والنظر فيها لمعرفة هل شاركه في هذه الرواية غيره من الرواة أم لم يشاركه أحد ؟ ويكون هذا التتبُّع من كتب الحديث مثل الجوامع والمسانيد والسنن والأجزاء والمعاجم وغيرها. ومن الجدير بالذكر أنّ الاعتبار ليس قسيماً لكلٍٍّ من المتابِعِ والشاهد؛ أرجحها : أنَّ المتابع هـو الحديث الذي يشـارك فيه رواتُه رواةَ الحديث المـراد البحث عن طريق أو طرقٍ له لتقويته أو للارتقاء به سواء كانت هذه الطريق أو الطرق باللفظ أو بالمعنى مع الاتحاد في الصحابي الذي روى الحديث في جميع هذه الطرق( ). أقسام المتابعة : تنقسم المتابعة إلى قسمين : تامّة وقاصرة . متابعـة تامة : هي مشاركة غير الراوي في الحديث للراوي المراد متابعته. متابعـة قاصرة :هي حصول هذه المشاركة لشيـخ الراوي أو مَنْ فوقه من الرواة. أرجحـها : أنَّ الشاهد هو : الحديث الذي يشارك الحديث المراد البحث عن طريقٍ أو طرق له سواء كانت هذه الطرق باللفظ أو بالمعنى مع الاختلاف في الصحابي الذي روى الحديث . مثال للمتابعتين التامّة والقاصرة وللشاهد : الحديث الذي رواه الإمام الشافعي في كتابه الأمّ قال : أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنَّ رسولَ الله  قال : "الشَّهْر تسعٌ وعشرون ، فمثال المتابعة التامّة : ما قاله الحـافظ ابن حَجَر عن حديث الشافعـي السابق :{ فهذا الحديث بهذا اللفظ ظنَّ قوم أنّ الشافعي تفرَّدَ به عن مالك فعَدُّوه في غرائبه ؛ ومثال المتابعة القاصرة : ما قاله ابن حجر عن نفس الحديث : { ووجدنا أيضاً متابعة قاصرة في صحيح ابن خزيمة من رواية عاصم بن محمد عن أبيه محمد بن زيد عن جده عبد الله بن عمر بلفظ : "فَكَمِّلوا ثلاثين"(3)، ومثال الشاهد : زاد ابن حَجَر مثالاُ للشاهد فقال :{ ومثاله في الحديث الذي قدّمناه ما رواه النّسَائي من رواية محمد بن حُنَيْن ( ) عن ابن عباس عن النبي  ؛ وأمّا بالمعنى فهو ما رواه البخاري من رواية محمد ابن زياد عن أبي هريرة بلفظ :"فإنْ غُمَّ عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين" }( ) . ثانياً : أقسام الحديث من حيث الانقطاع في السند ينقسم الانقطاع في السند إلى قسمين رئيسين هما : الثاني : انقطاع خفيّ : وهذا القسم لا يدركه إلاّ أهل المعرفة من أصحاب الحديث ؛ طرق معرفة الانقطاع في السند يمكن معرفة هذا الانقطاع في سند الحديث بإحدى طريقين هما : الأولى : أنْ ينصُّ على هذا الانقطاع واحد أو أكثر من علماء الجرح والتعديل كأنْ يقول : أبو سلاّم الحبشي لم يسمع من حذيفة بن اليمان ، الثانية : مجيء الحديث من طريق أو طرق أخرى بزيادة رجل أو أكثر في إسناد هذا الحديث . أنواع الأحاديث التي فيها انقطاع تنقسم هذه الأحاديث حسب مكان هذا الانقطاع وعدد حلقاته إلى أربعة أنواع : أولاً : الحديث المنقطع وذلك لفقده شرط اتصال السند بحذف راو أو أكثر من هذا السند ، ثانياً : الحديث المُعْضَل تعريفه لغـة : هو اسم مفعول مشتق من الفعل أعضل بمعنى أعيا ، وللجهالة بأحوال الرواة المحذوفين . ثالثاً : الحديث المعلق تعريفه اصطلاحاً : هو الحديث الذي حُذِف