لعل سورة يوسف هي خريُ ٍ مثال للفكرة التي نحاول أن نُ ِصارح بأنه يقُص القَ ُّ ْح ُن نَقُ ﴿نَ فالقرآن إذن يقص القصص ليصحو الغافل. َي رأ بَ ِت إِنِّ ﴿إِذْ قَ ٍ من القواعد القصصية املعروفة أن القصة يجب ألا تفاجئ القارئ؛ فلا بد لكل حدث ٍ من تمهيد ُ يسبقه. بل إن الآيات لا تكتفي بهذا، ً تمضي قدما. ُم َك ِم ْن تَ َر ِ اه َيم َوإِ ْس َح َ اق إِ َّن َربَّ َك َعِل ٌيم َحِك ٌيم ﴾ (يوسف، بََويْ َك ِم ْن قَ َوب َكَما أ وأن يوسف من ُ آل يعقوب. عرفنا معنى الح ُ لم وما سيصري إليه أمر َ يوسف ُ من بعد. ُ ستأتي فيما بعد؛ َ التشويق، وإن كنت َ عرفت حقيقةً السرد القصصي في القرآن الكريم وصل يوسف إلى معرفة تأويل الأحلام والحكمة. َّ ولو كان القارئ يقرأ لقص ٍ اص عادي لقرأ ليعرف إن كان هذا التنبُّؤ قد تم أم لا. ِّ املتحدثني في الغرب أن يُلغوا فكرة التشويق فانهارت القصة، ٍ كعنصر أساسي من عناصر العرض الآتي: ومورافيا ً ق نجاحا عامليٍّا منقطع النظري، ْوًم َ ا ص ِال ِح َني * تُ اقْ ْم إِ ْن ُكنْ َ ارِة ُج ِّب ُوه ِفي َغيَابَِة الْ لْقُ لُوا يُ ُوس َف َوأ َ ال قَ ِاعِل َني﴾ (سورة يوسف: من آية ٨–١٠). فَ ولكنك مع ذلك مشوق أنت بطبيعة الحال تعرف القصة، أتستطيع أن تتصو َ ر نفسك من املسلمني الأوائل متحلقً َ أنك ً ستظل ساهر ُ ا الليل والليالي حتى يصل الوحي ما انقطع من القصة، وأنت َ يومذاك ُ لم تسمع به قبل، ُ تسمع هذه الآيات يصبح يوسف جزءًا من حياتك، وتريد أن تعرف ماذا فعل به إخوته . تعرفُها وتُناجيها وتسألُها لعلها تُجيبك. الهيكل الفني في قصة يوسف إلا أن واحدا منهم هو ولكننا نُ هذه املؤامرة؟ ْرتَ ْرِسلْ بَانَ تُ نْ ُه الذِّ َويَلْ ُب َونَ ُه الذِّ َكلَ ُه َغ ِافلُ َون * قَالُوا لَ َعنْ ويُحذِّرهم الأب، ولكنه مع يِْه لَ ُوه ِفي َغيَابَِة الْ َهبُ ولكن الله اللطيف بمن يجتبيهم يوحي ليوسف أنك ستُنبِّئهم َّ بأمرهم هذا. فلا خوف إذن ولا هلع، ً ا رائعا لنرى إلى الإخوة ماذا صنعوا مع أبيهم. َد َر ْكنَا يُ ُوس َف ِعنْ ٍم َكِذ ٍب نَ ئْ ِاعنَا فَ َع ُ ان َعَلى َما تَ ُم ْستَ َصْبرٌ َجِم ٌيل َواللهُ الْ َمٍن بَ سورة يوسف: من آية ١٩–٢٠). في هذه الآيات نرى قاعدةً من أ إنهم نكرات َ كان د ُور َ هم أن يصلوا بيوسف إلى مصر. لا تؤثِّر شخصياتهم فيه من الزاهدين. شأن الجاهل إذا وجد جوهرةً من املاس، تَّ َعنَا أ َعَسى أ َو ُ اه4 ِتِه أ ِذ ْ ي اشَترَ ُ اه ِم ْن ِم ْ َصر ِلاْم َرأ َو َكذَ ُم َون﴾ (سورة يوسف: آية ٢١). النَّ يريد أن يعرف. إنه الفن في قمة روعته. َ أستغفر الله. أو بالنقلة القصصية الحديثة. ويستقي لهم. 3 واردهم: الذي يَ الهيكل الفني في قصة يوسف ْجِزي الْ ِت ْالأَ ِل ُح َّ الظ ِالُم َون﴾. ٍ وفي انتقالة ٍ سريعة وامضة أخرى ذهبنا إلى قصة جديدة. ِل َك ِلنَ ْرَه َ ان َربِِّه َكذَ ْن َرأ ِص َني﴾. إِنَّ ُ إن العرض القصصي هنا في قمته . فأروع َّ ما في العرض القصصي السرد الفني. وقد لعباده إن يوسف كان إنسانً في هذه الجملة روعةٌ ٌ فنية وكشف نفسي عميق؛ ُّ يقعوا فيه، ِغرينا أن نتشبه وأين نحن من امللائكة؟ أما قصص الناس فإنها تُ بَ َ اب َوقَ َ﴿و ْ استَ ْو َعذَ ْن يُ ْس َج َن أ َ هيت ِ لك: أقب ِ ل وبادر، ُلقيَ َ ت عن غري عمد. هذا هو التمهيد الفني للحد َّصوْر َ ها إذا كنت تقرأ هذه القصة دون أن تكون َ ثم أرأيت إلى املفاجأة الواقفة عند الباب؟ تَ تُ زوجةٌ َّ ل القرآن فك َرت ماذا تفعل، أو حاولَ ٍر قَ َ أرأيت محاكمةً ْعتَ َّم َ ا رأ لَ إِ ْن َهذَا إِ ُ يوسف جميل . 20 ُو ْ ا الآيَ ِ ات لَ َّم بََدا لَ ِسي ُخبْ ًزا تَ ُم ْحِسِن َني﴾. َ ت به الآية . ألست الآن مشوقًا أن بْ َل أ ِانِه إِ ْرَزقَ ِت ُ يكَم َ ا طَع ٌ ام تُ ﴿قَ ْؤِمنُ َون ِباهللِ َوُه ْم ِب ْالآ ِخَرِة ُه ْم َك ِافُر َون﴾. ْوٍم َربِّي إِنِّي تَ ِذ َ ي ظ َّن أ ِ ان َ* وقَ لَ َس ُ اه َّ الشيْ نْ تُونِي َمَلأُ َُّها الْ ِاب َس ٍ ات يَا أ بَُلاٍت ُخ ْضرٍ َوأ َر ٍ ات ِسَم ٍ ان يَأ ْعُبرُ َون﴾. ْم ِل ُّلرْؤيَا تَ تُ َ أرأيت َّ كيف إذن مه ِ د السبيل أن يرجع يوسف إلى امللك؟ لقد نسي ُ من نجا أن يذكره ِّ حني نجا، يَأ ِل َك َسبٌْع ِشَد ٌ اد10 ِت ِي م ْن بَ ْعِد ذَ لقد أفتى يوسف، فقد دخل لْ َن َح َ اش هلل ِ ِ َم َ ا عِل ْمنَ َر َ اوْدتُ َّن يُ ُوس َف َع ْن نَفْ َ ال َم َ ا خ ْطبُ ُك َّن إِذْ ﴿قَ ُه َع ْن نَفْ َ ا ر َ اوْدتُ ق أ يَ ْوَم لَ ِسي فَ َمِل ُك ائْ بَ َّوأ * قَ ِمنْ ُلقيَ َ ت إليك هذه ٍ في كلمات ُ قلائل أصبح يوسف َ على خزائن الأرض . ٌ الآيات؟ طلب يوسف أن يكون على الخزائن، وأبدى السبب القوي . ٍّ إنه يريد الخري لهذه الخزائن وللناس . ِّ عن الخزائن نفسها إنه يريد أن يقدم الحكمة من كل ما كان من شأنهم وشأن أبيهم؟ ِك ُر َون َ* ولَ َد َخلُ يُ ُوس َف فَ َ﴿و َجاءَ إِ تُونِي َلا تَ َ ال ائْ قَ ِون﴾. َربُ َ ا ونَ يُ ُوس ُف َوأ يَ ِانِه ْ اجَعلُ َ ال ِلِفتْ بَ ُ اه15 َر ِاوُد َعنْ ﴿قَالُ بَانَ َّم َ ا ر َجُعوا إِ لَ َلى أ َعلَّ َخانَا نَ ْكتَ ْل َوإِنَّا لَ ُمِن َع ِمنَّا الْ َكيْ ُل فَ بْ ُل فَاهللُ ِمنْ انظر إلى يوسف الذي يعرف إخوتَه ويعرف أباه . وهو يعلم أنهم مع ذلك سيعودون، ولكنهم سيجدون وسيلةً َ﴿ولَ َخانَا . َ ا ونَ نَ ِن ِي بِه إِ ِون َم ْوثِقً ُ نميز: نجلب ما يُ َؤكل. يُحاط به: يهلك. 17 السرد القصصي في القرآن الكريم يَّتُ َّم أ َس ِارقُ مفاجأةٌ قصصية عجيبة، وجديدةٌ على مسار القصة . ُم ْحِسِن َني إِ ْن نَ َ ال َم َعاذَ ويتشاور الإخوة فيما يفعلون، َ ال بَ ْل َسَّولَ ْت لَ ُك ْم أ َك ِظ ٌيم19﴾. َّ غ القصة قمتَها وتكتمل املأساة . وهكذا تبلُ