حوار مع هانوتو صاحب جريدة الأهراموفي يوليو 1900 - الذي نشر فيه هانوتو رده السابق على الأستاذ الإمام، سافر الأستاذ بشارة تقلا والتقى به في باريس، ودار حوار بينهما حول هذا الموضوع، والذي نشر في عدد الأهرام بتاريخ 16 من شهر يوليو 1900م. وقدمها صاحب الأهرام بما يلي:وأثناء وجودي في باريس، فكرت أن ألتقي بالسيد حنوتو وأتعرف منه على حقيقة الأوضاع بشكل عام، والهدف الذي قصده ويقصده في كتاباته الأخيرة عن المشرقيين والمسلمين بشكل خاص، وبما أن هذا الموضوع كان واحداً من أهم التحقيقات التي أجريناها مع رجل مثل هانوتو، وكنا نعتقد، والشرق.قال: أما التونسيون فلا خلاف أنهم سعداء بوضعهم، ونحن دخلنا بلادهم التي هي صف صفوف فوق أهلها، وعملوا عليها، ولهذا كان النجاح كبيرا في وقت قصير، وأنتم تعلمون أن مذهبي الاستعماري أنشأ الحماية كما هو الحال في تونس، وضم المستعمرة إلى فرنسا، كما فعلنا في مدغشقر رغم معارضتي لها ذلك، وقبلته تنفيذا لأوامر أغلبية دار الندوة، وقد بدأنا في ذلك، وسأكتب الكثير في هذا الموضوع لأنني ذهبت بنفسي إلى ذلك البلد ودرست أحواله، في تنفيذه.كما يعتقد المسلمون أن المصلحة المسيحية لأوروبا تتعارض مع مصلحتهم الإسلامية، وبالتالي لا يستطيعون حماية أنفسهم من سياسات الدول المسيحية. وفقدان هذه الثقة دفعهم إلى عدم الثقة في المسيحي العثماني، حتى لو كان يخدمهم بإخلاص وصدق معهم. وكأنهم هم الذين يريدون تنفيذ ما يطلبه كيمون وغيره من الكتاب الأوروبيين، وكان الأجدر بمثل هؤلاء الكتاب أن يكتبوا كتابات أدبية بلغات الكتاب الأوروبيين دحضاً لأقوالهم و كسب الرأي العام الأوروبي.ولا أجهل أن الكثير من أبناء المشرق درسوا في أوروبا، وقد يفوق عددهم عدد اليابانيين الذين درسوا أيضاً في أوروبا. أدرك الجيل الجديد تقصير الحكام وتخلف البلاد، وكان لديهم أمل قوي في النجاح. ولكننا رأينا في اليابان نتيجة لم نشاهدها معكم بعد، وربما نراها يوما ما لأني أؤمن أن رجال التنشئة الجديدة سينجحون تماما إذا كان هدفهم خدمة الوطن متحررين من كل عيب. هدف شخصي أو طائفي، لأن الشخص الواحد قد يجمع بين أكثر من عنصر وعقيدة، والوثني وغيرهم من مواطني فرنسا، لكن الكاثوليك الفرنسيين والأرثوذكس الفرنسيين لا يشملون كل فرنسي.أكثر من ذكر الحضارة الآرية والحضارة السامية والتفريق بينهما وأن إحداهما غلبت الأخرىوكانت الحضارة الآرية هي التي انتصرت على نظيرتها الحضارة السامية وأمثالها. أجاب الأستاذ إمامالباريسي استمرارًا لأبحاثه السابقة.إن الناظر للتاريخ تحمر عيناه من منظر الدماء المتجسدة على جليد الزمن، التي سفكها أهل ذلك الدين المتحدون مع الحضارة الآرية في مقاومة دعاة تلك الحضارة السامية. إذا صح الحكم على الأديان بناء على ما هو مرئي من أحوال شعوبها وقت الدين، فالكتاب المقدس هو في أيدينا. فهل خطر على بال السيد هانوتو أن يجعل ما لله لله وما لقيصر لقيصر كما أمر الكتاب المقدس، وهل رأى مثالا لذلك في الحضارة الآرية التي كانت أخوية للديانة المسيحية؟واشتد الخلاف حول هذه المسألة بين المسيحيين أنفسهم، الذين كانوا يشككون في رأي السيد حنوتو. وربما كان هانوتو على دراية بمذهب التوميين – أتباع القديس توما – أو الدومينيكان وهم القدريين، وأتباع (لويولا) وهم القدريين والإراديين. وقد بدأ الخلاف بينهما قبل الإسلام، ولا يزال مستمراً إلى يومنا هذا.وهذا النوع من الصوفية أيضاً من حسنات الآريين،مع ما تبقى من معتقداتهم الأولى. كان هذا هو الحال مع اليونانيين الذين يفتخر هانوتو بحضارتهم. معاناة الأمم من تبعات تلك المعتقدات، والتضليل الذي نشرته الفئات الدهية للاستفادة من الناس، وتأثير هذه الأفكار على حياة الناس وممارستهم،الصراع بين الإسلام والنصرانية قديم ومستمر، وجماعة من النظرين الغربيين يرون أن النصرانية لم تحقق أي تقدم علمي في الأرض خلال ستة عشر قرناً، بينما المسلمون بدأوا يهتمون بالعلوم بعد وفاة النبي محمد. هذا ليس هجوماً على الديانة المسيحية وإنما على تصرفات قادتها والمحرفين لتعاليمها عن ما جاءت به. هانوتو وغيره يظنون أن الإسلام قطع الصلة بين العبد وربه، لكن في الحقيقة الإسلام يعطي العبد الحق في الاستقامة أمام ربه دون واسطة تبيعه رضاه. الإسلام يطالب الإنسان بالتمسك بالمعنى الحقيقي لهذه الديانة من خلال القدرة والتواضع وعدم الانجرار للشهوات. يجب على الناشط في الإسلام أن يبحث في كتابه وفعله عما جاء به الرسول وآثاره، ولا يحاول اللجوء إلى أسباب علمية ودعوات فارغة. الدين يرفع الإنسان إلى مراتب الصفاء والكمال إن اتبعه بصحة وفهم صحيح. لكن بعض المسلمين انحرفوا عن المسار بتبع مذاهب وبدع مع ادعاء الحرص على تتبع أسباب النجاح. لو عاد المسلمين إلى الدين الصحيح لحلت معظم المشكلات واستجمعت القوة ورجعوا إلى صفاتهم الشريفة والجسيمة. الإسلام يعطي النجاح لمن اتبعه بصحة وفهم صحيح، ولا يمكن للإنسان الخروج من الظلام عن طريق وحدانية الإنسان، وعليه أن يدرك ذلك وأن يمتنع عن وضع الثقة بالأسباب الخاطئة.المواجهة بين الإمام الثاني وهانوتو والحديث الذي جاءهما في الصحف المصرية، أثارت جدلاً حول الإسلام وصاحب الفصول المعروفة به. الإمام الثاني يرى أن الحديث يعكس سوء فهم هانوتو لأحوال المسلمين اليوم وأن المسلمين يستفيدون من مقالاته. وينصح الإمام الثاني بالإنصات لنصيحة الأكثر خبرة وليس التغافل عنها. ويقول إنه إذا توسلت للظالمين بالسماح فإن القوي سيلتفق وسيتجين على الضعيف، ولا يمكن الاستمرار في الحياة بدون الصراع والتنافس.