مفهوم الحضارة عند رالف لنتون 1 - مفهوم المجتمع والحضارة والفرد عند رالف لنتون عندما نناقش كلمة حضارة يتعين علينا منذ البداية أن نميز بين مفاهيم ثلاث وهي: المجتمع والحضارة والفرد فالمجتمع عبارة عن مجموعة منظمة من الأفراد، والحضارة مجموعة منظمة من الاستجابات التي تعلمها الأفراد وأصبحت من مميزات مجتمع معين. أما الفرد فهو عضو حي قادر على التفكير المستقل وأعماله مستقلة، ولكن هذا الاستقلال يتحدد واستجاباته تتعدل أساسياً نتيجة لاتصاله بالمجتمع والحضارة التي ينشأ فيها (120) ويرى لنتون أن الحضارة والمجتمع ظاهرتان مختلفتان وعلى الرغم من أن الحضارة والمجتمع شيئان متلازمان إلا أنهما ظاهرتان من نوعين مختلفين يتصلان ببعضهما عن طريق الأفراد الذين يكونون المجتمع ويفصح سلوكهم عن نوع حضارتهم. (121) هذا هو التمييز بين المجتمع والحضارة والفرد كما أورده رالف لنتون في كتابه القيم " شجرة الحضارة ". إن العلاقة بين الحضارة والمجتمع في نظر لنتون تماثل إلى حد كبير علاقة الفرد ككائن حي بأنواع الاستجابات المعتادة وجميع ما يعرفه من معلومات. فالحضارة مثل المعلومات والاستجابات المعتادة للفرد ليست إلا أموراً مكملة للخبرات الماضية. والخبرات في هذه الحالة عبارة عن التجارب التي مرت بذلك المجتمع طيلة وجوده والحضارة أشبه بصورة تترابط أجزاؤها ببعضها البعض ولكن العناصر التي تتكون منها الحضارة أقل ترابطاً ببعضها من ترابط العناصر التي تتكون منها شخصية الفرد. (122) تلك هي الصورة العامة التي قدمها لنتون موضحاً فيها العلاقة بين الحضارة والمجتمع والفرد. وسنحاول أن نناقش بعض الأفكار التي أوردها لنتون، ففي عبارة هامة يقول لنتون " وللفرد عمر محدود. أما المجتمع والحضارة فمستمران دون تحديد. وهما يستمران عادة إلى مدد أطول من عمر أي فرد من أعضائهما. ولا توجد على ما يبدو أي عوامل وراثية تمنعهما من البقاء إلى ما لا نهاية. ولكن بعض الفلاسفة يؤمنون بعكس ذلك، ونحن لا نملك أي دليل على أن المجتمعات أو الحضارات تموت من الشيخوخة. فهما غالباً ما يسقطان تحت ضربات عنيفة أو فقر اقتصادي، المجتمع أحياء إما بطريق التناسل أو بضم عناصر جديدة من السكان إليه، ولكن يتحتم على مثل هذا المجتمع أن يعدل كثيراً من كيانه ويغير الكثير من منهجه في الحياة تغييراً أساسياً ومع ذلك فسيظل في الوجود كمجموعة منتظمة مرتبطة (123) بهذا المعنى يرفض لنتون النظريات الفلسفية التي قامت بتفسير عمليات الاضمحلال. لكننا نرى أن كل نظرية فلسفية تأتي لتفسر جانب من جوانب قيام واضمحلال الحضارات. وربما تكون صائبة أو قد تضل الطريق في الوصول إلى الحقيقة فهناك على سبيل المثال نظريات تؤكد على أثر العوامل الأخلاقية والروحية والدينية وهناك في المقابل نظريات أخرى ترفض الاتجاه الروحي والأخلاقي والديني وتلتزم جانب الطبيعة فهناك النظريات الحيوية التي تنظر إلى الحضارة على أنها كالكائن الحي تولد وتموت أو التركيز على سيادة جنس معين من الأجناس، وجود للثبات، فالتغير هو خاصية جوهرية للحضارات ولو أننا توقفنا قليلاً عند فكرة التغير هذه فإننا سنجد أن جذور هذه الفكرة ترجع إلى الفيلسوف اليوناني القديم " هر اقليطس" و"هيجل" في العصر الحديث، فالتاريخ عند هذا الأخير يخضع لمقولة التغير، والعملية الجدلية التي اخترعها هيجل تعبر في أساسها عن التغير. ويعبر لنتون في مؤلفه شجرة الحضارة عن فكرة التغير الحضاري بما أورده في عبارة هامة ذكر فيها أن المرء لو أنه لاحظ التطور الحضاري في مجموعه فسوف يمكنه التعرف على ثلاث مراحل تكنولوجية ذات صبغة ثورية حقيقية، أولاها تلك الإمكانيات العظيمة التي نشأت مع الإنسان عندما ودع حياته التي كانت تشبه حياة الحيوان وبدأ في