لم تشرق الشمس على سناء منذ أكثر من خمسين يوماً،في مضجعها منذ أن استشهد زوجها في المعركة، فذلك الطفل الذي في أحشاءها هو سببهاالوحيد للاستمرار بالعيش في هكذا حياة، فقد كان التفكير بمستقبل ذلك الطفل أمرًا مرهقاً ويدعو الى الجنون حيث أصبحت الأمهات مصانعاً لإنتاج الشباب الذينسيزج بهم من دون شك في غياهب المعارك اللامتناهية ليتم بعدها تكريمهمبقطراتٍ من الحبر لكتابة أسمائهم في قائمة الوفيات اليومية،ستُجبر على دفع المال ثمناً لقراءتها، ولكل اسم فيها صلاحية على وجوده في ستنتهي ما إن ينتهي القارئ من ذكره على لسانه أو في أعماقه ولايبقى ذكره الا على لسان المقربين.وكانت تلك الثمار لا تكاد تنتهي في شهرٍ معينٍ من أشهر السنة وكأن دمائهم فا تكاد تجد طريقاً يخلو من أصوات النحيب أو منتجمعات المواسين لتلك الأم الثكلى أو الوالد الهَرِم،الموازين مقلوبةً عن طبيعتها، فتجدُ أن الموت قد ترك الكبار ليهرموا ويكونواالأكثر عددًا في مجتمعهم، وأن الشباب هم من بدأوا بالتفكير بمصيرهم القريب،متمنين أن يتخطوا تلك المرحلة ليضمنوا حياتهم، لم تَهنأ سناء بزواجها كثيرًا، فقد انتظرت وزوجها لأكثر من ثمانِسنوات حتى أصبحت حاماً بطفلها الأول وما هي الا أشهرٌ قليلة حتى أخذوازوجها الى المعركة ليموت قبل رؤية ولده بشهرين فقط،هذا الفراق طوياً فقد ودعت ولدها هي الأخرى يومَ مولده، وترسم على شفتيها ابتسامة النصر ثم تموت ليولد الطفل باكياً، وحيدًا في مواجهة ذلك العالم المرعب.نشأ ذلك الطفل في كنفِ جده الضرير، ذلك الجد الذي فقد بصره عندما كانت وكان مسمى الوطن يُحرك القلوب ويشعل فتيل المشاعرويضفي القوة والفخر للقائل، تلك الصورُ التي كان يسترجعها ويهذي بها كشكلٍ حتى أصرّ على أن يكون اسم حفيده وطن. عاش وطن مع جده مشوش فقد كان يقص عليه قصص التضحيات والصمود وكان يحدثه عن تاريخٍ مشرفٍ بالإنجازات والتطور،أن الباد أصبحت مركزًا عالمياً للقوة والتقدم، وكان أكثرُ ما يؤذي تفكيره عندمايتحدث الجد عن الحياة الكريمة والترف الذي يعيشه الشعب، وكأن الجد كان يرى الأمورَ ثم يسرد نقيضها!لم يعش وطن مرحلة الطفولة كما عاشها أقارنه، فقد أعطاها لجده الكفيفحينما أصبح عينه التي ترشده في الطرقات الى أي وجهةٍ يريدها انتهاءً بتوضيب كما عاش شعور ألم الفقد مبكرًا، فما زال يذكر لحظةامتناع أصدقائه عن اللعب صباحاً بعد أن دخلوا المدرسة،تمنى لو أن والدته أنجبته قبل عام من تاريخ مولده، ولم يعش حزناً كحزنِ اليوم الثامن والعشرين من بدء فقد استيقظ على أصوات الانفجارات التي لم يعهد كانت تلك الأصوات رسالة قطيعةٍ دائميةٍ مع أصدقائه،فقد ذهبوا ضحية تلك المعارك التي أخذت الشباب من قبلهم،العدوان مدرستهم في الساعة السابعة وخمس و أربعين دقيقة،التلاميذ ليغردوا بالنشيد الوطني وقبل أن يفتحوا دفاترهم التي بكوا من أجلها كانت تلك الصدمة الاولى لوطن في حياته المبكرة، أنيفقد أصدقاء الطفولة بعد أن فقد حياة الطفولة من قبل.