المظهر الإبداعي للغة تعد المظهر الإبداعي للغة وبيان دوره يعد عند تشومسكي ركيزة أساسية من ركائز النظرية اللسانية وهدفًا من أهدافها، وبه يقاس مدى نجاحها من عدمه. لقد كان ذلك واضحا أتم الوضوح في بداية المبحث الأول من ذلك الفصل: (أهداف النظرية اللغوية): إن الحقيقة المركزية التي يجب أن تعنى بها أي نظرية لغوية ذات قيمة، هي أن متكلم اللغة المثالي باستطاعته، وفي المقابل، بالنسبة له ولهم. معظم تجربتنا اللغوية، وبمجرد أن نتقن اللغة، فإن فئة الجمل التي يمكننا أن نتعامل معها بطلاقة ودون صعوبة أو تردد كثيرة جدا بحيث يمكن لجميع الأغراض العملية ( وبالطبع، النظرية أيضًا أن نعتبرها لا نهائية. بل يعني أيضًا، وفي بعض الأحيان إيجاد تفسير لها [. . ومن الواضح أن نظرية اللغة التي تتجاهل هذا المظهر أيضًا بموجبه الجمل التي ينتجها الآخرون. بل إنه يتيح للملكة اللغوية تحديد الجمل السابق يربط بشكل أساسي، هذا المظهر الإبداعي للغة بنظام المقدرة للملكة اللغوية Language Faculty الذي يتيح لها أن تنتج بواسطته جملا غير متناهية، بإيجاز، وكما أكد تشومسكي مرارا، فقط، قواعد بناء المفاهيم والجمل. إنه يتيح المتكلم اللغة أن يعبر بصورة غير متناهية عن أفكار متعددة، وأن يتفاعل بصورة ملائمة في عدد غير متناه من المواقف الجديدة ينظر تشومسكي 2002 (71). ولكنها في الوقت نفسه، قادرة على إنتاج عدد غير متناه من الجمل - فهو يحلل في حقل اللغة كيف أن العقل الإنساني على محدوديته قادر على القيام بها، في نظره، منذ وقت مبكر، وفي سبيل فهم أبعاد هذا المظهر يحدد العلاقة بين توليد القواعد النحوية والقدرة اللغوية المتكلم اللغة من جهة، نجده يفترض أن كل إنسان عادي، على الرغم من محدودية خبرته مع المعطيات اللغوية لعملية الكلام، لديه مقدرة لغوية فطرية كاملة لنظام لغته الأم. ويمكن تمثيل هذه المقدرة عبر نظام من القوانين الخاصة بنحو لغته. وهذه المقدرة اللغوية الفطرية التي يمدنا بها النحو ينبغي عند وصفها أن تميز عن الأداء الكلامي؛ لأن الأخير يخضع لعوامل كثيرة ومتباينة لا يشكل النحو إلا واحدة منها (1964: 51-52). وهنا يتضح أن تشومسكي يرجع القدرة الإبداعية المتكلم اللغة المثالي إلى تمكنه من النظام النحوي للغته. ذلك النظام ليس النحو المعياري بمفهومه التعليمي التقليدي، حتى وإن كانت جديدة لم تسمع من قبل. وعلى أساس هذا التفاعل بين النحو والمظهر الإبداعي للغة، 2:05 ص، 2024/10/29] د/ رمضان مصباح: في المقابل، يُعرف الأداء الكلامي بأنه الاستعمال الفعلي للمقدرة اللغوية؛ للمتعلم بمفهومه التعليمي التقليدي، حتى وإن كانت جديدة لم تُسمع من قبل. وعلى أساس هذا التفاعل بين النحو والمظهر الإبداعي للغة، رفي المقابل، يُعرف الأداء الكلامي بأنه الاستعمال الفعلي للمقدرة اللغوية؛ وذلك لأنه ن الأداء يعبود متكلم اللغة بصورة طبيعية إلى القواعد الكامنة ضمن مقدرته اللغوية، والأداء؛ لأنه يمثل اللغة المجسدة لا اللغة المبنية داخليا، لا يفسر لنا كنه المظهر الإبداعي في استعمال اللغة؛ مما سبق، يتضح لنا أن تشومسكي يجعل المظهر الإبداعي للغة مكونا أصيلا من مكونات المقدرة