الاستشراق: بين المعرفة والوظيفة السياسية في سياق الدبلوماسية الدينية يُعدّ الاستشراق من أبرز الحقول المعرفية التي اهتمت بدراسة الشرق، وقد أسهم هذا الحقل في تشكيل صورة الإسلام والمسلمين داخل الوعي الغربي، باعتباره أداة معرفية تؤثر في تصورات الغرب عن الإسلام وفي توجيه السياسات الثقافية والدينية. السياق العام: النشأة والدوافع ظهر الاستشراق في سياق تاريخي يتميز بتزايد الاحتكاك بين العالم الإسلامي والغرب منذ العصور الوسطى. دوافع الاستشراق يمكن إجمالها في: • دوافع دينية: خدمة التبشير والطعن في العقيدة الإسلامية. • دوافع علمية ومعرفية: دراسة التراث وتحقيقه وترجمته. • دوافع سياسية واستعمارية: فهم المجتمعات الإسلامية بغرض التحكم فيها. • دوافع دبلوماسية واستراتيجية: توظيف المعرفة في صناعة القرار وتوجيه العلاقات الدولية. الإطار المفاهيمي: مفهوم الاستشراق يشير إلى الاشتغال بالشرق ولغاته وثقافته ودينه. ويتميز الاستشراق بوجود بعدين رئيسيين: 1. البعد المعرفي: يشمل الدراسة العلمية للغة، 2. أهمية دبلوماسية: فهم دور الاستشراق في توجيه السياسات الثقافية والدينية الغربية وتأثيره على صورة الإسلام في العلاقات الدولية. 1. تحليل نشأة الاستشراق ودوافعه ووظائفه المختلفة. إلى أي حدّ يمكن اعتبار الاستشراق إنتاجًا معرفيًا موضوعيًا حول الإسلام، • أسهم الاستشراق في خدمة المعرفة الإنسانية من خلال دراسة التراث الإسلامي وتحقيقه وترجمته. يعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي لوصف الظواهر الاستشراقية ومراحلها ودوافعها، أبرز الدراسات حول الاستشراق تشمل: • عبد الرحمن بدوي: يميز بين الاستشراق العلمي والاستشراق المؤدلج. • أنور الجندي: ينتقد الخلفيات الفكرية والسياسية للاستشراق وتأثيره على الفكر الإسلامي المبحث الأول: الإطار التاريخي للنشأة والدوافع • المطلب الأول: نشأة الاستشراق وأطواره التاريخية • المطلب الثاني: دوافع الاستشراق (دينية، المبحث الثاني: الاستشراق ووظائفه المعاصرة • المطلب الأول: الوظائف السياسية والدبلوماسية للاستشراق • المطلب الثاني: نقد الخطاب الاستشراقي وانعكاساته على صورة الإسلام والدبلوماسية الدينية الخاتمة: يتضح أن الاستشراق ظاهرة مركبة تجمع بين البعد المعرفي والبعد الوظيفي. المبحث الأول : الاستشراق : الخلفية الفكرية لنظريات التنمية السياسية لا يمكن القول إن هذا المبحث يقدم دراسة مفصلة أو تقويمية للاستشراق ولا يقدم حصرًا لمدارسه وأهم علمائه وباحثيه . كما أن هذا الجهد في حاجة إلى عمل جماعي يغطي تخصصات عدة ليس في استطاعة الباحث القيام به، الذي ركز بصورة أساسية على دراسة المجتمعات «الشرقية» أو غير الأوروبية - حينئذ - بمفاهيم ومناهج ومسلمات، وفي دراستنا للاستشراق سنناقش القضايا التالية : ١ - البيئة الفكرية والسياسية لنشأة الدراسات الاستشراقية وتطورها. ١ - الأسس النظرية للدراسات الاستشراقية . ٣ - منهجية الدراسات الاستشراقية . - الأهداف العلمية والعملية للاستشراق. ه - التطورات الحديثة في الدراسات الاستشراقية وعلاقتها بالأنثروبولوجيا ونظريات التنمية السياسية . أولاً : البيئة الفكرية والسياسية لنشأة الدراسات الاستشراقية وتطوّرها : هناك ما يشبه الإجماع بين الباحثين حول صعوبة تحديد البداية الحقيقية للدراسات الاستشراقية. ۱۳۱۲ بتأسيس عدد من كراسي الأستاذية في العربية واليونانية والعبرية والسريانية في جامعات باريس وأكسفورد وبولونيا وأفينون وسلامانكا وهناك أيضًا من يرى أن بداية الاستشراق ترتبط بظهور المفهوم حيث استخدم مفهوم (مستشرق (Orientalist) في إنكلترا عام ۱۷۷۹ وفي فرنسا عام ۱۷۹۹ وأدرج مفهوم الاستشراق Orientalism) في قاموس الأكاديمية الفرنسية عام ويرى الباحث أن ظهور الاهتمام الأوروبي بدراسة المجتمعات الأمة غير الأوروبية خصوصا العالم الإسلامي ارتبط بالاحتكاك المباشر بين الإسلامية وأوروبا، قضية فهم «الغير» لازمة للحفاظ على «الذات»، خصوصا إذا كان ذلك «الغير» عدوا ذا طبيعة خاصة، مع ناسخة لها داعية لتصحيح تحريفها بعد كشف انحرافها. ومن هنا نشأ الاستشراق لدراسة الإسلام وفهمه بقصد تشويهه وإثبات عدم قناعته بعد تحريفه وتلبيسه ومن ثم كانت وظيفة الاستشراق في مراحله الأولى حماية العقل الأوروبي والحفاظ على العقيدة المسيحية السائدة. وفي المرحلة الأخيرة ارتبط الاستشرق ـ اتساقًا مع المرحلة الثانية - بالاستعمار (البغي) بغية السيطرة ليس على العقلية غير الأوروبية فقط، وسوف يتم تناول تطور الاستشراق في مرحلتين رئيستين: 1 - الاستشراق والتنصير ويبرز ذلك في العديد من أعمال روّاد الاستشراق امثال «نورمن دانييل الذي أسقط المسيحية على الإسلام (مفترضًا أن محمدا - ﷺ - كان للإسلام ما كانه المسيح - عليه السلام - للمسيحية، ناهيك عن الصورة التي رسمها دانتي» للمسلمين ورسولهم في الكوميديا الإلهية، فهناك قدر ضئيل تحلّى بالصدق والعدل في دراساته ولا نرى في هذا نظرة تأمرية من أوروبا على الإسلام، في تناولها للإسلام من فرضيات ومسلّمات الديانة المسيحية الأوروبية وما اختلط من عقائد جرمانية وثنية بها ٢ - الاستشراق والبغي «الاستعمار» بحيث يقوم الاستشراق بمهمة الخلخلة العقيدية والثقافية للمجتمعات المرجو احتلالها ويقوم التنصير باستبدال عقيدتها بعقيدة الباغي، معتقدين أن اعتناقهم لمبادىء التفكير الأوروبي ومشاطرتهم الأوروبيين نظرتهم للكون إنما هو نتيجة اقتناع تلقائي أملته طبيعتهم البشرية . التي كانت على الدوام من أهم وسائل شعوبه في مقاومة الاستعمار» الذي حاول بكل ما أوتي من قوة تجريدها من ذاتيتها وشخصيتها وعقيدتها» ، وأن للاحتلال الإنكليزي للهند رسالة مزدوجة الأولى تدميرية والثانية إحيائية تجديدية إفناء المجتمع الآسيوي وإرساء الأسس المادية للمجتمع الأوروبي في آسيا وقد رد إنجلز ثورة الأمير عبد القادر الجزائري ضد القوات الفرنسية إلى كونها الصراع اليائس للحالة البربرية للمجتمع. فمعظم المستشرقين فيما بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وحتى العشرين كانوا يعملون في وزارات الخارجية لدولهم وعلى رأسهم المستشرق «أرنست رينان الذي كان يعمل مخططا للاستعمار الفرنسي )، ثانيا : الأسس النظرية للدراسات الاستشراقية وإنما الأرجح - في رأي الباحث - أن هذه الدراسات وإن لم تكن محض دراسات عشوائية لا يجمعها رابط في المنشأ والمبتغي كذلك لم تكن نابعة من مخطط تأمري، وإنما كانت كاي حقل دراسي أو تخصص