منذ انضمامه إلى معركة طوفان الأقصى، قلب اليمن طاولة الحرب والمخططات الأمريكية الإسرائيلية رأساً على عقب. نجح في تغيير المعادلة العسكرية الإقليمية لصالح المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، ورجّح كفة محور المقاومة في مواجهة محور الشر الصهيوني الغربي. فرض اليمن حصاراً بحرياً شبه كامل على الملاحة الإسرائيلية والقوى الداعمة للكيان. بدأت مسيرة العمليات اليمنية بخمس مراحل تصعيدية، من قصف المسيّرات اليمنية لمدينة إيلات رداً على مجزرة الاحتلال في مستشفى المعمداني في 17 أكتوبر 2023. ثمّ استولى اليمن على سفينة "جلاكسي ليدر" الإسرائيلية من عمق البحر وجرها إلى سواحله، ليبدأ مسلسل الحصار اليمني على الملاحة الإسرائيلية في ثلاث بحار ومحيط على حدود ثلاث قارات. انتهى الحصار بإغلاق ميناء إيلات بشكل كامل، قبل أن تنتقل القوات المسلحة اليمنية إلى تكثيف وتوسيع الضربات العسكرية في العمق الصهيوني، وصولاً إلى قلب "تل أبيب". أتقن اليمن إدارة شكل الصراع وتفاصيل المعركة تحت راية طوفان الأقصى، ما منحه دوراً كبيراً في هذه المعركة كجبهة مؤثرة في عمليات الدعم والإسناد لغزة وعموم جبهات المقاومة. باشرت القوات المسلحة اليمنية أولاً باستهداف الإقتصاد الإسرائيلي من خلال فرض الحصار البحري على موانئ الاحتلال، قبل أن تتجه مؤخراً إلى فرض الحصار الجوي على سماء الأراضي الفلسطينية المحتلة، ودك الأهداف العسكرية للكيان. حققت الجبهة اليمنية المساندة لغزة إنجازات كبيرة ومتنوعة على كافة الأصعدة العسكرية والأمنية والإقتصادية والإستراتيجية. هذه الإنجازات صبت أولاً في صالح الشعب الفلسطيني ومقاومته في قطاع غزة، وفي صالح دول وقوى وشعوب محور المقاومة بشكل عام. تُجسد هذه الإنجازات من خلال حجم التأثيرات البالغة لهذه الجبهة على الداخل الإسرائيلي من جهة، وعلى النفوذ الأمريكي الغربي على مستوى المنطقة من جهة أخرى. ## تأثيرات الجبهة اليمنية: **أولاً، ضرب مقدرات الإقتصاد الإسرائيلي:** ألحقت الضربات اليمنية أضراراً كبيرة في اقتصاد الكيان الصهيوني، خاصةً بعد نجاح الحصار في إغلاق ميناء "إيلات"، وهو أهم شرايين التجارة الحيوية للاحتلال. أدّى الحصار إلى عرقلة خطوط الإمداد الداعمة لاستمرار حرب الإبادة الجماعية، وارتفاع أسعار الشحن والنقل. تسبب ذلك بشلل شبه تام في السوق الإسرائيلية وفجّر أزمات اقتصادية ومعيشية خانقة داخل المجتمع الصهيوني. وفقاً للإحصائيات الرسمية، تمكنت القوات المسلحة اليمنية منذ مشاركتها في معركة طوفان الأقصى في منتصف أكتوبر 2023 وحتى مطلع أكتوبر 2024، من اصطياد وإغراق نحو 199 سفينة إسرائيلية ومرتبطة بالاحتلال، بينها أمريكية وبريطانية وفرنسية. تضررت معظم القطاعات الحيوية والمؤسسات الإقتصادية في الكيان الصهيوني، لأضرار بالغة جراء الحصار اليمني، ومن بينها الموانئ البحرية والنفط والبورصة. ساهم الحصار أيضاً في ارتفاع معدلات الانفاق الحكومي. **1_ قطاع التجارة البحرية والموانئ:** أدى الحصار اليمني إلى إغلاق ميناء "إيلات" بشكل كامل، وتعطيل التجارة الإسرائيلية القادمة من البحر الأحمر كلياً. أسهم ذلك في رفع تكاليف الشحن مع استخدام طرق بديلة أطول. أكد الرئيس التنفيذي لميناء إيلات "غدعون غولبر" على توقف العمل في الميناء بشكل كامل، لعجز السفن عن الوصول إليه بسبب الهجمات