من بداية إسناده راوٍ أو أكثر على التوالي ، فيقول الراوي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كذا ، و للجهل بحال الراوي المحذوف أو الرواة المحذوفين مما يترتب عليه فقد شرطي العدالة والضبط . حكم الأحاديث المعلقة في صحيحي البخاري ومسلم : الحكم عليها فيه تفصيل على النحو التالي : 1ـ ما رُوي منها بصيغة الجزم والقطع كأنْ يقول الراوي : قال أو فعل أو ذكر أو أمر فلان(وهو أن يكون الفعل مبنياً للمعلوم)؛ وذلك لأنّ كلاً من البخاري ومسلم لا يجيز أنْ يجزم بذلك إلاّ وقد صحّ عنده عن ذلك المضاف إليه . مثالـه : ما ذكره الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الوكالة حيث قال : قَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو عَمْرٍو حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ . فهذا الحديث علَّقه البخاري عن عثمان بن الهيثم بصيغة الجزم والقطع . 2ـ ما رُوي بصيغة التمريض أوالتضعيف وليس فيه جزم(وهو بناء الفعل للمجهول) ؛ مثالـه : ما ذكره الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الطب حيث قال : يُذكر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرُّقَى بفاتحة الكتاب: "إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ" ( ) . عدد المعلقات(أي الأحاديث المعلّقة)في الصحيحين وبقي حديث واحد لم يوصل ولكنْ يُقَال : إنّ أبا عمر بن عبدالبَرّ وصله في كتابه التمهيد . أسباب ذكر الأحاديث المعلّقة في الصحيحين : لقد أكثر الإمام البخاري من ذكر الأحاديث المعلّقة في صحيحه ؛ 2ـ اختصار الحديث فراراً من تكراره بنفس سنده ومتنه . والسبب في قلّتها وندرتها هو أنّ الإمام مسلماً قصد صناعة الإسناد ، ولم يجعل تراجم لكتب صحيحه وأبوابه كما فعل شيخه الإمام البخاري في صحيحه . رابعاً : الحديث المرسل تعريفه في اللغة : للإرسال معانٍ عِدّة ؛ 1 ـ بمعنى الإطلاق سواء كان إطلاقاً حِسِّياً أو إطلاقاً معنوياً( ) . 2 ـ ويُحْتَمَل أنْ يكون أصلُه من قولهم : جاء القوم أرسالاً أي قطعاً متفرقين أوجماعات متتابعة( ) . وفي الاصطلاح : اخْتُلِفَ في تعريفه عند علماء الطوائف(وهم علماء الحديث والفقه والأصول) على أقوال عِدَّة ؛ 1ـ عند المحدّثين : الحديث المرسل يختصّ بما رواه التابعي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مباشرة مسقطاً الواسطة بينهما( ) ـ سواءٌ كان هذا التابعي المرسِل من كبار التابعين أو من أواسطهم أو من صغارهم ، حكمـه : للعلماء في حكم الحديث المرسل أقوال عِدّة ؛ القول الأول : ذهب جمهور المحدثين والإمام الشافعي وكثير من الفقهاء والأصوليين وغيرهم إلى أنّ الحديث المرسل حديث ضعيف ليس بحجّة ؛ القول الثاني : ذهب الأئمة مالك وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل(في المشهورعنه) وكثيرٌ من الفقهاء إلى أنّ الحديث المرسل صحيح وحُجَّة ؛ ورجّح الحافظ ابنُ كثير هذا القولَ( ) . واحتجّ أصحاب هذا القول بقولهم : إنَّ سكوتَ المُرْسِل الثقة عن ذكر الراوي المحذوف يقتضي أنّه جازم بعدالته وتوثيقه ، أولاً : ذهب الإمام أحمد بن حنبل وأكثر المالكية والمحققِّون من الأحناف (كالطَّحاوي والرازي) إلى تفضيل الحديث المسنَد المتصل على المرسَل . ومَنْ أرسل مع علمه ودينه وثقته فقد تكفَّل لك . القول الثالث : ذهب الإمام الشافعي في كتابه الرسالة إلى أنّ الحديث المرسّل صحيح وحجّة ؛ 3ـ أنْ يوافق قولُ صحابيٍّ أو أكثر هذا الحديثَ المرسَلَ . 