علمي يقوم على مجموعة من القواعد والمسلمات التي تعد من قبيل البدهيات التي لا تقبل النقاش والتي يسلم بمصداقيتها كل من يدخل هذا الحقل بحيث يكون لهذا التخصص ضابط يجمع شتات أبحاثه ودراساته، واعتبار كل ما يشذ عن النموذج الروحي المسيحي نقصا أو قصورا يعبر عن فساد هذا الدين وضعفه وعدم معقوليته(۲۹) «فقد أوقفت أوروبا تطور الإنسانية عند المسيحية باعتبارها أرقى دين وصلت إليه البشرية بحيث أصبح تاريخ الإسلام يسير لا وفق ديناميكيته الخاصة بل كانعكاس شاحب ومعكوس لتاريخ الغرب، ٢ - تقييم المجتمعات «الشرقية» طبقًا لمعايير متناقضة طرحتها الخبرات الأوروبية المتتالية. ومن ثم هناك ترسانة من المفاهيم والمعايير تراكمت عبر مراحل تاريخية متتالية لا يستخدم معظمها في دراسة المجتمعات الأوروبية وتقييمها، وأوروبا الأنوار وأوروبا الإمبريالية وفي داخل كل أوروبا تتشكل عدة زوايا للرؤية : الزاوية السياسية، وتوجيه التهم الاعتباطية إليه إما باتهامه بنقص في الروحانية طبقا لمقولات المسيحية، فقد اهتم أرنست رينان ومن سار على نهجه من المستشرقين والمفكرين الأوروبيين ببيان خصائص الأوروبيين صناع الحضارة وحملة الإبداع الخلاق والساميين السطحيين في تفكيرهم وفلسفتهم (۳۳). وأخرى متخلفة أو محكومة خطوة إلى الإمام بحيث ظهرت كتابات مثل (جون وستليك : فصول في مبادىء القانون الدولي (۱۸۹٤ يرى فيه أن أقاليم الأرض «غير المتحضرة ينبغي أن تُلْحَق أو تُحتل من قبل القوى المتقدمة، كذلك وبطريقة مماثلة فإن أفكار كتاب مثل «کارل» «بیترز» و «ليوبولد دوسوسير» و «تشارلز تمبل» تعتمد على ثنائية المتقدم / المتخلف التي اعتنقت ودعي إليها بقوة في استشراق القسم الأخير من القرن التاسع عشر (٣٤) . وتسير البشرية خلفها في أقسام متباعدة من البدائية والتوحش والقبلية وشتى أوجه الانحلال والجهل والفقر والبؤس (٣٥) ، مثل أبحاث رينان» و «لابي» و «کرومر» و «دوماس» و «هانوتو» و «زويمر» وغيرهم (۳۷) . فنظر إلى المنطقة العربية التي تحقق أكبر قدر ممكن من التجانس على أنها مجتمع بلوري فسيفسائي (۳۸) ، أطلق عليه الشرق الأوسط على اعتبار أنه يجمع سرذام من بقايا حضارات بائدة. منهجي سوى تحرات الباحث وثقافته وأهدافه التي أوجدت تاريخا ذهنيا ليس له دليل واقعي ثالثًا : منهجية الدراسات الاستشراقية وعلى الرغم من أن لكل مستشرق منهجًا مستقلاً للاقتراب من الظاهرة موضع دراسته، فلكل منهج «ما قبل المنهج معطياته اللغة والثقافة والتكوين الذاتي للباحث، تلك المنظومة التي تحدد أبعاد رؤية الباحث ومدى استقامته وأمانته العلمية، ولا يسلم منه علم من العلوم البحتة أو الاجتماعية يلقي بظلاله على المنهج المستخدم (۳۹) ، وهذا يضع تحفظا مقبولاً ومنطقياً لمقولة عالمية المنهج»، حيث لا يمكن القول إن هناك انفصالاً بين العلم ومنهجه وأدواته ومفاهيمه ومسلماته بل وألفاظه . وإذا كانت معطيات ما قبل المنهج تطرح مقولات معينة عن الإنسان والكون والحياة والدين والعلم والغاية من الحياة. وهكذا تخلق الثقافة منهجها وتطوره. لأنه من العسير الحديث عن مناهج بعينها تستخدمها هذه الدراسات إذا أغمضنا الطرف عن المنهج التاريخي، بعد أن تم تفريغه من مضمونه حيث لم يعتمد على صحة الوثائق