لقد اثبتنا هنالك أن الوحي تلقائي و غير شخصي و نضيف مع ذلك هنا ادأن هذا الذي اثبتناه هو بلا شك الخصائص الظاهرية مؤثرة في نظر نبي والتي دفعته إلى أن يدعم اقتناعه الخاص بالسر الإلهي في القرآن و بدون هذا الشرط الذي نضعه مقدما ربما يصبح اقتناع النبي في ذاته ظاهرة غير مفهومة ولقد رأينا فيما مضى هذا الاقتناع لم يتم في لحظة ولم يكن من باب التسليم الأعمى بل كان تدريجيا و عقليا يشبع حاجات عقل وضعي كعقل محمد ويجيب عن رغبته الملحة في اليقين القاطع وفي ظروف كهذه تعد أية إمارة على التفكير و الارادة و سبق العلم الشخصي بما سيأتي به الوحي و بتنظيم مداه المحتمل لغزا جديرا بإثارة انتباهنا وحق ماذا نقول في رجل لم يفكر ولا يريد أن يفكر ؟لم يرد ولا يريد أن يستخدم إرادته؟؟لم يكن له أن يتأمل في تيار الظاهرة المقبل .وهو مع ذلك يرى (كلمة ) صادرة عنه ،مطبوعة بكل دقة بطابع تفكير و إرادة و نظام وأحيانا تبدو هذه (الكلمة)وهي تعلن عن نسق الوحي التالي لها ؛فكأنما احتوت على علم سابق خارق بما سيليها من الآيات !!ذلك فيما يبدو لنا هو الطابع العام للقرآن باعتباره مجموعا صادرا عن إرادة و تفكير وتنسيق بل عن علم يبدو أنه ثمرة إعداد سابق .وانما تتجلى هذه الصفة في حالات تصدير موجه الوحي بآية تشبه إلى حد ما طليعة الجيش تحمل سره و تعرف وجهته ؛وهي متقدمة عليه وذلك هو المقصود من إستعمال المصدر Anticiper إذ أن معناه :العلم بالشيئ مسبقا (prévoir) ومثل هذا الفعل النفسي لا يمكن أن يتصور دون الاشتراك الشعوري لذات الفاعلة ؛وعليه فمنذ ذلك الانطلاق الروائي لظاهرة القرآنية .حينما كانت الازمة الأدبية والشك يتبددان من نفس النبي وحده نزل عليه ذلك الوحي المذهل :ورتل القرآن ترتيلا إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) المزمل ولكن ما وزن هذا القول الثقيل .؟ إنه القرآن كله عندما يكتمل في مدى ثلاث و عشرين سنة .