اللغوية؛ لأن أبرز خصائصها الفطرية هي خاصية الخلق والإبداع. وفي سبيل التركيز على فطرية هذا المظهر ، يفرق تشومسكي (2002: 68-69) بين نوعين هما: من أنواع الإبداع اللغوي: (أ) الإبداع اللغوي المقنن Rule-Governed Creativity و (ب) الإبداع الخارق للقواعد Rule Changing Creativity. ويجعل تشومسكي المظهر الإبداعي في استعمال اللغة من الأول؛ لأنه إبداع تحكمه قواعد النحو، ويتعلق بإمكانية إنتاج وتوليد ما لا حصر له من الجمل النحوية في ضوء تحقيق شرطي المقدرة اللغوية، وهما: (أ) مفهوم السلامة النحوية Grammaticality (أي، سلامة الجملة وفقا لقواعد اللغة النحوية في لغة ما)، في المقابل، فيعني تشومسكي به الإبداع الخلاق الذي لا علاقة له بمقدرة الفرد اللغوية كالأول، وبمعنى أدق، وكما وضحه غلفان (2010 (42) ، هو ذلك التغيير المبدع الخارق في بنية القواعد النحوية التي تتضمنها القدرة اللغوية المشتركة بين أفراد جماعة لغوية. هذا التغيير المستحدث يلقى غالبا استغرابًا في بداية الأمر، وهذا الاستغراب قد ينتهي به إلى النبذ فلا يتلفت إليه، وقد يعد هذا التغيير من قبيل التطور المقبول. ويصبح الحسم في نهاية الأمر للمجتمع اللغوي ومدى قدرته على التجاوب مع ذلك التغيير في القواعد. فالاستعمال الجمعي المكثف لهذه التغيير في بنية القواعد النحوية، قد يحوله إلى واقع لغوي، وبالتالي يتحول هذا التغيير الذي كان يعد خطأ لغويا في فترة ما أو تجاوزا المعايير النحو المعياري قواعد ثابتة ومألوفة. هذا الإبداع الخارق للقواعد ليس مكونا من المكونات الفطرية للمقدرة اللغوية؛ لأن النحو فيه لا يطابق فطريا المقدرة اللغوية عند متكلم اللغة المثالي؛ أو لمقولة محددة، أو القاعدة نحوية بالظهور أو بإعادة الاستعمال في أنسقة مختلفة وبشكل غير محدود Infinitive. وهذا النوع على خلاف النوع الأول من الإبداع اللغوي المتمثل في المظهر الإبداعي في الاستعمال العادي للغة الذي يتجلى في القدرة الخاصة على التعبير عن أفكار متجددة، وعلى تفهم تعابير فكرية أيضًا متجددة (تشومسكي 1972 (19) ، وعلى ( التعبير عن أفكار غير محدودة للتصرف بشكل مناسب في مواقف غير محدودة المدى (تشومسكي 1965: 6). وفي ظل هذا لتصور للإبداع اللغوي، يتجدد باستمرار " (زكريا 1986 (31). ويتضح مما سبق، أن تشومسكي يتفق وديكارت في أن لدى الإنسان قدرة نوعية محددة، إنه يتجلى، كما أسلفنا، في عدم نطاق محدوديته، وخلوه من أي مثيرات خارجية أو داخلية. كما أن من خصائص هذا المظهر إثباته تماسك اللغة وملاءمتها لظروف التكلم. فالخطاب اللغوي في استعماله العادي ليس سلسلة من الجمل العشوائية، في حين ترتد الملاءمة، في تنوعها الإنساني، إلى خارج إطار التفسير الآلي. وانتفاء سيطرة المثيرات على الاستعمال اللغوي وملاءمته للاستجابة للمقامات الجديدة جعلت من ديكارت في نظر تشومسكي ، مؤسسا لفكرة أن اللغة أداة للتعبير الحر عن الذات وعن الفكر. وحول ذلك يقول مؤكدًا في كتابه اللغة والعقل (1972: 27) . فاستعمال اللغة العادي ليس فقط تجديدًا ومداه الضمني غير متناه، بل هو أيضًا متحرر من جميع المثيرات سواء أكانت خارجية أم