اليمنية في البحر الأحمر. بعد إغلاق ميناء إيلات، انتقلت القوات المسلحة اليمنية لحصار كافة الموانئ الإسرائيلية، واستهداف كل سفن الشركات المتعاونة مع موانئ الاحتلال في أي مكان كانت. أدى ذلك إلى خسائر باهظة في موانئ الاحتلال الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، وعلى رأسها ميناء أسدود الذي فقد أكثر من 63 % من أرباحه بعد انخفاض حركة الملاحة. **2_ قطاع الإستثمار:** ساهم الحصار اليمني في استهداف قطاع الإستثمار في الداخل الإسرائيلي، نتيجة تأخر وصول البضائع وارتفاع أسعار الشحن والنقل بشكل كبير، ما أثر على القدرة الشرائية. تسبب ذلك بشكل مباشر في إغلاق نحو 46 ألف شركة إسرائيلية أغلقت أبوابها منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر الماضي، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 60 ألف شركة بحلول نهاية العام الجاري. **3 _ التأثير على الهجرة العكسية للمستوطنين:** لا شك أن الأزمة الإقتصادية التي خلفها الحصار اليمني في الداخل الإسرائيلي، إلى جانب تداعيات حرب غزة، وتأثيرات جبهة لبنان على نزوح المستوطنين، تربك حسابات الاحتلال الإسرائيلي وجميع داعمي استمرار العدوان على غزة. تشكل هذه الأزمة ضغطاً كبيراً على حكومة الاحتلال، خاصةً في ظل تصاعد حالة الغليان والسخط أوساط المستوطنين. بدأت حالة فقدان الثقة بحكومة الاحتلال، وبدولة "إسرائيل" بشكل عام. وفقاً لتقرير نشرته مجلة "زمان الإسرائيلية" مطلع العام الجاري، هاجر "470 ألف إسرائيلي بعد انطلاق عملية طوفان الأقصى". كشفت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" أن نصف مليون مستوطن إسرائيلي غادروا بالفعل دولة الاحتلال، ولا يُعلم ما إذا ما كان ذلك قرارا مؤقتا أم أنه سيتحول إلى هجرة دائمة. كما كشفت الأرقام التي ينشرها الإعلام الصهيوني والغربي، أن عدد المهاجرين اليهود إلى الكيان قد انخفض مع الشهر الأول بعد أكتوبر 2023، بنسبة 50% مقارنة ببداية العام، ثم انخفض العدد بنسبة 70% في نوفمبر 2023. **ثانياً، تداعيات العمليات اليمنية على اقتصاد القوى الغربية الداعمة لاستمرار العدوان الصهيوني على غزة:** لم تقتصر تأثيرات الحصار البحري اليمني على الإقتصاد الإسرائيلي فقط، بل وصلت هذه التأثيرات بشكل مباشر إلى عمق اقتصادات كبرى الدول الغربية الداعمة للكيان الصهيوني. **• السبب الأول:** تأثر الشركات الأوروبية والأمريكية المرتبطة بموانئ الاحتلال، وعلى رأسها كبرى شركات الشحن الأجنبية التي فقدت العميل الإسرائيلي بعد امتناعها عن تحميل بضائعه من وإلى موانئ الاحتلال، وذلك خوفاً من الاستهداف اليمني. **• السبب الثاني:** توسيع اليمن حصاره على الملاحة الإسرائيلية ليشمل الملاحة الأمريكية والبريطانية وبعض الدول الأوروبية، وذلك بعد انخراطها في التحالف الأمريكي الذي يشن عدواناً عسكرياً على اليمن منذ يناير 2024، رداً على العمليات العسكرية اليمنية المساندة لغزة. وفقاً لدراسة نشرتها صحيفة "الغارديان" البريطانية، فإن "أكثر من (53٪) من المصنعين وتجار التجزئة في بريطانيا قد تأثروا بأزمة البحر الأحمر، فيما ارتفعت أسعار استئجار الحاويات بنسبة 300%، وإضافة أربعة أسابيع إلى مواعيد التسليم". **ثالثاً، تطوير القدرات العسكرية اليمنية والإطاحة بقوة الردع الأمريكية والإسرائيلية:** لقد نجحت القوات