السنوات الست الأولى ما تعلمه لغيره في عشرين سنة،أصبحت مغامراته أكبر، كان الصفّسبقوه في المدرسة، ومع مراجعته ومطابقته للصورة الذهنية وحقيقة الواقعالكتابة،لم يتلقَ أيّ إجابة منهم، جاعليه جعلهمن الوحدة هناك، حصل على كتبه المدرسية ليعلن مجبرًا انضمامه الى رحلة وقد كانكتاباً وقراءً ،الصورة ذاتها التي سخروا منه بسببها،تلك الكتب التي كانت بحوزته، فقام ومن غيرِ شعور بتمزيقها بحرقة وغضب، لمرشده، فقد عُوقِبَ على منتكس الرأس، فقدكان التفكير في الأمر وحده يدعوه إلى البكاء، فقد شعر بظلمٍ كبير في مكانٍكان يجب أن يكون له مصدر للسعادة. كانت لحظات عصيبة عليه،دائماً ما يتحدث عن حظِ جده في هذه الحياة،في ظلِ أشدّ الظروف ضراوةً، وقد مات قبل أن يرى المجاعة التي حصلتفي بلدهم أو يعيش قساوتها، تلك الحقبة وقد أصبح الناس بسبب نقص حتى ومنهم وقد وصليبكون حالهم، فالجوع يُرضي الأسود بالجيَف.كان وطن يقضي أغلب قته منعزلًا في بيت جده مع كتبه التي يستعيرهاالخارج،حتى من جارك،الماء. يسير وهو يتأمل حال الناس، ففي كل دقيقة يقضيهاخارجاً كان يضيف إلى ذاكرته قصة تشهد مأساةَ قومٍ أذلهم الزمان بعد عز،الخبز إلا في ذلك الزمن،باهتة، متأهبين للانقضاض على كل غريبيمرّ من هناك كفريسةٍ سهلة المنال، لتبدأ بعدها الصراعات فالغنيمة الأكبر لا يستحقها هناك إلا صاحب القوة كان ذلك العجوز بصوته المبحوح وسعاله الذي يقطع رتابةأذنه الشمال، حقاً إن الموت لا يأخذ الىأعادت تلك الكلمات الى ذاكرته ما كان يسمع من جده من كلمات لا تمتُ حتى تسللت إلى نفسه فكرة أن جده كان مصاباً بالخرف كذلك وأن خياله كان يعملُ كمخرجٍ محترفٍ في تصوير المشاهد السعيدة التي ثم تعمقَ في تفكيره ليبدأ التشكيك في سبب إصابته بالعمى،أخبره حينها أن فقدانه لبصره جاء نتيجة ارتفاعٍ في مرض السكري،يظن بأنه قد خسر بصره بسبب ضغوطات الحياة وصعوبتها، انقضت الساعةبطيئاً، فقد كانت مرهقةً لعقلٍ وطن قبل جسده، المكتبة انتهت بنهايةسلطة صاحب الصورة،لخرفِ جده وللعقول المغلقة التي خلّفَها صاحبُ الصورة، فقد تم اقصائهمن منصبه بدخولِ قواتٍ أجنبية إلى الباد، لتبدأ حربٌ جديدةٌ بعد جوعٍ طويل،كانت الليلة الأولى مضيئة بشكل لافت فا تكاد تميزها عن النهار بسبب وابلالقذائف والقنابل التي أحرقت كل شيء، وكانت أصوات القنابل المرعبة وصراخالأطفال تذكره بأصدقائه من شهداء المدرسة وهو ينتظر بخوف تلك اللحظة ولم يكن الصباح بأفضل حالٍ من تلك الليلة، فقد وكأنه قد صُهرفي فرنٍ حراريٍ،وقد أصبح رأسه منبعاً للدماء التي شقت بسيلانها نهرًا أحمر اللون على ذلك تطورت تلك الحرب خال أسابيع قليلة لتدخل إلى عقول الناس وطرققبل، واحتوت كلُ فئةٍ على عدة مجموعات،يُسأل من قبلِ أصدقائه ومن الذين يتعرف عليهم عن الفئة التي ينتمي اليها،وبمرور الأيام علِمَ أن والديه كانا من فئتين مختلفتين، وأن التفرقة التي أصبحعليها كطائر الببغاء الذي يردد ما يسمع دون أن يفكر بعقلانية فيما يقول، فقدالصفات المشتركة التي تمثل سبباً مقنعاً للعيش بسعادة وسام. يزداد فيه تباعد الناس وانعزال الفئات بعضها عن بعض، كانذلك فرصة ذهبية للدول الطامعة بكنوز ذلك البلد، فقد صُنف البلد ضمنقائمة الدول الأكثر ثراءً بالموارد، على العكس تماماً من التصنيف المعيشيكانت تلك الدول الطامعة تسير وفق استراتيجية “فرق تسُد”،التي ستحتاج الى أعوام لترسخ مبدأ الخضوع والانتماء في عقول الرافضينللتغيير،الوصول إلى المرحلة التي يتبناها الفرد كقضية ذات أولوية ويبدأ بتحريض الاخرينعليها، كانت كمراحلِ خروج الفراشة من شرنقتها، فما هي الا أعوام قليلة حتىبدأت حربٌ أهليةٌ بين أبناء ذلك البلد، فما كانت لشرانقهم الا