فضيلة الشيخ/ الدكتور عبد الحكيم بن محمد العجلان الحمد لله الملك العلام القدوس السلام، وتعبد وقام، ثمَّ أمَّا بعد: حيَّاك الله، نستأذنكم شيخنا في القراءة. قال المؤلف -رَحِمَهُ اللهُ: (بِسْـمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُفَقِّهِ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ فِي الدِّينِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ، الْمُتَمَسِّكِ بِحَبْلِهِ الْمَتِينِ، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، ثمَّ أمَّا بعد: في استهلال هذا اليوم، وهذا البداية التي نرجو من الله جل وعلا أن يكون التوفيق حليفنا، وانتفع به، فليست الشاشة التي تشاهدونها ولا الدرس الذي تحضرونه كسائر ما يعرض على هذه الشاشات ولا قريبًا منها، وما قرَّره العلماء، وما اجتهد فيه الفقهاء على مَرِّ الأعوام والسنين؛ طلبًا للحق وتمسكاً بالسُّنة وإرادة لإصابة ما أمر الله -جَلَّ وَعَلَا- به، وأمر به رسوله ﷺ، ولها حقها من الحفظ والحضور والاهتمام والعناية، وإنَّ أَثَرَ ذلك عليكم بإذن الله -جَلَّ وَعَلَا- في أنفسكم وفي أهليكم وفي بيوتاتكم له أعظم الأثر، وأتمَّ ما يكون من الأجر والثواب، فإذا كان حاضرًا بكليته واهتمامه، وكمال حضوره بحسن هندامه وحسن جلسته وإقباله، وفي الأجر بإذن الله -جَلَّ وَعَلَا- معروف، وكلما كان الإنسان أَتم في الإقبال على العلم؛ كان ذلك بإذن الله -جَلَّ وَعَلَا- أرجى لتحصيله، وأعون لفهمه وتوفيق الله له فيه. فلأجل ذلك لابد أن نستحضر أنَّ مثل هذه المجالس وإن اختلفت هيئتها أو تجددت اللقاءات فيها على خلاف ما يكون في المسجد مع الشيخ على مَا أُلِفَ وَعُرِفَ به الأثر، فإنَّ ذلك لن يختلف في أن يكون لمثل هذه المجالس ما في تلك من الاعتبار والأثر. لتعلم أنك كما لو كنت بين يدي شيخك وفي درسك الذي تؤجر عليه بإذن الله -جَلَّ وَعَلَا- وتُثاب، وأن يعفو عنَّا التقصير والخلل. لكن حسبكم أن تعلموا أنه كتاب مُعتبر، قال عنه العلماء: إنه عمدة في مذهب الحنابلة، جامع لكبارها، وستأتي أيضًا الإشارة إليها لاحقًا، وهو: كيف سيكون للطلاب استفادة من هذا الكتاب وهو كتاب فقهي على مذهب الإمام أحمد بن حنبل! ولعلنا أن نقف في ثنايا كلام المؤلف -رَحِمَهُ اللهُ تعالى- على ذلك. المؤلف هو إمام من أئمة فقه الحنابلة -رحمهم الله تعالى- لُقِّبَ بشمس الدين محمد بن بدر الدين بن عبد القادر الدمشقي الصالحي، ولد عام ست وألف للهجرة، وقد عُرِفَ بصلاحه وتقواه، ويتلقون من آثارها التي بقيت وحُفظت، وجعل ذلك في ميزان حسناتهم، وهو شرح مُفيد نافع جدًا، وهو أيضًا كتاب مطبوع ونافع ومفيد. هذا الكتاب الذي هو (أخصر المختصرات) نافع للطالب أيما نفع، والنزول إلى تفصيل مسائله. تؤسس للعلم فيه مكانا، وإذا كانت المسائل من المسائل التي تمس الحاجة إليها فسيكون الإيضاح فيها أكثر، والأشياء النازلة ما هو لائق بالحاجة بإذن الله -جَلَّ وَعَلَا، والله المسؤول أن يُعيننا على ذلك أتَمَّ إعانة. وهذا هو الأشهر عند أهل العلم في ذكر الـ (باء) في (بِسْـمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، فكأن المبتدأ قال: أبتدأ مُستعينا بذكر اسم الله الرحمن الرحيم، ما الفرق بينهما؟ فتقول: "كتبت بالقلم، وما كان هذا دأبه، فاذا قلنا: إنها للمصاحبة؛ فإنَّ تلك درجة أعلى ومنزلة أرفع، وهذا دَأَبُ أهل العلم، فـ (الله) في اللغة العربية لفظ معرف فيكون عَلَمًا، لكن لَمَّا كان هو اسم لله -جَلَّ وَعَلَا-كان من هذا الإمام أن أنزله في اللغة منزلة لم يساويه بغيره، ومن هذا ذكر بعض أهل العلم هذا المعنى، وفي الحالين كلا المعنيين مُتقارب، فهما متقاربان في المعنى، ويمكن التعبير بهذا، وهو: وإمَّا أن يقال: هو مُشتق، وهذا على سبيل الاختصار، لأنه مشتمل على معنى العبودية لله -جَلَّ وَعَلَا- والتأله له والتعلق به سبحانه وتعالى، فيكون ذلك أتم. قال ابن عباس: أحدهما أخصُّ من الأخر، (الرَّحْمَنِ) من أسماء الله المختصة، أو على فقرائه، قالوا: إنَّ أحدهما أَخَصُّ من الآخر، بمعنى أنَّ اسم (الرَّحْمَنِ) مشتملٌ على صفة الرحمة المتعلقة بكل المخلوقات، و (الرَّحِيمِ) اسم مُشتملٌ على صفة الرحمة المتعلقة بعباد الله المؤمنين، ولذلك قال الله -جَلَّ وَعَلَا- في كتابه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. قال: (بِسْـمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وما التفت قلب عن الله في قليلٍ ولا كثيرٍ إلا ضلَّ مهما أوتي من القدرة، ومهما اجتمع له من القوة، يقول الله -جلَّ وعلا-: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هذا فيما يتعلق بمن وجد قوةً في قلبه في المعاني والمعلومات، ومثل ذلك أيضًا من وجد قوة في الحس والحقيقة ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ فكان الأمر كذلك، من تَعَلَّقَ بالله كفاه ووقاه، ومن تَعَلَّقَ بغيره رده إلى قوته وقدرته فأرداه، فلا مجال للعبد أن يتخلى أو يتخلص أو يلتفت أو يجد في نفسه قوة على أمر مهما أوتي من الأسباب. إِذَا لم يَكُنْ عَونٌ مِنَ اللهِ لِلفَتى . فَأَوَّلُ مَا يَجنِي عَلَيهِ اجتِهَادُهُ ولم يكن أحد أعرف بهذا من أهل العلم الراسخين، ولذلك كان ذلك في ابتداء كتبهم واستهلال كلامهم في الأمور العظام كما هو في الأمور الصغار. والمدح ثناء أيضًا، لكن (الْحَمْدُ) أخصُّ من المدح، بخلاف المدح فإنه ثناء مجرد لا يُشترط فيه أن يكون معه محبة ولا تعظيم، إذًا الثناء محبة وتعظيم عُبر عنه بـ (الْحَمْد) كما هو التعبير في حق الله -جَلَّ وَعَلَا، فالله سبحانه المحمود لأسمائه وصفاته كما هو المحمود لذاته، ومن المتقرر أن الحمد إنما يكون على الجميل الاختياري، وإنما الله -جَلَّ وَعَلَا- الذي خلقه وبرأه، ولكنه يحمد على كرمه، ولذلك قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ). يعني: أنَّ الله -جل وعلا- هو الْمُستحق للمحامد كلها. فهو إذا المستغرق للمحامد كلها، فحريٌّ بالعبد أن يكون حامدًا لربه في كل أحواله وشؤونه، ولذلك كان ذلك أعظم ما يكون في الأمور الكبار، وقد جاء عند مسلم في صحيحه أنَّ النبي ﷺ قال: «إنَّ اللَّهَ ليَرضى مِن العبدِ أن يأكُلَ الأَكلَةَ فيحمَدَهُ عليها ويشرَبَ الشَّربَةَ فيحمَدَهُ علَيها»، فاذا كان رضا الله -جَلَّ وَعَلَا- يتأتى للعبد على الأكلة أو الشربة اليسيرة، فإنَّ ذلك مما يرجى له الثواب الجزيل والعطاء الكثير. وإلا فالحديث عن حمد الله -جَلَّ وَعَلَا- والثناء عليه من أعظم ما يفتح به على العبد، وهو أرجى ما يكون لإجابة الدعاء، وتحقيق الخير، وأدل ما يكون على ذلك حديث الشفاعة العظمى، أتى فسجد بين يدي الله -جَلَّ وَعَلَا-، ولزيادة منزلته، ولحصول الفَرَجَ، وهنا قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُفَقِّهِ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ فِي الدِّينِ) والفقه والكلام عليه كثير، لكن الفقه من حيث معناه هو الفهم، فلا تقل: فقهت مثلا أنَّ السماء فوقنا؛ لأنَّ الكل يعرف أنَّ السماء فوق، حتى البهائم إذا نزلت بها حاجة رفعت بصرها إلى السماء، يعني: إذا غلبته في الفقه، وفَقُهَ إذا صار الفقه له سجية، والفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المأخوذة من أدلتها التفصيلية. وبعضهم يقول كما هو المشهور عند الحنابلة: إنَّ الفقه لابد فيه من الدليل، لماذا قال بالفعل أو بالقوة القريبة؟ لانَّ العلم ليس كله لدى الفقيه، حتى الفقيه الذي أُشرب العلم والفقه قد تكون بعض المسائل غائبة عن ذهنه في بعض الأحوال، فاذا كان لديه الآلة والمكنة من الوصول إلى المسألة والعلم بها، يعني في غياب بعض الأشياء، وهذا أمر لا بد منه، ولذلك قالوا: "والاستدلال عليها بالفعل أو بالقوة" ما معنى القوة القريبة؟ يعني: أنَّ لديه من الآلة والمكنة التي يستطيع بها الوصول إلى الفقه بسهولة، بخلاف الذي يحتاج إلى أن يتعلم العلم من أوله فهذا ليس عنده قوة قريبة. ربما لا تكون شروطها كلها بين يديه حاضرة، فيبين عنها ويفصح بها بخلاف غيره الذي ربما يبقى أيامًا طويلةً لا يَستطيع أن يعلم أنها في هذا الباب أو أنَّ هذه المسألة تُبحث هنا أو هناك، فاذًا هذا هو الفقه. وهنا قال المؤلف -رَحِمَهُ اللهُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُفَقِّهِ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ فِي الدِّينِ) الفقه اصطفاء من الله -جَلَّ وَعَلَا- وفضل ونعمة منه ورحمة، والمؤلف -رَحِمَهُ اللهُ تعالى- كأنه بذلك يلهج بحمد الله -جَلَّ وَعَلَا- والثناء عليه، على ما أنزله من المنزلة وبلغه من الدرجة، فكان ذلك استهلال كلامه وابتداء كتابه. فاذا رأيت عموم الناس في بُعدٍ وانشغالٍ أو رأيت عموم الخليقة في لهوٍ وغفلةٍ، وفتح لذلك بصيرتك وأنار قلبك ويسَّر لك وسهل عليك، وكثير من الناس يفتح على القناة هذه فلا يُسهل عليه أن يبقى مُقبلا عليها دقيقة أو دقيقتين، ولذلك جاء في الحديث الصحيح العظيم الذي عند البخاري ومسلم من حديث معاوية أن النبي ﷺ قال: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ» فالفقه في الدين من أعظم ما يبلغ به العبد درجة الخيرية والوصول إليها، وهي منازل فكلما ارتفع الإنسان في الفقه ارتفع منزلة في هذه الخيرية، ولتعلم أنَّ الفقه منه ما هو فرض عين، وهو ما يُسمى عند الفقهاء بعلم الحال، فاذا كان الإنسان مأمورًا بالصلاة فلابد أن يعرف الصلاة وما يسبقها من وضوء وطهارة ومن أحكام وشروط. وكذلك أحكام الزكاة ووجود النصاب ومُضيُّ الحول، فلزمه أن يتعلم من تلك المسائل ما يليق به، لكن تعين عليه أن يعرف زكاة عروض التجارة بما يتحقق به فعل ما عليه في ذلك. وإذا دخل الإنسان السوق ليبيع ويشتري عليه أن يتعلم من أحكام البيع والشراء والربا ونحوها التي تمنعه من الوقوع في الحرام، وتحمله على الكسب الحلال وغيره، كما أرجو أن يكون قد اصطفانا جميعًا لذلك، وبلَّغنا هذه المنزلة. فيتعلم سائر الأحكام حتى إذا احتاج إليها عموم الخلق من القريبين أو البعيدين وجدوا من يفتيهم في ذلك ويعلمهم ويبصرهم ما يليق بهم في أمور دينهم، هل انبرى للعلم من يكفي في هذا الزمان أم لا؟ وجب علينا أن نعود فنتعلم، فلزم من تعلم أن يتصدى للناس تعليمًا وتفقيهًا وتنبيهًا ونُصحًا، والسَّمْعِ والطَّاعَةِ، وإصلاح الأجساد، وحاجة الناس إلى طبِّ القلوب وصلاح العبادات أعظم من حاجتهم إلى صلاح الأبدان، ومن يُقيم مناره، فينبري له على أتَمِّ وجه، والله المسؤول أن يجعلنا وإياكم ممن وُفق لهذه المنزلة، في الدنيا والاخرة. أحسن الله إليكم. الْمُتَمَسِّكِ بِحَبْلِهِ الْمَتِينِ وَعَلَى أَهْلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ)}. في الحقيقة قبل ما نبدأ، والحقيقة أنَّ هذا الباب واسع، وحث الناس عليه، فإنَّا بحاجة إلى هذا أيما حاجة، ومن كان فيه مبتدأ لم يزل مُترددًا فإنَّ ذلك مما يُعينه على الإقبال ويُثْبِتُ قدمه في التحصيل والنهل والزيادة منه، وأعظمُ ما جاء في ذلك قول الله -جَلَّ وَعَلَا-: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وإنما العلم هو الخشية، وإنما العلم هو الهداية بهداية كتاب الله -جَلَّ وَعَلَا، من سلكه فاز، ومن تمسك به أفلح -بإذن الله جَلَّ وَعَلَا-، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾، قال جَلَّ وَعَلَا: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ وإذا فاز الناس بشهواتهم، فاز أهل العلم بالمنزلة والدرجة عند الله -جَلَّ وَعَلَا، وهي حصول الخيرية، وكان بعض مشايخنا قد قال لنا كلمة أبان صغرنا وابتدائنا في طلب العلم، ذهبت بهم الأيام، ومثله أئمة أهل الإسلام، مثل: الشافعي والإمام مالك، وأبي حنيفة والتابعين، وفيه من إظهار السُّنة، وفيه من الخير ما الله به عليم. ومع ذلك بقي ذكره شاهدًا عظيمًا على مآثره الكبيرة كالجبل الشامخ الذي لم تزده الأيام إلا ثباتًا وصلابة -رَحِمَهُ اللهُ رحمة واسعة. لَمَّا ابتدأ النووي العلم قال عن نفسه: لَمَّا بلغت الثامنة عشرة وقع في نفسي تعلم الطب والإقبال عليه، يقول: فحصل لي من ظلمة النفس والصدود وحصول البلاء ما الله به عليم، ورجعت إلى مدارسة العلم والإقبال عليه؛ أو علوم الصناعة والهندسة، أو سوى ذلك، والناس بحاجة إلى ذلك لا محالة، ولكن من كانت له قدرة على أن ينبري لعلوم الشريعة، وليس شيء أشرف من العلم بالله، وبسنة رسول الله، لأنه ليس شيء أعظم من هذا، والله يتولانا برحمته. يقول: {(وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الْمُؤَيَّدِ بِكِتَابِهِ الْمُبِينِ، الْمُتَمَسِّكِ بِحَبْلِهِ الْمَتِينِ وَعَلَى أَهْلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ)}. قوله: (الْمُؤَيَّدِ بِكِتَابِهِ الْمُبِينِ) حمد الله تعالى في ابتداء الكتب سبيل بركتها، وفي ذلك أيضًا استحضار لمنزلته، وهو النبي المصطفى الذي بلَّغ ووضَّح وأبان وهدى، كما جاء في الحديث: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لا يَزِيغُ عَنْهَا إِلاَّ هَالِكٌ» فكان حقه أن يستهل بالصلاة والسلام عليه، وذكر النبي مع ذكر الله -جَلَّ وَعَلَا- هو استنان و استحضار للشهادتين فهما مقرونتان ببعضهما البعض، ولذلك قال أبو ذر رضي الله تعالى عنه: «لَقَدْ تَرَكَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، وَمَا يُحَرِّكُ طَائِرٌ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إِلَّا أَذْكَرَنَا مِنْهُ عِلْمًا»، «مَن صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً واحِدةً صَلَّى اللهُ عَليهِ عَشْرًا»، وجاء في