ومن أجل بناء مجتمع منتج. إعلان ألما آتا لمنظّمة الصحّة العالميّة من العام 1978 ناشد الدول الأعضاء من أجل تطبيق مبدأ المساواة في الصحّة وتقليص الفجوات بين وعلى الرغم من ذلك، ويمكن لغياب المساواة في الصحّة أن ينعكس في واحدة - أو أكثر- من الحالات التالية: عندما لا يكفل القانون الحقّ الأساسيّ في الصحّة، وعندما لا يكون توزيع الخدمات الصحّيّة متساوياً؛ وعندما لا تتساوى الحالة الصحّيّة لدى مجموعات سكّانية مختلفة. الصحّة البدنيّة والنفسيّة لمجموعات الأقلّيّة في العالم، بمن فيها مجموعة السكّان الأصلانيّين، أقلّ جودة من صحّة الجمهور العامّ. ومردّ جميعها إلى التمييز والتوزيع غير المتساوي للموارد، في إسرائيل، يرتكز قانون الصحّة الرسميّ الصادر عام 1994 على مبادئ المساواة والعدل، ويُعتبر جهاز الصحّة فيها من أفضل الأجهزة الصحّيّة في العالم؛ ومواطنوها من السكّان اليهود. النسب في انتشار الأمراض المزمنة (نحو السكّريّ وسرطان الرئة) أعلى؛ يضاف إلى ذلك أنّ الفجوة في بعض المؤشّرات تشهد ارتفاعاً؛ فعلى سبيل المثال، قبل عشرين عاماً كان الفرق في متوسّط العمر المتوقّع عند الولادة بين المجموعتين عامين، في ما يلي، تقزيم الاحتياجات الصحية للفلسطينيين في إسرائيل غياب المساواة العِرْقيّ في إسرائيل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمكانة السياسيّة المتدنّية للفلسطينيّين مواطني إسرائيل، ويعكس سيرورات تاريخيّة وطبقيّة واجتماعيّة – اقتصاديّة مرّ بها المجتمع العربيّ، يتّصل بعضها بسياسات التمييز المتعاقبة وغياب المساواة الاجتماعيّة – الاقتصاديّة بين الشريحتين السكّانيّتين، ويُعزى بعضها الآخر إلى الجهاز الصحّيّ. تعود جذور غياب المساواة في الجهاز الصحّيّ إلى سيرورات بدأت بالتطوُّر منذ إقامة دولة إسرائيل، وتلقَّوْا علاجاتهم عن طريق صناديق المرضى التي كانت قد بدأت تعمل في فترة الانتداب البريطانيّ. عند إقامة إسرائيل، أهدرت الدولة فرصة بناء جهاز طبّيّ يضمن المساواة؛ فقد عمل جهاز "الخدمات الصحّيّة للأقلّيّات" من خلال التنسيق التامّ مع الحكم العسكريّ الذي خضع له مواطنو إسرائيل الفلسطينيّون على امتداد 18 عاماً (1948 – 1966). لهذا السبب تخلّف تطوير الخدمات الصحّيّة في المجتمع العربيّ كثيراً عن تطويرها في المجتمع اليهوديّ. ولا سيّما أعضاء نقابة العمّال العامّة الهستدروت وأبناء عائلاتهم الذين حصلوا على غطاء تأمينيّ من خلال المشغّلين في سوق العمالة الإسرائيليّة، أو كانوا مقرّبين للأحزاب التي سيطرت على الهستدروت. على هذا النحو بقي نحو ربع السكّان الفلسطينيّين في إسرائيل بدون تأمين صحّيّ من أيّ نوع كان؛ أمّا الموارد التي استُثمرت في تطوير الخدمات الصحّيّة في المدن والقرى العربيّة، فقد كانت شحيحة مقارَنةً بتلك التي جرى استثمارها في البلدات اليهوديّة. على الرغم من أنّ قانون التأمين الوطنيّ الرسميّ الصادر عام 1994 قد غيّر هذا الوضع، كما لم تتطرّق إليها السياسات التي اتّبعتها وزارة الصحّة. على الرغم من أنّ نسبة المستخدَمين العرب في مهن التمريض والطبّ في وزارة الصحّة تفوق نسبة المستخدَمين العرب في وزارات حكوميّة أخرى (نحو 10% مقابل 6%)، ولا سيّما لواء الشمال. هذا الواقع ينسحب كذلك على صناديق المرضى التي يشغل العرب وظائف قليلة جدّاً في إداراتها المركزيّة. تحييد الاعتبارات السياسيّة عن المجال الصحّيّ، والتعامل معه كمجال كونيّ عامّ خالٍ من سياسات القوّة، أدّيا إلى دمج العرب كمستخدَمين في جهاز الصحّة من ناحية، مراجعة التقرير الأخير الذي أصدرته وزارة الصحّة تُظهِر أنّ ثمّة اليوم إقراراً معيّناً بوجود الفجوات بين السكّان اليهود والعرب في إسرائيل، على الرغم من تطبيق هذه السياسة في صفوف مجموعات أقلّيّة أخرى (كالجمهور الأثيوبيّ على سبيل المثال). أحد الأمثلة البارزة هو موضوع التدخين في صفوف الرجال العرب، ولم تُتّخَذ أيّة إجراءات وقائيّة، كما يحصل منذ سنين - وبنجاح- في قِطاعات معيّنة في الدولة (كالجيش على سبيل المثال). علاوة على ذلك، وهي تتعلّق بالتوزيع غير المتساوي لخدمات الصحّة، ولا سيّما في منطقة الشمال. لا يتمتّع سكّان مناطق الأطراف بمستوى