أن تلدوحوشاً ضارية، تقتلُ دون تفكيرٍ أو سؤال، متناسين أن الاختاف هو سمة كونية كانت أياماً عصيبة على وطن،تجفّ عيناه يوماً بسبب المأساة التي عاشتها الباد حينها، فا يكاد يمر يوم إلاويسمع بموت صاحبٍ أو صديق أو قريب،الذي كان سنده بعد وفاة جده. وبعد أن زالصاحب الصورة، بأشكالٍ ورغباتٍ مختلفة،وأن من حولهم هم رعاعٌ لا جدوى من وجودهم سوى للعمل والتكاثر، وقد تمكنوا لأكثر من ست عشرة سنة وقد كانوا يشترون كل من يساندهم على البقاء بماامتلكوه من أموال الشعب، وكان لدول الجوار الطامعة شأنٌ كبير في ذلك،فقد عقدوا معهم صفقة مفتوحة الأمد منذ اليوم الأول لإزالة صاحب الصورةتشمل تدريباً خاصاً لكبار مسؤولي الباد لإعادة برمجة ولائهم ثم تطور الأمرالعملِ في الخفاء بأيدي ناعمة وليسيطروا على أصحاب التفكير الوطني والواعين حتى أصبحوا بعد عدة سنين جزءًا اساسياً من أصحاب القرار فيشؤون البلد،كان وطن يرى أن شعبه من أكثر الشعوب عاطفة وصبرًا، وكانت تلك هي وأن الفقراء وأن حالهم هو أفضل من حال الكثير من البلدانِالاخرى، كانت كلماتهم تلك وهم يدّعون الخشوع تقنع الكثير من فقراء البلد،عن الوقوف بجانبهم والتحدث عن ظلم العباد واستبداد السلطات، عن أكلِ ومع مرور الأيام وانقضاء السنين، أصبح الكثير من أبناءذلك البلد يفكرون با حاجز أو رادع، فقد فكروا بصفتهم بشرًا ينتمون إلى بادٍ تلك كانت نظرةوطن إلى مجريات الأمور في الباد خال الحقبة الفائتة كما رواها لصديقه فاديفي أحد المقاهي،قواتِ مكافحة الشغب، اللقاء مساء كل سبت خال الاسبوع في هذا المقهى،وأثناء نقاشهم الطويل ذاك ظهر على التلفاز نبأ عاجل يتحدث عن قيام قواتٍمن الجيش برمي متظاهرين بالرصاص وقتل وإصابة العشرات منهم في إحدىالدول. ساد الصمت بين الاثنين لبرهة من الزمن، ثم انطلق صوت وطن قائاً:• لا يمكن أن يطلقوا تسمية “جيش تلك الدولة” على أولئك القتلة المأجورين،○ قد يكونون مأجورين كما قلت، وقد يكونون مجبرين على فعلِ ما يملى• لا عذر لمن يقتل الأبرياء، فكيف ببريء خرج ليسترد حقه ومظلوميته،القتل؟! ثم تخيل لو أنك كنت تواجه متظاهرين في بلدك،ما فعله أولئك القتلة؟ لكن لا أعلمإن كنت سأستطيع الصمود في موقفٍ كهذا إن حدث فعاً، حيث اندفاعالأبرياء وضغط السلطات بإبعادهم!وطن،كان لهم النصيب الأكبر من التواصل ورؤية العالم المختلف، ذلك العالم الذييعيش فيه من هم بأعمارهم أو أكبر منهم بقليل بفضل وجود الانترنيت ومواقع فقد أدركوا أنهم مظلومون وأن لا خاص إلا بالخروجومواجهة السلطة ضمن ما يسمح به الدستور، كان جياً عظيماً بجرأته وصلادتهواندفاعه نحو الموت دون تردد أو خوف، فا يمكن للعقل أن يصدق مشهدًا يظهر فيه شاب وهو يواجه الرصاصبيدين عاريتين إلا من علمٍ الباد إلا لو كان مشهدًا تمثيلياً أو أن صاحبه يعيشفي عالم آخر!تردد وطن في المشاركة في هذه الانتفاضة،الصور السلبية عما سبقها من انتفاضات،قرر أن يذهب ساعةً ليرى الصورة الحقيقية ثم يتخذ القرار الصحيح اعتمادًا علىنتائج الواقع. فقد كانللتفكير العميق دورٌ كبير في زيادة معدل ضخ الادرينالين مما تسبب ببطءٍحتى بدأ يسمعُ هتافات بعيدة واضحة التردد، كانت تزداد ارتفاعاً كلما اقترب وفي لحظة الوصول، فقد كان هناك الآلاف كأنه عرضٌوتحدد مجموعاتهم التي ينتمون إليها، كانوا كشخصٍ واحد، جهور ثم لفتت