استخدام الأدوات واستئناس النار. ثانياً : تبع توجيه واستئناس النباتات والحيوانات في مناطق مختلفة في كل من العالمين القديم والجديد تقدمات حضارية سريعة جداً أدت في النهاية إلى تطور المدنية التي تعتبر من أعظم المستحدثات الاجتماعية الثورية التي ظهرت في التاريخ الإنساني كله. وثالثاً: ما يمكن أن نسميه باستئناس القوة، وهي التي تقوم على مقدرة الإنسان على إنتاج القوة عندما يريد. ومع استثناءات قليلة كما كان في حاجة إليها، وذلك يختلف عن الاستخدام السابق للقوة غير المستأنسة التي تكمن في الريح أو في الماء في الأماكن التي تتوافر فيها. الذي بشر بالسيطرة المتزايدة على كثير من النواحي الأخرى في الطبيعة، ويرى أننا في الأوقات المبكرة لهذه الفترة الثالثة، وقد بدأنا فقط باكتشاف الإمكانيات التي يمكن أن نقدمها للتطورات في حضاراتنا خارج المجال التكنولوجي وخصوصاً في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ويرى لنتون أيضاً أنه بالإمكان التنبؤ بأنه بعد قرنين أو ثلاثة من الآن فإن بعض الاختراعات الاجتماعية مثل الرأسمالية الحديثة والفاشستية والشيوعية سينظر إليها من يأتي بعدنا فيرى فيها أنها لم تكن سوى تجارب مبدنية كان الغرض منها ملاءمة المجتمع الحديث مع التكنولوجيا الحديثة (125) لقد أكد لنتون أن التغير الحضاري مستمر ولن يتوقف بحيث أن ما نراه اليوم على أنه جديد ورائع سينظر إليه بمرور الوقت على أنه شيء قد عفى عليه الزمان، ولقد جسد لنا لنتون روح التغير الحضاري تاريخياً بصورة رائعة وقد حدد الخطوات التي يمضي عليها التغير الحضاري. 3 - طبيعة التطور الحضاري منذ اكتشاف مبادئ التطور التكنولوجي كما يذكر لنتون قامت محاولات متكررة لتطبيق نظرية مشابهة لها على تطور الحضارة، الذي بشر بالسيطرة المتزايدة على كثير من النواحي الأخرى في الطبيعة، ويرى أننا في الأوقات المبكرة لهذه الفترة الثالثة، وقد بدأنا فقط باكتشاف الإمكانيات التي يمكن أن نقدمها للتطورات في حضاراتنا خارج المجال التكنولوجي وخصوصاً في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ويرى لنتون أيضاً أنه بالإمكان التنبؤ بأنه بعد قرنين أو ثلاثة من الآن فإن بعض الاختراعات الاجتماعية مثل الرأسمالية الحديثة والفاشستية والشيوعية سينظر إليها من يأتي بعدنا فيرى فيها أنها لم تكن سوى تجارب مبدنية كان الغرض منها ملاءمة المجتمع الحديث مع التكنولوجيا الحديثة (125) لقد أكد لنتون أن التغير الحضاري مستمر ولن يتوقف بحيث أن ما نراه اليوم على أنه جديد ورائع سينظر إليه بمرور الوقت على أنه شيء قد عفى عليه الزمان، ولقد جسد لنا لنتون روح التغير الحضاري تاريخياً بصورة رائعة وقد حدد الخطوات التي يمضي عليها التغير الحضاري. 3 - طبيعة التطور الحضاري منذ اكتشاف مبادئ التطور التكنولوجي كما يذكر لنتون قامت محاولات متكررة لتطبيق نظرية مشابهة لها على تطور الحضارة، إذ لا جدال في أنه قد حدث قدر عظيم من التغير الحضاري والتقدم خلال التاريخ الإنساني. ولكن المشكلة تتلخص فيما إذا كان هذا التغير وهذا التقدم يسيران في اتجاه متصل أو أنهما يسيران في سلسلات متعاقبة من الحوادث التي تكررت في عدة اتجاهات حضارية. فإذا أمكن لأحد أن يثبت أن هذا هو ما حدث بالفعل فإننا نستطيع أن نقول أن تقدم الحضارة يتبع مبادئ تطورية، ويصبح في الإمكان أن نتنبأ بما سيحدث في المستقبل من تطورات إذا عرفنا اتجاه التطورات التي حدثت في الماضي. (126) يتضح لنا من هذا أنه قد كانت هناك محاولات جادة تسعى إلى إيجاد نظرية مشابهة للتطور التكنولوجي منذ اكتشاف مبادئه يمكن تطبيقها على تطور الحضارة. ومن ثم يمكن التنبؤ بما سيحدث في المستقبل من تطورات. ويأخذ لنتون في علاج هذه القضية