرية. يخرج من باب ليدخله من باب آخر، ثم يصغّره في عيون نفسه. "لقد كان أبو عثمان يمتلك حقاً تلك القدرة القادرة على إحياء الأشخاص وتركهم يتصرفون وفق بيئاتهم وأذواقهم. وليس من عبث قالوا: إنه لو عرف المسرح أو لو اطلع على أدب اليونان اطلاعاً وافياً لكان موليير العرب بلا منازع. لم يكن ينقص جاحظنا سوى الفن المسرحي وأصوله. أما الروح والمقدرة على السبر والمداعبة والحوار والتشخيص فأمور مشهودة له تؤكد ريادته وأصالته وتفوقه. حتى أن موليير نفسه قد لا يرقى إلى محجته في التنويع والمبالغة المعقولة الشيقة وموليير حين يبالغ يقع أحياناً في الإطالة أو الضحالة‏ أو السخف، الأمر الذي يندر جداً عند‏ الجاحظ".