انتباهه المجموعات الأخرىالتي تعمل بهمة عالية، كمجموعة نحلٍ يعملون في خليةٍ واحدة، دون كللٍ أوكانت اللوحة المتكاملة الفريدة سبباً في خروج وطن مسرعاً من سيارته تاركاًكانت تلك الثورة مصدرًا لاستفزاز الفاسدين من مسؤولي البلد،المفرطة، وتنظيمها المتقن، وخلوها من قيادة تتحدث باسم الشعب، مما أشعل حقدالطامعين وأظهر وحشيتهم بعد أن أصدروا أمرًا بتفريق المتظاهرين باستخدامالقوة والرصاص، فلم فقد اعتبروا أن باستسامهم سيهينون دماء شهدائهم،لأجلها. في تلك الأثناء،ضحايا قبله، وأن الخوف من المطالبة بحق هو إهانةٌ للنفس العزيزة، دفعتبيديه وبدأ يهتف بأعلى صوته بهتافاتٍ أرعبت الجبناء من حملة الساح،يطلقون النار على المتظاهرين العُزّل،عرف أن من كان يطلق تلك الرصاصات لم يكن من أولئك القوات التي تقف فقد شهد مقتل صديقه الضابط فادي برصاصة اخترقت رأسه“بيب .بيب” تلك كانت أول الأصوات التي استقبلتها أذنا وطن منذ فقد كان فاقدًا لوعيه منذ لحظة سقوطه في ساحة ثم بدأت عيناه تتحرك برجفةٍ سريعة محاولةً أن تروي ظمأها منالضوء، كانتا ثقيلتين بما يكفي لتجعاه يستسلم عن فتحهما عند المحاولة منتظرًا الساعات لتمر ويحاول من جديد، لكن الأمر كان خارجاً عن إرادته كان بحاجةٍ إلى دليل على أنه كان الانتظار مرعباً معوجود تلك الأصوات التي لم يدرك مصدرها بعد، فهو لا يذكر شيئاً مما حدث.بعد ساعات من الانتظار، استقبلت أذناه أصواتاً جديدة، كانت أصوات وقع أقدامترتفع بمرور الزمن حتى توقفت فجأة،وقام بانتزاع شيءٍ ما منها ثم بعد لحظات شعر بوغزة في مكان ما في تلك كانت وغزةً تدعو إلى الأمل والسعادة،المعطل ليعيد السيطرة عليه، وبعد المحاولة الثالثة بدأ النور يتدفق من جديدإلى عينيه، فبدأت الصورة تتحول من السواد إلى البياض ثم إلى صورةٍ ضبابيةغير واضحة حتى استطاع أن يبصر صورة السقف الأبيض المائل للسواد،الانابيب الممدودة من أجهزة مختلفة إلى جسده وأنفه، ثم أدرك أيضاً أن مصدرالصوت الأول كان من جهاز نبضات القلب،قريبة للبحث عن سبب وجوده في هذا المكان. تلك الفتاة فقد اعتادت أن تأتي وتجلس بجوارقضاها في غيبوبته، كانت ناصعة البياض بما يكفي ليعرف أن الحادثة التي وقعت تركها تستقر من فرحتها وتجلس ثم سألها عن سبب حدث إطاق نارٍ كثيف علينا في ساحة الاعتصام،إصابتي لا تذكر مقارنةً بأولئك الذين استشهدوا.الاعتصامات،الناس يُقتلون؟ هل قلت عزيمتهم فعادوا أدراجهم؟ هل حققوا شيئاً؟ ماذاقال تلك الكلمات بانفعال ومشاعر أنسته بأن يوبخ ابنته بسبب ذهابها إلىهناك، وأنسته أيضاً بأن يسألها عن يدها إن كانت تؤلمها في تلك اللحظة، وعن فقد غطت ذاكرته من صور المتظاهرين وهتافاتهم على نظرت أمل في عيني والدها،بزفير يدعو إلى الاطمئنان،لكاهلها، ثم قالت:• كان يوم سقوطي على يدي هو يوم انتصار الثورة، فقد شهد الشعبمساءَ ذلك اليوم هروب أغلب المسؤولين الفاسدين إلى دول أخرى، ومنالجميع في ساحة الاعتصامات،لم يرضَ المتظاهرون ببقاء أيّ مسؤول قديم، فقد اعتبروهم جميعاً بأنهمانتخابات جديدة لاختيار مسؤولين يحملون الأمانة وحب الوطن، لاشك فيأنهم سيكونون كفؤًا لمهامهم، فهو القاضي والمُقَيملأداء من يخدم هذا البلد.قاطع حديث أمل صوتٌ مرتفع من الخارج،فنظرت إلى تعابير وجه والدها الذي بان عليه الارتباك من تلك الأصوات لتجيبه• لا تقلق يا أبي،