داخلية. الإبداعي للغة من الوصف إلى التفسير من أبرز النقود التي وجهت الرؤية تشومسكي حول طبيعة المظهر الإبداعي للغة أنها، لم تقدم لنا تعريفا لهذا المظهر بوصفه مكونا من مكونات اللغة، المقدرة على إنتاج جمل جديدة في اللغة وفهمها. وهذا ، لا يكفي لأنه مجرد وصف لمظهر اللغة الإبداعي، ولا يرقى إلى تقديم تعريف وتفسير له ينظر في ذلك دراش 1981 Drach وتيلر 1993 Taylor) . يضاف إلى ذلك، أنه يتعارض مع مبادئ النظرية التوليدية نفسها في أن إيجاد نظرية كاملة حول اللغة، يتطلب اشتمال هذه النظرية على (الكفاية التفسيرية (١٤) عاد تشومسكي فكرته القديمة في ثوب جديد، الأمر الذي يعني أن النظرية التوليدية ينبغي أن تقلل اهتمامها بالمعطيات في مقابل اهتمام متزايد بالعمق التفسيري. وهذا يتطلب تعميق البحث في العلاقة المنهجية التي يمكنها أن تجمع اللسانيات بالعلوم الطبيعية على مستوى طرق تناول الظواهر. وفي هذا السياق، نجده يولي اهتماما كبيرا بمعطيات علم الفيزياء، لا سيما ما اصطلح عليه (الأسلوب الغاليلي) (١٧) الذي يعني في حقل دراسة اللغة أن اهتمام اللساني ينبغي أن يتحول من العناية بتغطية المواد والمعطيات إلى العناية بعمق التفسير وإفراز مفهوم دال للغة يصبح موضوع بحث عقلاني ينمى على أساس تجريدي. لقد كان لتبني هذا المنهج أثر في التقدم الهائل الذي حققه النحو التوليدي في تفسير خصائص الملكة اللغوية وفي تصميم النموذج اللساني الذي تطور على امتداد أكثر من خمسين سنة حتى تبلور في صيغة ما بات يعرف، بالبرنامج الأدنوي، والذي انتقلت فيه النظرية من الوصف إلى التفسير، لتتجاوز به التفسير المبني على بنية اللغة إلى البحث في تفاعل الملكة اللغوية مع الأنساق الخارجية والبحث في القيود التي تفرضها هذه الأنساق (تشومسكي 2013 مقدمة المترجم، ص (23) في المبحث الموالي مناقشة المقاربة أدنوية - إدراكية في تفسير المظهر الإبداعي للغة. 4-3. تقوم فلسفة النحو التوليدي في مقاربته الأدنوية على تحقيق هدف عام ومحوري يكمن في مدى نجاح الملاءمة في التفسير والوصف والإجراء في مختلف اللغات البشرية. أولا، وثانيًا، من خلال جعل الهدف الأساسي للنحو التوليدي ليس فقط استنباط المبادئ العامة من الأنظمة المعقدة للقواعد المخترعة للغات الخاصة، بل أيضًا، لكلي، انطلاقا من افتراض أن اللغة نظام على غاية من الكمال perfect system ذو هندسة من أفضل ما يكون optimal design تشومسكي 2001: 1-2). والأهم أن تحقيق مثل هذه الملاءمة يسهم في إنشاء نظريات أكثر بساطة، وأقل تعقيدا، كما يسهم بشكل فاعل في حل الصراع القائم بين الكفاية الوصفية والكفاية التفسيرية في وصف وتفسير أنساق الأنظمة المكونة للملكة اللغوية: (أ) نسق الأنظمة الإدراكية (العرفانية) الذي يخزن المعلومات المكونة للغة الداخلية و (ب) نسق الأنظمة الإنجازية الذي يدمج هذه المعلومات ويستعملها على وجوه متنوعة (تشومسكي 1995 (25). لتكون قادرة على إقامة وصف كاف لتعدد اللغات وتنوعها فيما بينها وداخلها أي الاستجابة للكفاية الوصفية). ينبغي على النحو الكلي، في استجابته للكفاية التفسيرية، أن يبين أن هذا الاختلاف والتنوع بين اللغات