والمعلومات، بل اتخذ الطريق العكسي القائم على الشك واعتماد غريب الأحاديث وشواذها وملتقط الأخبار ونوادرها، ويمكن القول إن المنهجية الاستشراقية اعتمدت مجموعة من القواعد مثلت أساس المنهج العلمي الذي يجب أن يتبع لتكتسب الدراسة صفة العلمية. وبترسيخ هذه القواعد استطاع المستشرقون أن يؤثروا على الطريقة التي كوّن بها المسلمون صورة لأنفسهم في سياق تاريخهم وعلى مجرى التطور في العالم الإسلامي، عن طريق تطوير موضوعات ونظريات وفروض عديدة تتصل بالتاريخ الإسلامي»، فنجدهم الشك إلى أقصى مداه ويطرحون افتراضات لا رصيد لها من الواقع يمضون مع التاريخي، وإما أن يكون يهوديا أو نصرانيا لا يؤمن بصدق الرسالة التي أعقبت النصرانية (٤٦) . ترفض أو غيبي على أساس أنه سقوط في مظلة الخيال والخرافة كل ما هو روحي والعلمية . حيث أخضع التراث الإسلامي - سواء في نظمه السياسية والاقتصادية أو تاريخه بل حتى القرآن والسنة الشريفة - للتفسير المادي للتاريخ ولمقولاته الصارمة يفصلها على مساحات منهجه المرسوم سلفًا، يقطع أوصالها لكي يرفض وينفي ويستبعد ما لا ينسجم ومقولات هذا المنهج . فقد درس التراث الإسلامي بمقولات ومفاهيم مثل : المرحلة الإقطاعية الأرستقراطية المكية أرستقراطية الرقيق الملكية الروحية الجديدة جمهورية مكة . وقد برز ذلك في دراسات «بيجو لفسكايا» و «بلاييف» و «کلیموفیج» و «تولستوف» و «بندلي جوزي » هذا بالإضافة إلى الدراسات التي ضخمت العامل الاقتصادي في التاريخ، خارج عنه موجه له ومتحكم فيه دون أن يلغي أثر البشر ومسؤوليتهم - يمثل معيارا للاحتكام والتقويم تقاس إليه التجارب، من خلال تتبع وقائع تاريخ المسلمين ونظمهم التي لا تمثل في غالبيتها تاريخا للنظم الإسلامية الحقة، وإنما تاريخا للممارسة الفعلية للسلطة السياسية على مقتضى مصالح السلاطين وإن انحرفت عن القيم الإسلامية» . فلم يدرس المستشرقون التراث الإسلامي بمداخله وتصنيفه للعلوم، بحيث أضفيت الأهمية على موضوعات لم يكن لها في التراث الإسلامي أي وزن أو قيمة . وابتدعت موضوعات لم يهتم بها المسلمون أنفسهم على مر تاريخهم، ( أ ) المواقف والمعتقدات البدائية التي ظلت حية في الأمة الإسلامية . (ب) تعاليم القرآن وأثره بالسنة النبوية. (جـ) قيام علماء الكلام ورجال الدين بتنظيم المعتقد الإسلامي والأخلاق الإسلامية على أصول منهجية . ( د ) تأثير الطرق الصوفية . ٦ - أدوات جمع المعلومات : اعتمد المستشرقون على وسائل لا ترقى لمستوى الأداة المنهجية التي تضمن الوصول إلى المعلومات الصحيحة، كذلك مثل الرحالة والمبشرون مصدرًا للمعلومات والقصص التي تفوق الخيال حيث كانت نظرتهم - كما يرى هشام جعيط ـ «عدائية كاذبة، رابعا : الأهداف العلمية والعملية للاستشراق حيث كان هدفه الأساسي حماية العقل الأوروبي من تأثيرات الثقافة الإسلامية الغازية فقد كانت كتب الاستشراق ومقالاته ودراساته كلها مكتوبة أصلاً للمثقف الأوروبي وحده لا لغيره، بل الوصول إلى حماية عقل هذا الأوروبي المثقف من أن يتحرك في جهة مخالفة للجهة التي يستقبلها زحف المسيحية الشمالية إلى دار الإسلام في الجنوب، وأن تكون له نظرة يقتنع كل الاقتناع بصحتها ينظر بهاإلى العالم الإسلامي وثقافته وحضارته