المسلحة اليمنية من خلال عملياتها العسكرية المساندة لغزة، من إسقاط نظرية قوة الردع الأمريكية والإسرائيلية معاً. تمكنت الصواريخ والمسيّرات اليمنية من تجاوز الدفاعات الأمريكية والإسرائيلية أكثر من مرة والوصول إلى قلب الكيان الصهيوني. نجحت التكتيكات العسكرية اليمنية خلال المعركة البحرية مع الأساطيل الأمريكية والأوروبية، من إفراغ قدرات هذه الأساطيل وإخراجها خارج دائرة المواجهة. دفع ذلك نائب قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، وقائد الأسطول الأمريكي الخامس، براد كوبر، للقول بأن المواجهة مع القوات المسلحة اليمنية هي أكبر معركة بحرية تخوضها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية. يذكر أن موقع "اكسيوس" الأمريكي، قد نشر بتاريخ 29 أغسطس 2014، صوراً ألتقطت بواسطة الأقمار الصناعية، وتظهر خلو البحر الأحمر من أي سفينة حربية أمريكية، وذلك للمرة الأولى منذ عقود. يُؤكد الصدق والإخلاص الذي جسده اليمن في مساندة الشعب الفلسطيني المظلوم ومقاومته الباسلة في قطاع غزة، والانتصار للقضية الأولى للأمة العربية والإسلامية، على تطوير الأسلحة والقدرات الصاروخية للجيش اليمني. تمكن اليمن من الوصول إلى تقنيات حربية متقدمة وتصنيع أسلحة ردع إستراتيجية كما حدث مع مسيّرة "يافا" التي دكت عمق الكيان الصهيوني في"تل أبيب"، خط الدفاع الأول والمتقدم للاحتلال الإسرائيلي. نجحت القوات المسلحة اليمنية في نسف التفوق الجوي للقوات الأمريكية، وذلك عقب الإسقاط المتكرر لطائرات MQ-9 في سماء اليمن. تمكنت القوات اليمنية من إسقاط نحو 11 طائرة أمريكية من هذا النوع منذ مشاركتها في معركة طوفان الأقصى، وهي أكبر خسارة يتعرض لها سلاح الجو الأمريكي على مر التاريخ. **رابعاً، انعاكسات إنجازات الجبهة اليمنية على مستقبل المشاريع الصهيونية والنفوذ الأمريكي في المنطقة:** سيكون لإنجازات السواعد والعقول اليمنية خلال مشاركتها في معركة طوفان الأقصى تأثيرات عميقة في فرملة المشاريع الصهيونية التوسعية على مستوى المنطقة. يُعظم وجود قوة جديدة فاعلة في إطار محور المقاومة من قوة الردع الإستراتيجي للمحور في مواجهة هذه المشاريع. نسف اليمن لقواعد الردع العسكرية والأمنية التي كانت تتكئ عليها الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" لفرض أشكال الهيمنة والوصاية على المنطقة؛ ينسف مشروع التطبيع. **خامساً، تأثيرات الموقف اليمني على مستقبل النظام العالمي الحالي "نظام القطب الواحد":** لا شك أن تأثيرات المشاركة العسكرية لليمن في ملحمة طوفان الأقصى، قد ساهمت بوضوح في تراجع الهيمنة الأمريكية الغربية في المنطقة العربية. الأساطيل الأمريكية التي فشلت اليوم في وقف العمليات العسكرية اليمنية البحرية والجوية، على مدى عام كامل، لن تكون قادرة على حسم أي مواجهة مستقبلية مع اليمن أو أي جبهة أخرى في المنطقة. استناداً لكل ما سبق، يمكن التأكيد بأن التدخل اليمني المؤثر والفعّال في مساندة غزة ولبنان، إلى جانب جبهات الدعم والإسناد في محور المقاومة، سيشكل أحد عوامل الضغط الرئيسية التي ستُجّبر الكيان الصهيوني والقوى الداعمة له على التراجع وإيقاف العدوان. سيكون لليمن المقاوم دوراً بارزاً في تقرير مصير النظام العالمي، وإعادة رسم الخارطة الدولية وفق عالم متعدد الأقطاب بعيداً عن الوصاية الأمريكية.