كان البطل على وشك أن يقبل البطلة، لم يُرض المشهد الذي لم يكتمل أحد المشاهدين فأتمه مع فتاته، صارت عينايَ مركزتين مع الشاب والفتاة بدلًا من شاشة السينما، حين تسلل هذا الرجل ووقف خلفهما، كنت أعرف من صمته أنهما لم يقوما بعد بما يجعله يمسكهما متلبسين.أوشك على وضع يده على كتف الشاب حين اتصلت آية، ثم تابعت ما فاتني من المشهد الواقعي،أخبرتني أنها في شارع طلعت حرب، قمت مسرعة حتى لا أتأخر عليها، لمحتهما واقفين مع الرجل في الخارج، حين مررت بجوراهم رأيت الفتاة تبكي بشدة، بينما يتوسل الشاب للرجل ليتركهما، سمعته يجيبه "هذا فعل فاضح، أنا مثل أخيكِ الكبير ولن أرضى لكِ بهذا".قبل أن أعبر باب الخروج، فلمحت النقود التي تنتقل من يد الشاب إلى جيب الرجل.انتظرت بعيدًا عن مدخل السينما بقليل، لأترك مسافة بيني وبين المراهقين الواقفين أمام مدخلها، أدركت أنها كذبت حين أخبرتني بوصولها لتضمن وجودي حين تأتي، شعرت بالانقباض من كآبة الجو الملبد بالغيوم ساعة العصر، الذي يمثل – بالنسبة لي - يومًا مناسبًا جدًّا ليكون الخميس.منذ صغري وأنا لا أحب هذا اليوم الذي كنت أذهب فيه إلى المدرسة، فأجد نصف الفصل غائبًا، وحينها يوجه المدرسون إلى عددنا الصغير الأسئلة الكثيرة التي يوجهونها حين يكون الفصل مكتملًا، في الأيام العادية كنت أنزل بقدمي أسفل "الدسك" حين لا أعرف إجابة سؤال، فأخفي رأسي في ظهر الجالسات أمامي،هو أيضًا اليوم الذي كان يتركني فيه "مستر" علي حتى يلحق بسيارة الأجرة التي توصله إلى بلدته، وأنا أعلم أنه لن يفكر بي بينما يقضي الوقت مع زوجته وأولاده، بل صرتِ كبيرة وصديقاتِك يخطبن ويتزوجن، "أوووف" ستخطب ريهام غدًا! عبر أشياء أخرى، مثل انتظارك آية لتشتري فستانًا لحضور الخطبة.ها هو شراء الملابس الذي من المفترض أن يُبهجك يضايقك، ستفرحين أكثر لو بقي الأمر على ما هو عليه، صديقة عزباء فحسب، وحينها ستشترين فستانًا بألوان مبهجة بدلًا من الأسود، الذي ازدحم دولاب ملابسك بموديلاته المختلفة، منذ أن بدأت صديقاتك في التساقط، فستان أسود قصير لحضور خطبة، آخر طويل بأكمام قصيرة لحضور كتب كتاب، ثالث طويل يشتد سواده بأكمامه الطويلة يصلح لحضور زواج، فهو اللون المناسب لنعي صديقاتِك، اللاتي ربما لن يعدن كما كن قبل خطبتهن أبدًا، من الآن عليكِ أن تستبدلي صديقاتكِ المخطوبات بآخريات فسخن خطبتهن للتو، ولديهن نهم للحرية ورغبة في الانتقام من أيام كانت خروجاتهن فيها ليست إلى المطاعم، وإنما إلى محلات الأثاث للبحث عن مطبخ، لن يتوقفن عن إعداد الطعام به.كم أكره خطبات صديقاتي كما أكره يوم الخميس، فرأسي المكشوفة لأسئلة المدرسين هذا اليوم، تصبح مكشوفة أيضًا بعد خطبتهن لأسئلة الآخريات عن موعد اقتدائي بهن، كلما سقطت واحدة صرت أكثر عرضةً لهذه الأسئلة، وأحيانًا يصل استفزاز بعضهن إلى أن يروين لي خلافاتهن مع أزواجهن، ثم يسألنني بعدها متى نفرح بكِ؟ حقًّا! لن أنخدع بتلك الأسئلة والأمنيات الانتقامية أبدًا.لا أصدق أن غدًا خطبة ريهام، ولا أصدق أنني سأجتمع مرة أخرى مع محمود في مكان واحد، هذا الذي هددني في المرة الأخيرة بأنه سيفضح ما كان بيننا لدى أهلي، وقال لي مئات المرات إنه يكرهني.لا أتخيل أن تفعل بي ريهام ذلك وتبتليني به، لماذا؟ لأنه أصر على أن يقوم بتصوير خطبتها والتصوير راحة نفسية وهي ترتاح لكاميرته، ولا يجب أن أعترض لأنني بهذا أفسد فرحتها، فهذا أهم يوم في حياتها وتريد أن تكون صورها جميلة، وكان هذا حقًّا أكبر همومي، كيف أبتسم لكاميرا أعرف أن خلفها عينًا لا تطيقني!ظهرت رأس آية أخيرًا من وسط الباعة، سألتها عما بها، أخبرتني أنها تشاجرت مع والدتها؛أبدت آية إعجابها بالفستان الذي قسته، "ألا تلاحظين أنه يبرز بطني؟". "لا". "ألا تلاحظين أنه يضخم صدري؟". "بالعكس فهو يضبط حجمه ويجعلكِ تبدين lady"."lady"؟ أشعرتني الكلمة باقتراب الشراء فأحسست برهبة اللحظة، أليس هناك عيب يجعلني أقيس فساتين أخرى ولا أشتريه! طلبت منها أن نشاهد بقية المحلات لربما أجد الأفضل، ضغطت بيدها على كتفي وقالت في جزع: "لماذا؟ إذا وجدتِ فستانًا أعجبك ويناسبك فلماذا نبحث عن آخر؟ ربما يكون هناك ما هو أجمل؟ هناك الأجمل دائمًا وإذا ظللنا نبحث عنه فلن نتوقف؟".نفخت ولم أجادل معها جدالنا الدائم، خلعت الفستان وأعطيته لها من أحد جوانب الستار، سمعت إحدى البائعات تسألها إن كنت سأشتري الفستان أم لا، قبل أن أفكر في قول "لا" من الداخل.كنت مشغولة، ونحن نسير في شوارع وسط البلد، بمشاهدة الفساتين على "المانيكانات" في فاترينات المحلات ومقارنتها بالفستان الذي اشتريته، فقالت: "هل أنا ساذجة مثلكِ، أشتري فستانًا كل خطبة، سأشتري في فرحها حتى أضمن أنه خطيبها الأخير".أوقفتني أمام أحد محلات "اللانجيري"، ثم سحبتني من يدي إلى داخل المحل، وأنها فرصة لنشتري قطعة أو قطعتين لتخزنهما، سرت خلفها دون شغف.لا أتذكر متى فقدت شغفي بالتلصص على "فاترينات" محلات قمصان النوم، لكني صرت أنفر بشدة منها، وكأنها إعلان عن الرغبة "ألا تلاحظ أني أرتدي قميص نوم.ضاجعني!" أين إذًا متعة الفوضى والجنس المفاجئ الذي يحدث دون ترتيب،فتح أبي الباب وعاد إلى جلسته الانفرادية في صالة منزلنا يشاهد المسلسل، أخذ يسألني عن شركتنا وعما إذا كان أستاذ محمد سيسافر مرة أخرى بصحبة الرئيس أم لا، ابتسمت لسؤاله الأخير، ضمن وفد رجال الأعمال المصاحب للرئيس، حتى صار يسألني مثل تلك الأسئلة رغبة منه في الدخول في سباق مع نشرات الأخبار. كانت والدتي قد استيقظت وبدأت تشكو لي شكواها المتكررة من استيقاظها كل يوم على صوت التلفزيون العالي "أبوكِ لن يتغير أبدًا، يقلب على قنوات الأخبار طوال جلستي معه، يحوِّل على قنوات المسلسلات والأفلام والمسابقات".نظرت إلى الكيس الذي يحوي الفستان، وسألتني عما اشتريته، حين رأت الفستان علقت في ضيق "أسود ثانيًا،