فالمستشرقون يكتبون عن الشرق والإسلام لأبناء ثقافتهم ؛ ٢ - التبديل الثقافي للأمم والشعوب غير الأوروبية : رأينا في الأسس قام عليها الاستشراق أنه انطلق من نزعة عرقية عنصرية (٥٨) متمركزة حول الذات، ترى أن الكمال الثقافي متمثل في الحضارة الأوروبية ومن ثم يجب تعميم هذا النموذج (٥٩) على شعوب العالم توطئة لإلحاقها بركب الحضارة الأوروبية لتظل في وضع التابع الذي لا يحس بتبعيته، تمهيدا لاستبدالها بثقافة أكثر تطورًا ورقيا وتماسكاً «بل سعت لتبديل النظم السياسية لإدخال الخطط السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحقق أهداف الغرب في الهيمنة والسيطرة» (٦١) . وهو الهدف الأكثر بروزا وأهمية في تاريخ الاستشراق والذي ورثه العلم الاجتماعي الأوروبي، ولا يزال مستمرا تحت مسميات أخرى فمتابعة تاريخ الفكر الفرنسي والإنكليزي والألماني في غضون القرن التاسع عشر، تبين اقتراباً واضحًا بين دخول الغرب طور التوسع الاقتصادي والجغرافي، حلقة في سلسلة طويلة تمتد جذورها إلى عصر النهضة فلا يعد علم الاجتماع نفسه إلا بابا من أبواب العلوم الاستعمارية» من حيث موضوعه وأهدافه، الأولى : الاستفادة من إمكانيات المعرفة الحديثة ووسائل نشرها بين الناس عن طريق المدارس والجامعات وإنشاء دور النشر والطباعة . ولا يعد هذا القول سحبًا لفترة تاريخية من تطور الاستشراق وإسقاطها على تاريخه كله أو خلطا بين نشأة الاستشراق وحالته الراهنة كما . فؤاد زكريا أنه من الممكن أن يكون الاستشراق في بلاد معينة قد نشأ تلبية لحاجات . استعمارية ولكن هذا الأصل لا يتعين أن يلازمه ويؤثر فيه في حكمنا عليه طول مساره اللاحق، ذلك لأن العلم يكتسب بمضي الزمن قدرة على التطور المستقل عن الأصل الذي نشأ منه ، ورغم التناقض الواضح بين هذا الرأي ورأيه السابق الإشارة إليه في نشأة الاستشراق إلا أن الباحث لم يقل بالنشأة المرتبطة بالاحتلال والتوسع وإنما يرى أن الاستشراق ظهر لحماية الذات من تأثير الغير، خامسًا: التطورات الحديثة في الدراسات الاستشراقية وعلاقتها بالأنثر وبولوجيا ونظريات التنمية السياسية انعقاد مؤتمر باندونج ١٩٥٥ كان «الشرق» بأكمله قد حصل على مع استقلاله السياسي من الدول الأوروبية يواجه تجسيدًا آخر للقوى «الإمبريالية» ممثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، ففي محاضرة ألقاها المستشرق الإنكليزي هاملتون (جب مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد عنوانها الدراسات الإقليمية : إعادة تقويم قال فيها ما نحتاجه الآن هـو المستشرق التقليدي، يكون دور المستشرق التقليدي ليس تطبيق المعلومات التي تقادم عليها الزمن وإنما تذكير زملائه المستحدثين ضئيلي الخبرة بالدراسات الإقليمية بآليات عمل المؤسسات السياسية في المناطق الآسيوية والإفريقية» (٦٦) . فالاستشراق رغم أنه كان يمثل غطاء للعلوم التي تدرس المناطق غير الأوروبية بحيث كان لفظ مستشرق يعني - إلى عهد قريب ـ دارس الآداب الشرقية واللغات الشرقية أو المتخصص في تاريخ إحدى الدول الشرقية، فإنه في الآونة الأخيرة أخذت كلمة الاستشراق في الاختفاء من الأوساط العلمية والأكاديمية لتحل محلها كلمات أخرى أكثر دلالة على التخصص العلمي ) (٦٧) .