4ـ أنْ يفتيَ ويعملَ بهذا الحديث المُرْسَلِ أكثرُ العلماء . 5ـ أنْ لا يخالفَ هذا المرسَلُ روايةَ الحفَّاظ المأمونين ، أمّا إنْ كان المحذوف صحابياً وتابعياً ؛ وبسبب الجهالة بحال التابعي الذي قد يكون ضعيفاً . تعريفه : هو إخبار الصحابيّ عن قول النبي صلّى الله عليه وسلّم أو فعله أو تقريره أو نحو ذلك؛ ممّا يُعْلَم أنّ هذا الصحابيّ لم يحضره بسبب صِغَر سِنِّه، حكمه : اختلف العلماء في هذا الحكم على رأيين هما : الرأي الأول : الراجح عند المحدثين الفقهاء والأصوليين أنّ مراسيل الصحابة (رضي الله عنهم) صحيحة يُحْتَجُّ بها ؛ وهو تصحيح مراسيل الصحابة والاحتجاج بها . ذكر علماء الحديث أنّ للمرسل ستَّ مراتب هي : 1ـ أعلاها وأصحّها ما أرسله صحابي ثبت سماعُه من النبي صلّى الله عليه وسلّم ؛ 2ـ مرسل الصحابي الذي له مجرد رؤية للنبي صلّى الله عليه وسلّم فقط ، 3ـ مرسل التابعي المخضرم(وهو مَنْ أسلم في عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم ، مثل : كعب الأحبار وعَمْرو بن أبي قيس . 5ـ مُرْسَل التابعيّ الذي كان يتحرَّى في شيوخه كعامر بن شَرَاحِيل الشَّعْبِيّ. 6ـ وأدنى هذه المراسيل مرسَل التابعيّ الذي كان يأخذ عن كلّ واحد دون تَحَرٍّ كالحسن البصري وعطاء بن أبي رباح . 1ـ كتاب المراسيل للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السِّجِسْتَانيّ . 2ـ كتاب المراسيل للإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي . 3ـ جامع التحصيل في أحكام المراسيل للحافظ أبي سعيد العَلاَئي . 4ـ تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل للحافظ أحمد بن عبدالرحيم بن الحُسَيْن العراقي . خامساً : الحديث المدلَّس وسُمِّيَ بذلك لأنّ أمره يختلطُ ويُظْلِمُ ويَخفَى على الواقف عليه والباحث عنه( ) . القسم الأول : تدليس الإسناد تعريفـه : هو أنْ يرويَ الراوي المدلِّسُ عمّنْ لَقِيَه وسمع منه ، أو عمَّن عاصره ولم يلقه حديثاً لم يسمعه منه ، وقد فرَّق شيخُ الإسلام ابنُ حَجَر العسقلاني بين رواية المدلِّس عمّن لقيه ، وجعل روايته عمّن عاصره ولم يلقه إرسالاً خفيَّاً( ) . أنواع تدليس الإسناد : لقد فرّع العلماء من هذا التدليس فروعاً منها : 1ـ تدليس القطع : هو أنْ يسقطَ الراوي المدلسُ أداةَ الرواية ، مثل : ما ذكره علي بن خَشْرَم قال : كنَّا عند سفيان بن عُيَيْنة فقال : الزُّهْرِي ، لم أسمعُه من الزُّهْري ولا ممّن سمعه من الزُّهْري ، مثل : ما قاله الحاكم أبوعبدالله النَّيْسَابوري : حَدَّثُونا أنَّ جماعةً من أصحاب هُشَيْمٍ(يعني : ابن بَشِير) اجتمعوا يوماً على ألاّ يأخذوا