لا يمكن أن يكون تطور دون أن يكون هناك تنازع بقاء، أو ما يقوم مقام هذا التنازع من انتخاب صناعي مقصود. حيواناتنا الداجنة لا تتنازع البقاء؛ أي إن أفرادها لا تتغالب على العيش والتناسل، ولكننا مع ذلك ننتخب منها ما نرغب في نسله ونخصصه للفحلة، ثم يشتد التباين بين هذه السلالات حتى تصير أنواعًا جديدة. وكذلك الحال في الإنسان في الحضارة الراهنة؛ فقد أصبح بمثابة الحيوان المدجن لا يتنازع أفراده على البقاء والتناسل إلا تنازعًا ضعيفًا قليل الأثر في تطوره، دع عنك أنه ليس بين أفراده انتخاب صناعي، وإليك إيضاح ذلك: (۱) كان الإنسان الأول لا يعرف الزراعة، فكان يلقى المشاق في الاهتداء إلى طعامه وكان القطر المصري لا يسع أكثر من خمسين ألف نفس كلهم يستعمل ذكاءه وقوته وشجاعته للحصول على طعامه من الغابات، فلم يكن ثُمَّ مجال لأن يعيش في هذا الوسط رجل يشوب جسمه أو قلبه أو عقله أي ضعف. وكان كل إنسان يبذل جهده لكي يحصل على قوته، أما الآن فإنه يعيش في مصر نحو ۲۲ مليونًا قد تعلموا الزراعة ومارسوها بأيسر مجهود، فالمجال واسع لعدد كبير من الضعفاء لأن يعيشوا وقل مثل ذلك في جميع أنحاء العالم المتمدن؛ فالمعيشة الآن أيسر مما كانت في زمن البداوة الأولى، وهذا يجعل تنازع البقاء أضعف مما كان. (۲) لم يكن الحصول على امرأة في الزمن القديم أمرًا متاحًا لجميع الذكور؛ إذ كان أقوى العشيرة يستأثر بجميع النساء، ثم لما عُرف السبي كان شجعان القبيلة وحدهم يحصلون على النساء، فكان التناسل محصورًا مقصورًا على الشجعان والأقوياء وذوي الحيلة في بلوغ الرياسة. وهذه الحال لا تزال جارية بين المتوحشين للآن، وهي تؤدي إلى بقاء الأقوى الأشجع وفناء الأضعف الأجبن، ولكننا نجد خلاف ذلك بين المتمدنين؛ فإن كل إنسان بصرف النظر عن ضعفه يتزوج الآن وينسل إلا في حالات قليلة جدا لا يعتد بها، فالزواج بين المتدنين يعوق التطور؛ لأنه يطبع الأجيال القادمة بطابع الأجيال الحاضرة. (۳) كان القتال في زمن البداوة الأولى يساعد على بقاء الشجعان والإكثار من نسلهم إذ لم يكن يقاتل الرجل إلا من أجل الحصول على امرأة، فإذا انتصر كان انتصاره شهادة له بتفوقه، وكان حصوله على المرأة وسيلة لأن ينشر خصال التفوق في هذه الجماعة التي ينتسب إليها، أما الآن فإن عكس ذلك يحصل؛ لأن الحروب الحاضرة تفني شباب الأمة المنتقى، حتى قيل إنه عندما مات نابليون نقصت قامة الفرنسي؛ لكثرة من ماتوا في حروبه وكانوا منتقين من طوال القامات. (٤) كان الإنسان الأول لا يعرف شيئًا من ضروب العناية بالمريض، فكان كل مريض يهلك أو يشفى بقوة ما فيه من حيوية أصلية، وجميع أفراد القبيلة في حيوية تامة، أما الآن فإن المريض يعيش بين ظهرانينا ويمكنه أن يتزوج وينسل نسلا ضعيفًا مثله، فينتشر الضعف في الأمة، وما يقال في ضعيف الجسم يقال أيضًا في ضعيف العقل؛ فإن الأبله أو المغفل يعيشان كلاهما في الحضارة الراهنة وينسلان، وهما لو كانا في البداوة الأولى لما عاشا يومًا واحدًا؛ لا تتسع لأن يعيش فيها أبله أو مغفل أو مريض. (5) في الحضارة الراهنة شيء من الانتخاب الصناعي في معاقبة المجرمين باعتقالهم في سجن أو بقتلهم، وفي كلتا الحالتين يمتنع نسلهم إما جزئيًا وأما كليا، وليس شك أن بعض دوافع الإجرام الحاضرة كانت السبيل إلى التفوق في الأزمنة القديمة، ولكن أكثرها يرجع إلى ضعف الأعصاب ضعفًا يؤدي أحيانًا إلى تأزمها، فعقاب المجرمين، حتى مع اعتبار الجرائم التي تحدث من المظالم الاقتصادية، لا يزال