والوثائق هي الآثار التي خلفتها أفكار السلف وأفعالهم . والقليل جداً من هذه الأفعال والأفكار هو الذي يترك آثاراً محسوسة ، وكل فكرة أو فعل لا يخلف أثراً ، هو أمر ضاع على التاريخ : كأن لم يكن البتة . إذ لا بديل عن الوثائق : وحيث لا وثائق ، ولكي نستدل استدلالا صحيحاً من وثيقة على الواقعة التي هي أثرها ، لا مناص من اصطناع ألوان من الحيطة سنكشف عنها فيما بعد . ومن الواضح أن أي فحص نقدى وأى تأويل للوثائق يسبقه التساؤل عما إذا كان ثم وثائق ، فإذا تراءى لى أن أعالج نقطة تاريخية (1)، فإني أتلمس الموضع أو المواضع التي ترقد فيها الوثائق الضرورية لمعالجتها ، على فرض وجودها . فالبحث عن الوثائق وجمعها قسم من الأقسام الرئيسية المندرجة في مهمة المؤرخ يأتي منطقياً في المرتبة الأولى . - وهل ثم حاجة إلى إثبات ما للهور سطيقا من أهمية عظمى ؟ كلا ، فمن البين أن هذا العمل إذا إذا . قبل البدء في عمل تاريخي ، كيف يحيط نفسه بكل المعلومات الميسرة له ، فإنه يزيد بسهولة من مزالق خطر العمل على أساس وثائق غير كافية ( وهى مزالق وفيرة العدد ، مهما بذل من جهد : فكأين من عمل من أعمال التحصيل érudition أو التأريخ عولج وفقاً لقواعد أدق المناهج قد أفسده ، أمر مادى بسيط هو أن المؤلف لم يقف على وثائق كان من شأنها أن توضح تلك التي كانت في متناول يده واقتصر عليها ، وإن كان الفتى الساذج فجنر لا يزال على صواب حين قال : ما أشق الظفر بأسباب الوصول إلى الأصول (۲) ! ولتحاول أن نفسر لماذا كان تحصيل الوثائق ، لا يزال حتى اليوم أمراً عزيز المنال برغم ما تم من تقدم في هذا المضمار منذ قرن من الزمان ، وكيف أن هذه العملية يمكن تبسيطها فيما بعد ، (1) إن الألى قاموا بأولى المحاولات لكتابة التاريخ وفقا للمصادر ، فإن كان الأمر أمر رواية أحداث حديثة نسبياً لم يمت بعد كل شهودها ، كان ثم وسيلة هي سؤال الأحياء من الشهود . وعلى هذا النحو سار ثيو كيديدس (۱) وفرواسار (۲) وغيرهما منذ العصر القديم حتى يومنا هذا . فإن مؤرخ الشاطيء الكاليفورني للمحيط الهاديء ، حينما انتوى جمع مواد تاريخ لا يزال بعض العاملين فيه أحياء ، فإنه لم يدخر وسعا في شيء ، بل عباً جيشاً من المخبر بن لكي يستلوا منهم الأحاديث إما إذا اتصل الأمر : بأحداث قديمة ، لم يستطع أحد من الأحياء رؤيتها ولم تحتفظ الروايات الشفهية بأية ذكرى عنها ، فلا وسيلة إلا جمع الوثائق من مختلف الأنواع ، الوثائق المتصلة بالماضي البعيد الذي يعنى المؤرخ بالبحث فيه . والمحفوظات Archives سرية ، ينكروفت حوالى سنة ١٨٦٠ في كاليفورنيا شبيها بموقف الباحثين الأولين في بلادنا في الماضي ، وقد تدبر الأمر على النحو التالي . وفاوض الأسر والنقابات التي أحوجتها الخصاصة لشراء محفوظاتها أو الإذن بانتساخها على يد نساخين يعملون لحسابه . بيد أن هذه العملية السريعة ذات الطابع الأمري یکی لم تتهيأ إلا مرة واحدة بما فيها من مثابرة وما تيسر لها من وسائل كفلت نجاحها ، أما في ظروف أخرى وأزمان أخرى فلعلها كانت تكون غير مقبولة . ولم تسر الأمور على هذا النحو ، ففي عصر النهضة كانت وثائق التاريخ القديم والتاريخ الوسيط . شقتة