منه التدليس ، وقد عَلَّق الدكتور نور الدين عتر على هذا المثال بقوله : "أي أنّه أضمرَ في الكلام محذوفاً كما فسّر عبارته "( ) . القسم الثاني : تدليس التسوية فيأتي المدلسُ الذي سمع من الثقة الأول(غيرِ المدلِّس) فيسقط شيخ شيخه الضعيف ، ومِنْ أشهر مَنْ عُرِف بهذا النوع من التدليس بَقيّة بن الوليد والوليد بن مسلم . القسم الثالث : تدليس الشيوخ فغيّر اسمه أو كُنْيَتَه أو نَسَبَه أو حاله المشهور من أمره ؛ أو أنْ تكون أحاديثُه عنه كثيرةً فلا يحب تكرار الرواية عنه فيغيِّر حاله التي اشْتُهِر بها . مثال يجمع بين تدليس التسوية وتدليس الشيوخ قال الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي : سمعت أبي ـ وذكر الحديث الذي رواه إسحق ابن رَاهُوَيْه عن بَقِيَّة (ابن الوليد) ـ قال : حدّثني أبو وَهْب الأَسَدي قال :حدثنا نافع عن ابن عمر قال : "لا تَحْمَدُوا إسلامَ امرئٍ حتى تعرفوا عُقْدة رأيه" . وقال العلائي : وقد روى هذا الحديثَ محمدُ بن المسيّب الأرغياني عن موسى بن سليمان عن بقيّة عن عبيدالله بن عَمْرو عن إسحق بن أبي فروة عن نافع به ، فقال : وهذا من شعبة إفراط محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير منه( ) . ولكنّ درجات كراهة التدليس تختلف من نوع إلى آخر على النحو التالي : أولاً : حكم تدليس التسوية : هو أفحشُ أنواع التدليس وشرّها ؛ 2ـ ولأنَّ فعل المدلِّس يتسبّب في وصف شيخه بتدليس هو بريئ منه . ثانياً : حكم تدليس الإسناد : يأتي في الدرجة الثانية من حيث الكراهة بعد تدليس التسوية . ثالثاً : حكم تدليس الشيوخ : يُعْتَبَر أخفَّ وأقلَّ كراهةً من القسمين السابقين ، ولكنّ هذه الكراهةَ تختلف باختلاف قصد المدلِّس على النحو التالي : 1ـ فإنْ كان لتغطية الضّعَف في الرّاوي فهو شرّ هذا النّوع . أو روايته أحاديث كثيرة عن ذلك الشيخ الذي دلّس عنه فامتنع من تكرار هذه الرواية عنه ، اختلف علماء الحديث في قَبول حديث الراوي المدلِّس فمنهم من شدّد فجرّح هذا الراوي المدلِّس ولم يقبل حديثه مطلقاً ، وقد ذكر الإمام الشافعي أنّ هذا الحكم جارٍ فيمن دلَّس ولو لمرةً واحدة( ) . وممّا يدلّ على صحّة رأي جمهور المحدّثين وترجيحه أنّ في الصحيحين كثيراً من المدلّسين مثل : قتادة بن دِعَامة السَّدُوسي وسفيان الثوري وسفيان بن عُيينة وغيرهم ؛ أمّا إنْ كان من الطبقة الخامسة فحديثه مردود مطلقاً سواء صرَّح بالسمَّاع أو لم يُصرح لأنّ هذا الراوي المدلّس ضُعِّف بأمر آخر . طرق معرفة التدليس : يمكن معرفة التدليس في الحديث بأحد أمرين هما : 2ـ نصُّ واحد أو أكثر من أئمة الحديث على ذلك التدليس . أشهر المصنفات في التدليس والمدلسين 1ـ التبيين لأسماء المدلسين للخطيب البغدادي توفَّى سنة 463هـ . 2ـ نفس العنوان السابق لسِبْط بن العَجَمي توفَّى سنة 841 هـ . 3ـ كتاب المدلسين للحافظ أبي زرعة العراقي توفَّى سنة 826 هـ . 4ـ تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس(المشهور بطبقات المدلسين) للحافظ ابن حجر العسقلاني توفَّى سنة 852هـ .