جَلَسَ المَلِكُ في حَديقَةٍ قَصْرِهِ صَباحَ أَحَدِ الأَيَامِ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ شيرينُ. وَهُما سَعيدانِ بِهَذِهِ الجَلْسةِ الّتي لا يَحْظَيانِ بِمِثْلِها إِلَّا نادِراً. يُحِبُّ المَلِكُ حَديثَها وَيَستَمِعُ بِاهْتِمَامِ إِلى نَصائِحِها. بِالبابِ صَيَّدٌ يَحْمِلُ لِجَلالَتِكُمْ سَمَكَةً عَجِيبَةً لَمْ يَرَ مِثْلَها أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ! ضَحِكَ المَلِكُ مِنْ كَلامِ حاجِبِهِ وَقالَ مازِحاً: وَفي الحالِ عادَ إِلى المَلِكِ وَزَوْجَتِهِ، عَلى كَتِفِهِ سَمَكَةٌ طَويلَةٌ عَريضَةٌ تَدَلَّى رَأْسُها مِنْ جِهَةٍ، نَظَرَ المَلِكُ وَالمَلِكَةُ إِلى السَّمَكَةِ وَهُما لا يُصَدِّقانِ ما يَرَيانِ! إِنَّها، أَضْخَمُ سَمَكَةٍ شاهَداها في حَياتِهِما! خُذِ السَّمَكَةَ مِنْ صاحِبِها، أَرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمِ! لَمْ يُصَدِّقِ الصَّيَّادُ ما سَمِعَهُ! إِنَّهُ مَبْلَغْ لَمْ يَخْطُرْ بِالِهِ قَطُّ! إِنّهُ قَرْوَةٌ! بَلْ هُوَ كَنْزٌ! طَرَحَ السَّمَكَةَ أَرْضاً، وَأسْرَعَ إِلى المَلِكِ يُقَبَّلُ يَدَيْهِ. - شُكْراً لَكَ يا مَوْلايَ! لَقَدْ غَمَرْتَنِي بِفَضْلِكَ! وَلْتَكُنْ هَذِهِ السَّمَكَةُ طَعاماً مَريئاً لَكَ وَلِصاحِبَةِ الجَلالةِ زَوْجَتِك! ثُمَّ انْطَلَقَ مُسْرِعاً إِلى بَيْتِهِ يُزِفُّ إِلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلادِهِ النَّبَ السَّعيدَ. لَمْ تَستَطِعْ شيرينُ أَنْ تَكَتُمَ تَعَجَّبَها مِنْ تَصَرُّفِ زَوْجِها، - أَرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمِ ثَمَناً لِسَمَكَةٍ؟ لِماذا؟! فرَدّ زَوْجُها عَلى سُؤالِها بِسُؤالٍ: -وَما العَجَبُ في أمْرِ هَذِهِ العَطِيَّةِ يا حَبيبَتي وَأنا مَلِكٌ غَنِيٌّ، لَأَخَذَ المَبْلَغَ قائِلاً في نَفْسِهِ: «أَعْطاني المَلِكُ كَما أَعْطى الصَّيّادَ))، وَإِنْ أَعْطَيْتَهُ أَقَلَّ مِنْهُ قالَ أَيْضاً: «احْتَقَرَني المَلِكُ فَأَعْطاني أَقَلَّ وَكَلامُكِ صَحيحٌ. فَعَيْبٌ عَلى مَلِكِ البِلادِ أنْ يَسْتَرِدَّ ما سَبَقَ أَنْ أَعْطاهُ. هَزَّتِ المَلِكَةُ رَأْسَها بِدَلالٍ وَقالَتْ: - أَرْسِلْ في طَلَبِ الصَّيّادِ حالاً، وَاسْأَلْهُ: ((أَذَكَرٌ هَذِهِ السَّمَكَةُ أَمْ أُنْثى؟)». لِأَنَّهُ أَدْرَكَ بِذَكائِهِ أَنَّ في اسْتِدْعاءِ المَلِكِ لَهُ أَمْراً