فيذكر أيضاً أنه ينشأ كثير من الارتباك عند تطبيق نظريات التطور على الظواهر الحضارية، وذلك راجع إلى فشلنا في إدراك أن الحضارة الإنسانية بوجه عام تتكون من حضارات كثيرة، وهذا يشبه تماماً ما نراه في العناصر الحية حيث يوجد عدد كبير من تشكيلات الأنواع والأجناس والعائلات والرتب. أما في حالة الحضارات، فإن أوجه التشابه، حتى ما كان منها موجوداً بين أعظم الأشكال اختلافاً، تزيد كثيراً على الاختلافات التي يمكن أن نقول عنها أنه يمكن مقارنتها بالأنواع والأجناس التي تتبعالإنساني. ولكن المشكلة تتلخص فيما إذا كان هذا التغير وهذا التقدم يسيران في اتجاه متصل أو أنهما يسيران في سلسلات متعاقبة من الحوادث التي تكررت في عدة اتجاهات حضارية. فإذا أمكن لأحد أن يثبت أن هذا هو ما حدث بالفعل فإننا نستطيع أن نقول أن تقدم الحضارة يتبع مبادئ تطورية، ويصبح في الإمكان أن نتنبأ بما سيحدث في المستقبل من تطورات إذا عرفنا اتجاه التطورات التي حدثت في الماضي. (126) يتضح لنا من هذا أنه قد كانت هناك محاولات جادة تسعى إلى إيجاد نظرية مشابهة للتطور التكنولوجي منذ اكتشاف مبادئه يمكن تطبيقها على تطور الحضارة. ومن ثم يمكن التنبؤ بما سيحدث في المستقبل من تطورات. ويأخذ لنتون في علاج هذه القضية فيذكر أيضاً أنه ينشأ كثير من الارتباك عند تطبيق نظريات التطور على الظواهر الحضارية، وذلك راجع إلى فشلنا في إدراك أن الحضارة الإنسانية بوجه عام تتكون من حضارات كثيرة، وهذا يشبه تماماً ما نراه في العناصر الحية حيث يوجد عدد كبير من تشكيلات الأنواع والأجناس والعائلات والرتب. أما في حالة الحضارات، فإن أوجه التشابه، حتى ما كان منها موجوداً بين أعظم الأشكال اختلافاً، عائلة بيولوجية واحدة (127) إذن تتولد ارتباكات عديدة تنشأ عن محاولة تطبيق نظرية التطور على الظواهر الحضارية، وذلك مرده إلى العجز عن إدراك أن الحضارة الإنسانية في حد ذاتها تتألف من عدة حضارات معقدة ومتشابكة ومتشعبة ومختلفة أيضاً، بينما الأمر مختلف تماماً بالنسبة للعناصر الأخرى الحية فهي معروفة أو يمكن معرفتها. ومن هنا تنشأ صعوبة تطبيق نظريات التطور على الظواهر الحضارية. ويذكر لنتون أنه في تطور الحضارات، كما في تطور الكائنات الحية، تتجه عمليات التغير بصفة عامة إلى تلاؤم الكائن الاجتماعي مع بيئته تلاؤماً أفضل. وينطبق ذلك على الغالبية العظمى من الحالات، بالرغم من أنه هناك في تطور الحضارة، كما في التطور البيولوجي، أمثلة على التدهور وعلى تحسينات لا داعي لها استجابة لاتجاهات سبق تكوينها (128) فرالف لنتون يرصد لنا إذن وجود تشابه بين التطور الحضاري وتطور الكائنات الحية ألا وهو تكيف الكائن الاجتماعي مع بيئته على نحو أفضل ووجود أمثلة على التدهور و على تحسينات لا داعي لها استجابة لاتجاهات سبق تكوينها. و نختم موضوع التطور بهذه العبارة التي أوردهالنتون فذكر أنه في المجال العادي للتطور الحضاري نلاحظ أن عملية الملائمة تتضمن قبل أي شيء آخر، سيطرة متزايدة على البيئة الطبيعية وذلك عن طريق الوسائل الصناعية، ويشترك في ذلك أيضاً ملائمة العناصر غير الصناعية في الحضارة مع الظروف التي خلقها تفاعل البيئة مع الوسائل الصناعية، إذ أن التطور الحضاري كما يذكر لنتون يمكن مقارنته في هذه الحالة بالكائنات الحية. ومع ذلك كما يعلن هو أنه من الأمور المحيرة في موضوعات التطور في كل من الحضارات والكائنات الحية أن بعض اتجاهات معينة تأخذ في الظهور ولا يمكن إيجاد تفسير عملي لها، وأن هذه الاتجاهات تظل مستمرة حتى تجاوز الحد المعتاد (129) تلك هي وجهة نظر لنتون فيما يتعلق بموضوع تطبيق نظريات التطور على تطور الحضارة ولن تسترسل إلى أبعد من هذا في تحليل هذا الموضوع الشاتك.