أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي القرشي (150-204ه - 767-820م) يلتقي مع الرسول- صلى الله عليه وسلم- في جده «عبد مناف»، وهو ثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وقد عمل قاضياً فعرف بالعدل والذكاء، وإضافة إلى العلوم الدينية، ولد الشافعي في غزة في العام نفسه الذي توفى فيه الإمام الأكبر أبو حنيفة النعمان، ونشأ الشافعي يتيماً فقد مات أبوه بعد سنتين من ولادته، وانتقلت به أمه إلى مكة، فحفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين، ثم شرع في حفظ الأحاديث النبوية، ثم أرسلته أمه إلى قبيلة هذيل في البادية، فمكث بينهم سبع سنين يتعلم لغتهم، حتى عاد إلى مكة فصيح اللسان. الجمع بين مدرستين كان الشافعي رحالة في طلب العلم، هاجر أولاً من مكة إلى المدينة المنورة ليتتلمذ على الإمام مالك بن أنس ولازمه حتى وفاته، ثم ارتحل إلى اليمن وعمل فيها، ثم ارتحل إلى بغداد سنة 184 هجرية، فطلب العلم فيها عند القاضي محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة، ودرس المذهب الحنفي، وبذلك اجتمع له فقه الحجاز (المذهب المالكي) وفقه العراق (المذهب الحنفي). عاد الشافعي من رحلته إلى العراق ليمكث في مكة تسع سنوات، ومعه فقه جديد يجمع بين الفقهين، ونشط في إلقاء دروس العلم في الحرم المكي، وكانت مواسم الحج مناسبة ليلتقي عدداً من كبار العلماء، ويحضر مجلسه أناس من جميع الأقطار والبلدان، ومرة أخرى يعاود الإمام الشافعي الترحال إلى بغداد سنة 195 ه، وصار له بها مجلس علم يحضره العلماء، وفيها قام بتأليف كتاب «الرسالة»، ثم سافر إلى مصر سنة 199 ه. وقام بتصنيف كتاب «الرسالة»، وساد أهل مصر التي استقر فيها حتى توفي سنة 204 ه. وبين «أهل الرأي»، الذين يتقنون النظر والجدال أكثر مما يتقنون فن الحديث، سبباً في لفت انتباه الإمام الشافعي إلى أهمية وضع أصول للفقه يرجع إليها في معرفة الحق من الباطل، وألزم الرأي بالصحيح من الحديث، فلم يقدم الشافعي الحديث على إطلاقه، وكان يرفض الحديث الضعيف، ووضع رسالته التي كان لها فضل السبق إلى تأسيس علم «أصول الفقه»، له أصول يجري عليها، ويعد فقه الإمام الشافعي ازدهاراً في تاريخ التشريع الإسلامي، لأنه يجمع بين فقه أهل العقل والرأي وفقه أهل النقل والحديث وأهم ما يميز مذهبه أنه حدد طرقاً لفهم القرآن والسنة وقواعد لاستنباط أصول الفقه، كما وضع شروطاً وقيوداً على الأخذ بالإجماع بعد القرآن والسنة. وأهمها كتابا «الأم» و«الرسالة»، وترجع أهمية كتاب «الرسالة» إلى كونه أحد الكتب، فقد أجمع عدد من العلماء والمحققين على أنه أول كتاب في علم «أصول الفقه»؛ ويستدلون، ولكن ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه، ووضع للخلق قانوناً كلياً يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع، فثبت أن نسبة الشافعي إلى علم الشرع كنسبة أرسطو إلى علم العقل». إلى غير ذلك مما يعرف من الفهرس العلمي في آخر الكتاب، وأنه جمع ذلك وصنفه على غير مثال سبق، لله أبوه». أثنى على الشافعي الكثير من العلماء والفقهاء، ويقول إسماعيل بن يحيى المزني وهو أحد من تتلمذوا على الإمام في الفقه وكان ينظر في الكلام (علم الصفات والأسماء): «لما قدم الشافعي قلت: إن كان أحد يخرج ما في ضميري وما تعلق به خاطري من أمر التوحيد فالشافعي، طلوعه أفوله، قلت: لا، قال فشيء تراه بعينك من الخلق لست تعرفه تتكلم في علم خالقه؟». يقول المزني: ثم سألني عن مسألة في الوضوء فأخطأت فيها، ففرعها على أربعة أوجه فلم أصب في شيء منها فقال: «شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات تدع علمه وتتكلف علم الخالق؟ إذا هجس في ضميرك ذلك فارجع إلى الله، وإلى قوله تعالى: «وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم إن في خلق السماوات والأرض»، ومما روي في مدح الشافعي ما ذكره عبد الله بن أحمد بن حنبل،