عاملا من عوامل بقاء الأصلح في الأمم والأصلح الآن هو الرجل الهادئ الأعصاب الذي راض نفسه على العمل في خدمة نفسه وخدمة الأمة. بل تكاد تكون معدومة، بخلاف الحال بين الحيوان والنبات البريين أو بين المتوحشين أنفسهم، وهذا ما انسان المستقبل حين لم يكن في البحار سوى الأسماك وما هو أدنى منها من الحيوان، ولم يكن على اليابسة شيء من الحيوان مطلقا، أو كان بها بعض الحشرات، ثم قيل له إنه بعد مئتي مليون سنة ستتحول زعانف الأسماك إلى أيد وأرجل، وتصير مثانتها رئة تتنفس بها الهواء مباشرة، ثم تصير هذه الأيدي أجنحة فيطير في الهواء - لظن أن هذا الكلام هو غاية السخف بل العته. نقول هذا تحذيرًا للقارئ حتى لا يستبعد شيئًا يقال عن مستقبل الإنسان بعد ملايين السنين الآتية؛ فإن التطور لم يقف، وإن كانت وجهته قد اختلفت عما كانت قبل في الإنسان. فالإنسان كان وقت بداوته خاضعًا كل الخضوع لتنازع البقاء؛ ثم طرأت عليه الحضارة فسهل العيش على عدد كبير منه كان مقضيا عليهم لو أنهم كانوا يعيشون بغير وسائل الزراعة التي يسرتها لهم الحضارة. وقد كانت وجهة التطور قبل أن يتحضر الإنسان تنحو نحو ترقية جسمه وعقله بإحداث تعديلات فسيولوجية في تركيب أعضائه حتى يوافق الوسط الذي يعيش فيه، على نحو ما يحدث للحيوان أو النبات الآن، ولكن عندما بدأ الإنسان يتحضر صار يسيطر هو على الوسط بدلا من أن يخضع له. كان الإنسان في حال البداوة أو في الحال الحيوانية السابقة إذا اشتد البرد وقسا على الأجسام بادت منه أفراد بحكم الانتخاب الطبيعي؛ فمن كان كاسيا بالشعر أكثر من غيره، أو من كان يقوى لأي سبب آخر على تحمل البرد، عاش وأنسل وأورث نسله صفاته في حين كان يموت غيره، أما في الحضارة الآن فإنه عند اشتداد البرد يحمي نفسه بمنزل يأوي إليه بفراء الحيوان أو الملابس المنسوجة من النبات، وقل مثل ذلك في سائر الأشياء. فالإنسان إذا لم يوافقه الوسط الآن عمد إلى عقله ليفكر في تغييره حتى يوافقه، في حين أن الوسط كان قديما يؤثر فيه ويعمل على تعديل جسمه بما يوافقه، ولو كان كل منا يستعمل عقله في جعل الوسط موافقًا له لما كانت الحضارة عائقا عن التطور، ولكن الحقيقة أن واحدًا في المليون تقريبا يهديه ذكاؤه إلى طريقة للتغلب على الوسط فيستفيد منها سائر المليون بدون أن تكون لهم أية ميزة تستدعي بقاءهم. فالحضارة أعاقت التطور بعض الشيء، ولكنها لم تعقه كل الإعاقة؛ إذ لا يزال تنازع البقاء يقتل منا أفرادًا بالسجن والتشريد والمرض والبله، ويبقي على أفراد آخرين. ثم يجب ألا ننسى أن حالة الوجدان الوعي) هي حال جديدة في الإنسان، بل منا من يسرف في الإحساس بحالة الوجدان هذه ويحسب لما بعد الموت ويخرف. فهذا الإحساس؛ أي إحساس الوجدان بأنفسنا، وهو آخذ في الازدياد فينا، وسيخرجنا في المستقبل من حياة الغريزة الإنسانية إلى حياة التعقل والقصد. فنحن الآن نتناسل بحكم الغريزة، وإن كان بعضنا وهو الأقل - بحكم عقله ولكن حكومات المستقبل ستعرف قيمة التناسل فتجعل قاعدته القصد لا الغريزة، فإذا بلغ بنا الوجدان أن نضع التناسل موضع القصد والنظام بدلاً من أن نجري فيه اعتباطا بوحي الغريزة، كان لنا منه في الحضارة من الانتخاب الصناعي ما يقوم مقام الانتخاب الطبيعي في الحال الحيوانية القديمة، بل في حال البداوة الإنسانية، وعندئذ يرتب الزواج بطرق تضمن رقي الإنسان السريع، وليست قوانين الوراثة معروفة كلها الآن، ولكن عرف منها قانون «مندل»، وهو بلا شك أقوى أداة في المستقبل لإيجاد