عن النَّبيِّ ﷺ قال : « مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ » حديثٌ حَسَنٌ ، وقد حكى الإمام أبو عمرو بن الصلاح ، عن أبي محمد بن أبي زيد إمام المالكية في زمانه أنه قال : جماع آداب (۱) الخير وأزمته تتفرَّعُ من أربعة أحاديث : قول النَّبيِّ ﷺ : « مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليَصْمُتْ ، وقوله ﷺ : « مِنْ حُسْنِ إِسلامِ المَرءِ تركه ما لا يَعْنِيهِ ) ، وقوله ﷺ :المُؤْمِنُ يُحبُّ لأخيه ما يحب لنفسه ) ومعنى هذا الحديث : أَنَّ مِنْ حسن إسلامه تَركَ ما لا يعنيه من قول وفعل ، ومعنى يعنيه : أن تتعلق عنايته به ، يقال : عناه يعنيه : إذا اهتم به وطلبه ، وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له به ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس ، يقتضي فعل الواجبات كما سبق ذكره في شرح حديث جبريل عليه السلامو إنَّ الإسلام الكامل الممدوح يدخل فيه ترك المحرمات ، وهو أَنْ يَعْبُدَ الله تعالى كأنَّه يراه ، فإنَّه يتولَّد من هذين المقامين الاستحياء من الله وترك كل ما يُستحيي منه ، كما وى رجلاً أن يستحيي من الله كما يستحيي من رجل من صالحي عشيرته لا يفارقه فقد استحيا من الله حق الحياء » عليك وخَفِ الله على قدر قدرته وقال بعض العارفين : إذا تكلمتَ فاذْكُر سَمعَ اللهِ لك ، وإذا سكت فاذكر نظره إليك وقد وقعت الإشارة في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع كثيرة (٣) : كقوله تعالى : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ ق : ١٦ - ١٨ ] ، وقال تعالى : ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَنَهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. وأكثر ما يُراد بترك ما لا يعني حفظ اللسان من لغو الكلام كما أشير إلى ذلك في الآيات الأولى التي هي في سورة ( ق ) . وفي « المسند » من حديث الحسين ، عن النَّبيِّ ﷺ قال : « إِنَّ مِن حُسْنِ إسلام المَرءِ قِلَّةَ الكَلامِ فيما لا يعنيه ) وخرج الخرائطي من حديث ابن مسعود قال : أتى النبي ﷺ رجل ، عن النَّبيِّ ﷺ قال : « كان في صحف إبراهيم عليه الصَّلاةُ والسلام : وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن تكون له ساعات : ساعةٌ يُناجي فيها ربَّه ، أو َلذَّةٍ في غير محرم ، وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه ، ومَنْ حَسَبَ كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه » وهو كما قال ؛ فإنَّ كثيراً من الناس لا يعد كلامه من عمله ، وقد خَفِيَ هذا على معاذ بن جبل حتى سأل عنه النَّبِيَّ الله فقال : أنؤاخذ بما نتكلم به ؟ قال : « ثَكِلَتِكَ أمك يا معاذ ، عن النَّبيِّ ﷺ قال : « كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وقد تعجب قوم من هذا الحديث عند سفيان الثوري ، فقال سفيان : وما تعجبكم من هذا ، أليس قد قال الله تعالى : لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَنَهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ ) أليس قد قال تعالى : ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا . وخرج الترمذي من حديث أنس قال : تُوفِّيَ رجُلٌ من أصحابه - يعني : النَّبِيَّ ﷺ . فقال - يعني : رجل : أبشر بالجَنَّةِ ، فقال رسولُ الله ﷺ : أو لا تدري، وقد روي معنى هذا الحديث من وجوه متعددة عن النبي ﷺ ، وفي بعضها : أنه قتل شهيداً وخرج أبو القاسم البغوي في ( معجمه ) من حديث شهاب بن مالك ، وكان وَفَدَ على النَّبِيِّ : أَنَّهُ سَمَعَ النَّبِيَّ ﷺ وقالت له امرأة : يا رسول الله ألا تسلم علينا ؟ فقال : « إِنَّكِ من قبيل يُقَلِّلن الكثير ، وسؤالها عما لا يعنيها » وخرج العقيلي من حديث أبي هريرة مرفوعاً : ( أكثر الناس ذنوباً أكثَرُهُم كلاماً فيما لا يعنيه ) قال : فما بلغ بك ما أرى ؟ قالَ : صِدْقُ الحديث وطول السكوت عما لا يعنيني وكففت لساني عما لا يعنيني ، ولزمت الصمت ، أبر قسمي ، فسألوه عن سبب (۳) تهلل وجهه ، فقال : ما مِنْ عمل أوثق عندي من خصلتين : كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني ، قالوا : وما هو ؟ قال : الكف عما لا يعنيني وروى أسد بن موسى ، وتركي ما لا يعنيني وروى أبو عبيدة ، عن الحسن قال : مِنْ علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه . وقال سهل بن عبد الله التستري : من تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدقأبو نعيم في وقال معروف : كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله عز وجل وهذا الحديث يدل على أنَّ ترك ما لا يعني المرء من حسن إسلامه ، وفعل ما يعنيه كله ، والظاهر أن كثرة المضاعفة تكون بحسب حسن الإسلام ، عن النَّبيِّ ﷺ قال : « إِذا أَحْسَنَ أَحَدُكُم إسلامَهُ ، فَكُلُّ حَسَنةٍ يَعْمَلُها تُكتَبُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سبعمئة ضعف ، وكلُّ سَيِّئَةٍ يعملها تكتب بمثلها حتّى يلقى الله عز وجل » فالمضاعفة للحسنة بعشر أمثالها لابد منه ، وإخلاص النية والحاجة إلى ذلك العمل وفضله ، وفي اليتامى والمساكين ، ويشهد لذلك ما روي عن عطية ، وخرج النسائي من حديث أبي سعيد ، كَتبَ الله له كُلَّ حَسنةٍ كان أزلَفَها ، ومُحِيتْ عنه كُلُّ سيئة كان أزلَفَها ، ثم كان بَعْدَ ذلك القِصَاصُ ، الحَسَنَةُ بِعَشْر أمثالها إلى سبعمئة ضعفٍ ،