يخفيان وراءهما تماثلاً بين اللغات يتمثل في خضوعها لمبادئ عامة مشتركة تتصف بقدر كبير من الاقتصاد والبساطة (تشومسكي 2013 مقدمة المترجم، ص 16). في ضوء المقاربة الأدنوية، من مكونين هما المعجم Lex icon والنسق الحوسبي Computation. ويتكون المعجم من كلمات اللغة مقرونة بخصائصها الفرادية التي تمكننا من دمج هذه الكلمات في النسق الحوسبي مع ما يشترك معها في الخصائص نفسها والتي لا يمكن التنبؤ بها (۱۸) (ينظر تشومسكي 1995 الفصل (3). في المقابل، في ضوء المقاربة الأدنوية، من مكونين هما المعجم Lex icon والنسق الحوسبي Computation. ويتكون المعجم من كلمات اللغة مقرونة بخصائصها الفرادية التي تمكننا من دمج هذه الكلمات في النسق الحوسبي مع ما يشترك معها في الخصائص نفسها والتي لا يمكن التنبؤ بها (۱۸) (ينظر تشومسكي 1995 الفصل (3). في المقابل، يتكون النظام الإنجازي من النظام النطقي الإدراكي - articu latory perceptual الضروري للنطق والنظام التصوري القصدي - conceptu al-intentional الضروري لمفصلة المعنى. هما الصورة الصوتية Phonetic Form والصورة المنطقية Logical Form؛ وذلك لأن الضرورة التصورية - conceptual ne cessity التي يرتبط بها هذان المستويان - تقتضي هذا الاختزال (۱۹). في الرسم البياني الموالي توضيح أدنوي لآلية عمل الملكة اللغوية في نظاميها الإدراكي والإنجازي ومما سبق، يتضح لنا الدور المحوري للمعجم والنسق الحوسبي في البرنامج الأدنوي؛ إذ يخصص الأول العناصر التي ينتقيها الثاني الذي يقوم بدوره بدمجها في التراكيب اللغوية في ثنائية الصورة الصوتية والصورة المنطقية. يتم هذا الدمج عبر عملیات حوسبية أساسية صغرى (۲۰) تحكمها في الاشتقاق والتمثيل مبادئ الاقتصاد الذي يقضي بأن لا Full Interpretation ومبدأ التأويل التام Economy Principles يتضمن التمثيل إلا عناصر مشروعة objects legitimate حتى يتم الاشتقاق بنجاح وإلا أفضى الأمر به إلى الفشل وعدم التمام ينظر تشومسكي 1995: 130 ، 219-20) ووفق هذا التصور الأدنوي للمعرفة اللغوية، يصبح النحو نظاما حوسبيا، ويصبح بمقتضى ارتباطه كليا بالمستويين الوجاهيين الصوتي والمنطقي (الدلالي) هو المشكل الرئيس للملكة اللغوية، ويكون المعجم مكونا من مكوناته بوصفه قاعدة اشتقاقية وتمثيلية له تمده بالصوت والمعنى. وفي ضوء هذه المقاربة الأدنوية لآلية عمل اللغة في الذهن، يمكننا تفسير المظهر الإبداعي في استعمال اللغة وتحديد العوامل الكامنة وراء إنتاج وإدراك تعابير لغوية غير متناهية ومتجددة بصورة دائمة من خلال استعمال تنظيم قواعد متناهية. هذا الاستعمال الإبداعي للغة يمكن الآن تفسيره في ضوء التصور الأدنوي لتصميم ملكة اللغة، ويهدف هذا النظام إلى تقديم وصف لآلية إدخال الكلمات وسماتها المعجمية في المعالجة اللغوية الداخلية، كما مر بنا، أنه )) ‏unboundedness ويمكن تفسير السمة الأولى أدنويا وإدراكيًا من خلال افتراض عدد من الافتراضات التي يأتي في مقدمتها أن النظام الحوسبي للملكة اللغوية، ينفي بطبعه الاشتقاقي عن اللغة تأثرها بأي مثير خارجي أو داخلي؛ الذي هو المحرك الأساس لهذا النظام الاشتقاقي،