فاعل الفعل أو تاركه إما أن يكون فعله أو تركه موافقا أو مخالفا ، وعلى كلا التقديرين إما أن يكون قصده موافقة الشارع أو مخالفته . فالجميع أربعة أقسام : وتارك الصلاة لم تفته مصلحة الصلاة ، وكذلك سائر المسائل المندرجة تحت هذا الأصل ، هذا خلف . وهما مظنتان للاختلاط وذهاب العقل ولم يضع الشارع الحد بإزاء زوال العقل أو اختلاط الأنساب ، وذلك كله باطل لأن القصد مخالف لقصد الشارع عينا ، فلا يصح جملة ، فهو أيضا ضربان : وسيأتي له مزيد تقرير بعد هذا إن شاء الله والذي يتحصل هنا أن جميع البدع مذمومة لعموم الأدلة في ذلك كقوله تعالى : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء [ الأنعام : 159 ] . بل هي موافقة أي موافقة كجمع الناس على المصحف العثماني والتجميع في قيام رمضان في المسجد ، وإذا كان كذلك وجب أن لا تكون البدع كلها مذمومة ، وإنما وقعت فيه نازلتان أو ثلاثة كحديث عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم رضي الله عنهما [ ص: 40 ] وقصة أبي بن كعب مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما ، وهو الذي يسمى المصالح المرسلة وكل ما أحدثه السلف الصالح من هذا القبيل لا يتخلف عنه بوجه وليس من المخالف لمقصد الشارع أصلا ، فقد خرج هذا [ ص: 42 ] الضرب عن أن يكون فيه الفعل أو الترك مخالفا للشارع ، وأما البدعة المذمومة فهي التي خالفت ما وضع الشارع من الأفعال أو التروك ، وإن كان العمل المخالف مع الجهل بالمخالفة فله وجهان : ونية هذا العامل على الموافقة ، ومن لا يقصد مخالفة الشارع كفاحا لا يجري مجرى المخالف بالقصد والعمل معا ، ص: 43 ] وكلا الوجهين يعارض الآخر في نفسه ويعارضه في الترجيح لأنك إن رجحت أحدهما عارضك في الآخر وجه مرجح ، وذلك أنك إذا رجحت جهة القصد الموافق بأن العامل ما قصد قط إلا الامتثال والموافقة ولم ينتهك حرمة للشارع بذلك القصد ، وأيضا فكلامنا فيما بعد الشرائع لا فيما قبلها ، وتكثر المعارضات في هذا من الجانبين فكانت المسألة مشكلة جدا ، والثاني أولى بعد دخوله بها ،