السلالات الجديدة من الإنسان، وإن كانت لا تزال أشياء كثيرة منه مجهولة. وإنما الغرض في كل حال هو تأصيل الإنسان كما توصل الحيوانات أو النباتات الآن. قانون مندل، وهو أهم ما عُرف في الوراثة؛ خلاصته أنه إذا تلاقح حيوانان كانت بعض صفات أحدهما غالبة في النسل على صفات الآخر، ولكن إذا تلاقح أفراد هذه النسل ظهر نسلهما بنسبة لا تتغير. نجد أننا إذا القحنا خنزيرا أسود من سلالة سوداء خالصة من خنازير الهند بخنزيرة بيضاء من سلالة خالصة، كان الجيل الأول أسود هجينا؛ لأن صفة السواد هي الغالبة، فإذا لاقحنا بين أفراد هذا الجيل الأول ظهر النتاج هكذا في الجبل الثاني واحد أسود خالص، إذا تلاقح مع السود لم ينسل أبيض وواحد أبيض خالص إذا تلاقح مع البيض لم ينسل أسود، ثم اثنان هجان في الوسط ينسلان كما أنسل الجيل الأول ولا شك في أن تقوية العقل وتنقية العواطف وصحة الجسم من الصفات التي سيتجه إليها نظر المربين للإنسان، فهو يقوم على جسمه كالبلون الكبير فوق عنق قصير ضخم وأكتاف قوية، أما الجسم فيكون قصيرًا ضامر البطن نحيف الأطراف، وستزول من القدمين أصابعهما كما زالت من بعض القردة (الأورانج أوتان) أظافرها. فإنسان المستقبل سيختلف عنا اختلافا كبيرًا؛ لأن الغرائز ستضعف فيه إلى حد الانعدام تقريبًا، فهو لن يعرف الحب أو الغضب أو الخوف؛ إذ هو سيتناسل عن عقل لا عن غريزة. أما الغضب والحقد والخوف والغيظ فهي صفات صائرة إلى الزوال القريب؛ لأنه لن يعود لها فائدة في المستقبل؛ فقد كانت هذه الصفات تنفعنا في الماضي في حياة الغابة فكان الخوف إنذارًا للفرار، وكان الغيظ يحرك فينا الرغبة في التغلب على خصمنا، وكان الغضب يخيفه ويرده عن أذانا. ومن يدري لعله يفتح فتحًا جديدًا في أحد العوالم الأخرى، أو لعله يعرف لغة يتخاطب بها أفراده وهم سكوت بلا حاجة إلى ألفاظ، بل بلا حاجة إلى اقتراب الأشخاص. وكل هذا خيال، ولكنه خيال يستضاء فيه بالتطور الماضي والأحوال الحاضرة؛ مثال ذلك الذوق والنظر، ولكن نظرها غير دقيق لأنها تنظر بعين واحدة ولا تجمع نظر العينين إلى جهة واحدة، ثم هي سيئة الذوق. ونحن أضعف من بعض الحيوان في حاستي السمع والشم، بل في حاسة اللمس أيضًا، وهذه الحواس الثلاث الأخيرة تخدم الغريزة أكثر مما تخدم العقل؛ إلا إذا ارتقت فيه الحاسة الموسيقية فارتقى لذلك سمعه على نحو ما حدث بين الطيور. ثم ليس يبعد أن تنشأ حواس أخرى؛ كالإحساس عن بعد مثلا، وهو ما يدعيه بعض الناس الآن؛ فقد تكون هذه الدعوى صحيحة، وهي إذا كانت صحيحة فإنها تنشأ في أفراد قلائل، ثم تعم بين البشر على نحو ما نرى أناسا يولدون الآن وليس في أقدامهم أظافر. وقد قلنا إن الحضارة تعيق تطور جسم الإنسان وعقله بعض الإعاقة؛ فالرجل السيئ الذاكرة يتذكر الأشياء بكتابتها في دفتر، والرجل الضعيف النظر يمكنه أن يقويه بالنظارة وكلاهما ينسل وينشر نقيصته في النوع البشري، في حين أن الحدأة السيئة البصر تموت جوعًا، والغزال البطيء في عدوه لا يستطيع البقاء أمام الوحوش التي حوله. ولكن الناس في المستقبل سيعمدون - كما قلنا أيضًا - إلى القصد في التناسل، فلن يكون التناسل حقا مشروعًا لكل إنسان، بل يقصر على ذوي الكفايات الجسمية والخلقية والذهنية، وهناك في عصرنا أمم كثيرة تعمد إلى تعقيم الناقصين في الكفايات حتى لا يتناسلوا، ولذلك لا خوف على الإنسان من الحضارة، بعد نحو مئة ألف سنة أو أقل، هذه الصفات التالية: (۱) دماغ كبير يترجح تجويفه بين ۱۸۰۰ و ۲۰۰۰ سنتيمتر مكعب،