خَطِيراً. فَقَهْقَهَ المَلِكُ حَتّى اسْتَلْقى عَلى قَفاهُ مِنْ شِدَّةِ الضَّحِكِ، - ذَكاؤُكَ أَنْقَذَكَ أَيُّها الشَّابُّ! وَأَنْتَ يا مَيْمونُ أَعْطِهِ أَرْبَعَةَ آلافِ دِرْهَمِ أُخْرى تَقْديرا مِنَّا لِفِطْتَتِهِ! قَبَضَ الصَّيّادُ الدَّراهِمَ في عَجَلَةٍ مِنْ أمرِهِ، وَهُوَ لا يُصَدِّقُ أَنّهُ نَجامِنَ الامْتِحانِ الرَّهيبِ الَّذي أَخْضَعَهُ لَهُ المَلِكُ. فَسَقَطَ مِنْهُ دِرْهَمٌ عَلى الأَرْضِ وَتَدَحْرَجَ بَعيداً، وَبِكَلّ بُرودَةِ أَعْصابٍ وَضَعَ الصَّيَّادُ جِرابَهُ عَلى الأَرْضِ وَرَكَضَ وَراءَ الدُّرْهَمِ فَأَمْسَكَ بِهِ وَضَمَّهُ إِلَى بَقيَّةِ الدَّراهِمِ. وَزادَ غَضَبُها عَلى الصَّيّادِ. -هَلْ رَأَيْتَ أَبْخَلَ مِنْ هَذا الرَّجُلِ وَأَحْقَرَ؟ قَبَضَ مِنْكَ اليَوْمَ ثَمانِيَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، اقْتَنَعَ المَلِكُ بِكَلامِ زَوْجَتِهِ وَتَأْثَرَ بِانْفِعالِها، وَما هِيَ إِلَا دَقائِقُ حَتّى دَخَلَ الصَّيّادُ عَلى المَلِكِ وَهُوَ يَرْ تَعِدُ مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ. وَلَكِنْ وَيْلي ثُمَّ وَيْلِي مِنْ هَذِهِ المَرَّةِ!)) وَخَرَّ عَلى وَجْهِهِ أَمامَ المَلِكِ لا يَنْطِقُ بِكَلِمَةٍ. - أَيُّها الرَّجُلُ الدَّنيءُ! لَقَدْ أَعْطَيْناكَ اليَوْمَ ثَمانِيَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، الدِّرْهَمُ يَحْمِلُ عَلى أَحَدِ وَجْهَيْهِ صُورَةَ المَلِكِ، فَكَيْفَ أَسْمَحُ لِنَفْسي بِأَنْ أَتْرُكَهُ عَلى الأَرْضِ فَيُداسَ سَهُواً بِالأَرْجُلِ؟ إِنَّ في هَذا جَريمَةً أَرْتَكِبُها، انْشَرَحَ صَدْرُ المَلِكِ لِهَذا الجَوابِ، وَشارَكَتْهُ المَلِكَةُ في فَرَحِهِ بَعْدَما كانَتْ ناقِمَةً عَلى الصَّيّادِ. - حَقّاً إِنَّكَ رَجُلٌ فَطِنٌ نَجيبٌ! حَبَّدا لَوْ كانَ أَبْناءُ مَمْلَكَتي كُلُّهُمْ في مِثْلِ ذَكائِكَ. لَقَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِأَرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمِ أُخْرى، فَلْتَكُنْ لَكَ وَلِعائِلَتِكَ مُعِينا عَلَى الحَيَاةِ. وَقَدْ وَعَدَ نَفْسَهُ بِأَنْ يُكَرِّمَ زَوْجَتَهُ وَأَوْلادَهُ بِالمالِ الَّذي جَناهُ، وَأَنْ يُنْفِقَ قِسْماً مِنْهُ عَلى المُحْتاجينَ مِنْ زُمَلائِهِ الصَّيَّادينَ الفُقراءِ لِيَذوقوا - كَما ذاقَ هُوَ - طَعْمَ الطُّمَأْنِينَةِ وَالرَّخاءِ.