يتناول النص ثلاث حملات إسلامية كبرى إلى بلاد غالة (فرنسا الحالية) انطلاقاً من الأندلس، مبرزاً مدى انتشارها وتأثيرها وحدودها النهائية. **1. حملة السمح بن مالك الخولاني (100-102هـ):** كان السمح بن مالك أول من غزا غالة من الولاة، فاستولى على أربونة وطولوشة، وسيطر على ولاية سبتمانية بأكملها، وأقام فيها حكومة مسلمة مبكرة. اتخذ أربونة قاعدة للجهاد وراء جبال البرت، وتوغل في إقليم أكيتانية. استشهد السمح قرب طولوشة سنة 102هـ في موقعة انهزم فيها المسلمون، وتولى القيادة مؤقتاً عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي. **2. حملة عنبسة بن سحيم الكلبي (107-110هـ):** تولى عنبسة في سنة 103هـ، وقضى أربع سنوات في تنظيم الدولة والجيش. عبر بعدها جبال البرتات، وتابع الفتوحات في سبتمانية، وافتتح إقليم بروفانس. اتجه شرقاً إلى نهر الرون ثم صعد شمالاً حتى بلغ مدينة ليون، وتوغل بعدها حتى وصل إلى نقطة تبعد سبعين كيلومتراً جنوبي باريس الحالية، وهي أبعد نقطة وصل إليها المسلمون شمالاً (حوالي 800 كيلومتر شمال البرتات). استشهد عنبسة سنة 107هـ في معركة أثناء عودته ضد جموع الفرنجة. ورغم توغله الكبير، فإنه لم يقم بتثبيت أقدام المسلمين فيما وصل إليه. ومع ذلك، أثارت حملته مخاوف أوروبا كلها، مما دفع شارل مارتل (قارله)، حاكم مملكة الفرنجة، للتحضير لعمل حاسم، فجمع القوات وعقد التحالفات. **3. معركة بلاط الشهداء (114هـ/ 732م) واستشهاد عبد الرحمن الغافقي:** بعد فترة اضطرابات ومشاكل داخلية في الأندلس (107-112هـ)، عُيّن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي والياً للمرة الثانية في صفر 112هـ. أمضى عاماً في تنظيم شؤون البلاد، ثم أعلن الجهاد ضد الفرنجة، مشكلاً جيشاً هائلاً (يتراوح عدده بين 70 ألفاً ومائة ألف، غالبيتهم من البربر). في أوائل سنة 114هـ/ 732م، سار الغافقي شمالاً، عبر جبال البرت من طريق بنبلونة، واكتسح دوقية أكيتانية، ودخل عاصمتها برديل. واصل زحفه حتى بلغ نهر اللوار، واستولى على بواتييه وتور. بالقرب من بواتييه، على بعد عشرين كيلومتراً شمالها، التقى جيش الغافقي بجيش الفرنجة والمرتزقة الهائل بقيادة شارل مارتل. وقعت معركة بلاط الشهداء الفاصلة في أواخر شعبان 114هـ/ أكتوبر 732م. تتجاهل المصادر العربية تفاصيلها، ويرجح أن السبب يعود إلى كونها كارثة على جيش المسلمين. استمرت المعركة ثمانية أيام من القتال الضاري. صمد المسلمون طويلاً لكنهم واجهوا قوات نصرانية متحدة من الفرنجة والألمان والسكسون. كان الهجوم العنيف على مؤخرة الجيش الإسلامي نقطة حاسمة، حيث نهبت الغنائم وتزعزع النظام. وبينما كان الغافقي يحاول إعادة التنظيم، أصابه سهم فاستشهد، مما أحدث اضطراباً كبيراً وقتلاً واسعاً في صفوف المسلمين. انسحب المسلمون ليلاً نحو سبتمانية، تاركين غنائمهم وجرحاهم، الذين أجهز عليهم الفرنجة في الصباح دون مطاردة. مثلت معركة بلاط الشهداء، بغض النظر عن الأسباب المتعددة لخسارة المسلمين (كالاختلافات الداخلية، بُعد خطوط الإمداد، المناخ القاسي، أو ثقل الغنائم)، أعظم لقاء بين الإسلام والنصرانية. فقد المسلمون سيطرتهم على أوروبا، وارتد تيار الفتح الإسلامي أمام الأمم الشمالية. كانت هذه آخر محاولة كبرى للخلافة لفتح أمم الغرب وإخضاع النصرانية. وقد أدى ذلك إلى قيام إمبراطورية فرنجية موحدة قوية وراء جبال البرتات. على الرغم من الهزيمة، بقيت حامية عسكرية مسلمة في أربونة وجزء كبير من سبتمانية حوالي عشرين عاماً. ولم ينسحب المسلمون كلياً من غالة إلا بعد قيام الدولة الأموية في الأندلس (138هـ/ 756م) بقرار من عبد الرحمن الداخل، الذي قرر الاكتفاء بالسلطان على الأندلس.