ذلك أحاديث كثيرة في مجموعها حسان وهي مذكورة في غير هذا المقام. والصلاة على النبي ﷺ كما قال أبو العالية: "مِنَ الله ثناؤه عليه في الملأ الأعلى"، وإذا قلنا: (الصلاة والسلام) فطلب ثناء الله -جَلَّ وَعَلَا- على نبيه ﷺ. وهنا قال: (وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ) والنبي والرسول لفظان إذا افترقا اجتمعا، فهو أخص وأرفع، والنبي هو من أوحي إليه، ولأهل العلم في الفرق بينهما كلام كثير، لكن أشهر ذلك -على ما فيه من الكلام- أنَّ النبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بالتبليغ، وهي إشارة لطيفة إلى: أولاً: ما كان من وصفه ﷺ في الجاهلية، وهو أَتَمُّ أمانةً في تبليغ الرسالة وتكميلها على ما قلنا، ثُمَّ أيضًا إشارة إلى أنَّ هذا المكتوب أمانة بلَّغه النبي صلى الله وسلم، فما يكون منا من تحرير وما يكون من تفقيه وتوضيح فإنما هو جار على طلب هذه الأمانة وهذه الرعاية والصيانة، فهو استشعار لأداء النبي ﷺ للسنن أن بلَّغها كما أمر الله -جَلَّ وَعَلَا، وعلى الفقيه أن يكون اجتهاده ونصب عينيه طلب الحق والهدى، والتبرؤ من هوى النفوس والجهالات في تقرير ما يكون حقًا وصوابًا في الأحكام والتشريعات. نعم هو ﷺ مُؤيد بكتاب الله جلَّ وعلا الذي أُنزل عليه مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ وكتاب جعله الله فرقانًا وتبيانًا وموضِّحًا للحق من الباطل، ومبينًا لتوحيد، وموضِّحًا للخلق ما يليق بهم من اتباع للأنبياء والمرسلين، وما يتوجب عليهم من اتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء فيه غير ما آية في بيان ما جعل الله لنبيه من المنزلة ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ وجاء في أكثر من ثلاثين آية الأمر بطاعة رسوله ﷺ كما الأمر بطاعة الله جلَّ وعلا، فكان ذلك تأييدًا من الله بكتابه لنبيه، وأنَّ الحقَّ في اتباع النبي ﷺ، وأنَّه لا يتأتى للخلق هداية إلا باتباع السنة كما هو اتباع القرآن، كما هو فتنة هذا العصر في اتباع القرآن والتخلص من سنة النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ولا يتأتى للناس عبادة، ولا يتأتى للناس إيمان بكتاب الله إلا باتباع النبي ﷺ، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ فمن لم يطع رسول الله ﷺ فهو يتقلب في نار جهنم، نسأل الله السلامة والعافية، وهم مُتوعدون بهذا الشر والعذاب إلا من تاب ورجع، إلا مَنْ آبَ وانتبه، فكان مؤيدًا بكتاب الله -جَلَّ وَعَلَا- وهو متمسك به، فما كان من سنته فهو تمسك، وما كان دون ذلك فهو غلوٌ أو تفريطٌ. ولأجل ذلك لا يزعم أحد أنه يستمسك بالقرآن على حال أتَم من نبيه أو على حال أكمل من رسوله، وما هو توضيح للأحكام، وبيان للشرائع من العقائد، «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ» كما في حديث ابن عمر، حَتَّى الْخِرَاءَةَ. أَوْ أَنْ نسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ. ففي هذا إشارة إلى حال النبي ﷺ في التبيان والتوضيح والتمسك بكتاب الله -جَلَّ وَعَلَا- والتبيين. نستأذنكم شيخنا نظرًا لضيق الوقت في أن نستكمل ما بقي في المجالس القادمة؟} طيب على كل حال لعل في هذه المقدمة بإذن الله -جَلَّ وَعَلَا- ما هو نافع للطلاب ومفيد، لولا أنَّ للابتداء خصوصية. أسأل الله أن ينفع بها، شكر الله لك وللإخوة القائمين على هذه الجادة،