الخدمات الصحّيّة نفسها التي يتمتّع بها سكّان المركز. الغالبيّة العظمى من المواطنين الفلسطينيّين تسكن في هذه المناطق، ولذا ثمّة احتمال كبير أنّهم يعانون من نقص في الخدمات الصحّيّة التي تقدّمها صناديق المرضى ووزارة الصحّة. ثمّة صعوبة في تحديد مستوى الخدمات التي يحصل عليها العرب مقارَنةً باليهود تحديداً دقيقاً، وقد أظهر بحث نوعيّ أُجْرِيَ قبل أكثر من عَقد واحد أنّ جودة الخدمات الصحّيّة التي تُقدَّم للجمهور العربيّ، يؤتى على ذكْر الهُويّة العرْقيّة للمعالَج، تداعيات خصخصة جهاز الصحّة خصخصة جهاز الصحّة الإسرائيليّ، التي بدأت بالتعاظم في السنوات الأخيرة، نهشت (وما زالت تنهش) في مبدأ المساواة الذي يرتكز عليه قانون التأمين الصحّيّ الرسميّ، هذه الخصخصة أضرّت بمناليّة الخدمات الصحّيّة الاقتصاديّة في صفوف المجموعات السكّانيّة الضعيفة، والجمهور العربيّ من بينها. وبسبب التَّماسّ الوثيق في إسرائيل بين العِرْق والحالة الاقتصاديّة، تصل نِسَب الفقر في صفوف العائلات العربيّة إلى نحو 50%، وذلك على خلفيّة الضائقة الاقتصاديّة في المجتمع العربيّ. وأظهر تقرير نشرته منظّمة الصحّة العالميّة (2008)، أنّ الجهاز الصحّيّ لا يشكّل سوى عامل واحد من بين مجموعة العوامل الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تؤثّر على حالة الصحّة. نحو: التربية والتعليم ومستوى التحصيل العلميّ والتشغيل والعمل والرفاه والمواصلات والإسكان والخدمات الاجتماعيّة الأخرى. سياسة التمييز التي تمارسها إسرائيل تجاه مواطنيها الفلسطينيّين منذ سنين طويلة، ودمجهم غير المتساوي في الاقتصاد الإسرائيليّ، وهذا عامل مهمّ لتفسير وجود الفجوات في الصحّة بين المجموعتين السكّانيّتين. وسياسة مصادرة الأراضي وهدم المنازل، كلّها ألحقت الضرر بثقة الفلسطينيّين بمؤسّسات الدولة، وعلى أساليب العيش التي نزعت إلى النمط الغربيّ، ولا في المجتمع العربيّ بخاصّة. ولا سيّما الفقر والعنف والبطالة في صفوف الشباب بخاصّة، المجتمع العربيّ يصبّ جلّ طاقاته اليوم في صراع البقاء والمواجهة اليوميّة للسياسات الحكوميّة، العنصريّة في معظمها، والتي تلحق الضرر بالعرب كمواطنين متساوي الحقوق. علاوة على أنّ العنصريّة بذاتها تمسّ بالصحّة (على سبيل المثال: سياسة هدم المنازل التي تبقي عائلات بأكملها بدون مأوى سياسةٌ تنتهك الصحّة)، كلّ هذه الأمور حرفت الاهتمام عن الانشغال بالصحّة في المجتمع العربيّ ومن قِبل القيادات المجتمعيّة. على سبيل المثال، وثمّة عدد قليل من الجمعيّات والمنظّمات المدنيّة التي تعمل في مجال الصحّة في المجتمع العربيّ، والنشاطُ المجتمعيّ في هذا المضمار شحيح جدّاً. متطلبات التغيير كي يطرأ تغيُّر جذريّ على الحالة الصحّيّة لدى المجتمع الفلسطينيّ في إسرائيل، ثمّة حاجة إلى تغيير جذريّ على صعيدين أساسيّين. يجب الاعتراف بوجود الفجوات الإثنيّة بين العرب واليهود في الصحّة وفي الخدمات الصحّيّة، نحو: وفَيات الرضَّع؛ السكّريّ؛ الحوادث في صفوف الأولاد؛ الصحّة النفسيّة؛ وفي بريطانيا. هذه الخطوة تستوجب تأهيل قوى بشريّة للملاءَمة الثقافيّة وتأهيل أشخاص لوظائف "مُروّجين للصحّة". كما هو متعارَف عليه في بعض الدول الغربيّة التي تجري فيها متابعة الفجوات في الصحّة ومن ثَمّ تُرصَد الميزانيّات الملائمة لدراسة الموضوع. من الواجب إقامة فريق عمل مهنيّ يعمل على تشخيص القضايا الصحّيّة الملحّة وينقلها لتكون ضمن معالجة قيادات المجتمع العربيّ (نوّاب البرلمان والأحزاب ورؤساء السلطات المحلّيّة)، وهؤلاء يستطيعون القيام بدَور مهمّ في هذا المضمار. يستطيع هذا الفريقُ العملَ من خلال التعاون مع صُنّاع القرار في جهاز الصحّة في سبيل تحسين الأوضاع الصحّيّة داخل المجتمع العربيّ الفلسطينيّ في إسرائيل، من خلال ممارسة الضغوط على صُنّاع القرار في الحكومة وفي وزارة الصحّة وفي الوزارات التي تتقاطع مواضيع انشغالها مع مواضيع انشغال وزارة الصحّة. وأن يُفْضي إلى تقليص غياب المساواة الاجتماعيّ – الاقتصاديّ، ومن ثَمّ إلى تقليص غياب المساواة في الصحّة بين مواطني إسرائيل الفلسطينيّين ومواطنيها اليهود. ___________________________