في عديد من المكتبات الخاصة ومن خزائن المحفوظات ، وهي أما كن كادت أن تكون كلها حرما لا يباح ، فضلا عن تلك التي ظلت مدفونة لا يعلم أحد من أمرها قتيلا . هنالك كان من المستحيل مادياً الحصول على ثبت بكل الوثائق المفيدة في إيضاح أمر من الأمور (مثلا ، ثبت جميع المخطوطات الباقية المؤلف قديم ) وحتى لو تمت المعجزة فظفر المرء بمثل هذا الثبت فقد كان من المستحيل الرجوع إلى كل هذه الوثائق ودراستها إلا بفضل الأسفار والنفقات واستنفاد مالا ينتهى من الوسائل. 1 - ذلك أنه لما كانت الهور سطيقا تنطوي على صعوبات يعز تذليلها ، الذين لم يتمكنوا أن يستخدموا كل الوثائق ولا أفضلها بل ما تيسر لهم منها ، ولم يعد لأعمالهم من فائدة إلا بالقدر الذي استعانوا فيه بوثائق صارت مفقودة اليوم . ۲ والعلماء المحصلون والمؤرخون الأول الذين على علم صحيح نسبياً هم أولئك الذين يسرت لهم مناصبهم أن يلجوا حرم خزائن الوثائق الغنية : وهم أمناء المكتبات والمحفوظات ورجال الدين والحكام ، ممن كانت الطرقهم أو جماعاتهم مكتبات أو محفوظات ظاهرة البراء (1) . أجل إن طائفة من الجماعين قد كونوا لأنفسهم ، ذلك أن هذا الكاليفورني لم يجمع إلا الوثائق المتصلة بموضوع . معين ( تاريخ بعض ولايات الباسيفيكي ) ، أما غالبية الجماعين الأوربيين فقد اقتنوا قطعاً وبقايا وشذرات من كل نوع ، وقدراً صغيراً جداً من الوثائق لو قورن بالمقدار الهائل من الوثائق التاريخية التي وجدت في عصرهم . يضاف إلى هذا أن هؤلاء الجماعين من أمثال بيرسك Peiresc وجنيير Gaignières وكلير نبو Clairambault وكولبير . Colliert وكثيرين غيرهم لم ينتزعوا من السوق ما كان من الوثائق معرضاً للضياع ابتغاء جعله منفعة عامة : بل اكتفوا ( وهذا أمر جدير وحده بالثناء ) بتيسير الاطلاع عليها لأصدقائهم ، بيد أن هوى الجماعين ( وورثتهم ( هوى قلب ، أجل إن الأفضل أن تكون الوثائق مصونة في مجموعات يملكها أشخاص من أن تكون عرضة لتقلبات الأحداث والأيام أو بعيدة تماما عن الاستطلاع العلمي ، كيما تكون الهور سطليقا ميسرة تماماً ، هو أن تكون كل مجاميع الوثائق من المنافع العامة (1) . ومن الطبيعي أن تكون أجمل مجامع الوثائق التي يمتلكها أفراد سواء منها خزائن الكتب والمتاحف - هي في أوربا منذ عصر النهضة تلك التي يقتنيها الملوك . مفتوحة كلها تقريباً أو شبه مفتوحة لاستعمال الجمهور. وبينما كانت المجاميع الأخرى المملوكة للأفراد تصفى غالباً بعد وفاة أصحابها ، فإن هذه المجاميع الملكية كانت على العكس من ذلك في ازدياد مستمر . وهي قد جمعت بفضل ملوك فرنسا الذين سمحوا للجمهور بالاطلاع عليها ، والحال كذلك : في بقية البلدان . وما كان حشد العدد الهائل من الوثائق التاريخية في منشئات عامة واسعة ، و تمت عامل آخر أبلغ أثراً في إصلاح الأحوال المادية للأبحاث التاريخية، قد هيأت مصادرة مقدار زاخر من المحفوظات الخاصة والمجاميع المملوكة للأفراد، صادرتها بالقوة الحساب الدولة ، أعنى الحساب الجمهور كله ، مثل المحفوظات والمكتبات والمتاحف التي كان يملكها التاج ، والمحفوظات والمكتبات التي كانت في حوزة الأديرة والنقابات التي ألغيت ، فعندنا ( في فرنسا ) ، وضعت الجمعية التشريعية في سنة ١٧٩٠ في يد الدولة كمية ضخمة من خرائن الوثائق التاريخية كانت قبل مشتتة ومحرمة بطرق متفاوتة على استطلاع العلماء المحصلين ، سواء منها ما تم في إبان الحكم القديم أو بفضل المصادرات التي تمت في عهد الثورات ، ذلك أن الجماع هو ، أو بالأحرى قد كان غالباً في العهد الماضي ، فكان لا يتردد - من أجل تنمية مجموعاته بالقطع والبقايا النادرة - في تشويه التماثيل وتمزيق المخطوطات وتشتيت شمل المحفوظات ، كذلك كان الأعمال الثورات من مصادرة ونقل نتائج ضارة جداً ، قامت لدى القوم فكرة بائسة هي إجراء عملية «غربلة » منظمة ، فلا يحتفل إلا بالوثائق المهمة » أو « المفيدة » ، وهذه الغربلة قد دفعت أناساً ممتلثين بالنوايا الطبيبة لكنهم كانوا منهو كين بالعمل ، دفعتهم إلى إحداث تخريبات في محفوظاتنا القديمة لا سبيل إلى تداركها : وبين العاملين اليوم نفر يتوفر - وهذا أمر يقتضى مالا ينتهى من الزمان والصبر والعناية - يتوفر على إعادة تكوين الذخائر المبددة ورد الشذرات المعزولة التي بددت شملها الحماسة الطائشة التي امتلأت بها نفوس أولئك الذين عالجوا الوثائق التاريخية بهذه الوحشية في ذلك الحين، ومع ذلك فيجب أن نعترف بأن التشويهات التي أحدثها الجماعون إبان النظام القديم والتي سببتها أعمال الثوار ليست شيئاً يذكر إذا ما قورنت بتلك الناشئة عن المصادفات وعن آثار الزمان الطبيعية . فإن لدينا مع ذلك ما يعوض عنها ، لدينا فائدتان من الطراز الأول مهما قلنا فلن نبالغ في إبراز قيمتهما : (1) الأولى تركيز وثائق كانت مشتتة بل شبه مفقودة في أماكن عديدة ، تركيزها في خزائن قليلة العدد نسبياً ، (۲) والثانية إذاعة هذه الوثائق . فما بقى من الوثائق التاريخية القديمة بعد أحداث الدهر ودمار المدمرين قد أصبح من ذلك الحين في حمى أمين : مرتباً ميسور التناول ومعدوداً ملكاً للمجتمع. كذلك كان الأعمال الثورات من مصادرة ونقل نتائج ضارة جداً ، قامت لدى القوم فكرة باشة هي إجراء عملية « غربلة » منظمة ، فلا يحتفل إلا بالوثائق ه اللهمة ، وهذه الغربلة قد دفعت أناساً ممثلثين بالنوايا الطبيبة لكنهم كانوا منهوكين بالعمل ، دفعتهم إلى إحداث تخريبات في محفوظاتنا القديمة لا سبيل إلى تداركها : وبين العاملين اليوم نفر يتوفر - وهذا أمر يقتضى مالا ينتهى من الزمان والصبر والعناية - يتوفر على إعادة تكوين الذخائر المبددة ورد الشذرات المعزولة التي بددت شملها الحاسة الطائشة التي امتلأت بها نفوس أولئك الذين عالجوا الوثائق التاريخية بهذه الوحشية في ذلك الحين، ومع ذلك فيجب أن تعترف بأن التشويهات التي أحدثها الجماعون إبان النظام القديم والتي سببتها أعمال الثوار ليست شيئاً يذكر إذا ما قورنت بتلك الناشئة من المصادفات وعن آثار الزمان الطبيعية . فإن لدينا مع ذلك ما يعوض عنها ، لدينا فائدتان من الطراز الأول مهما قلنا فلن تبالغ في إبراز قيمتهما : (1) الأولى تركيز وثائق كانت مشكلة بل شبه مفقودة في أماكن عديدة ، تركيزها في خزائن قليلة العدد نسبياً ، (۲) والثانية إذاعة هذه الوثائق . فما بقى من الوثائق التاريخية القديمة بعد أحداث البحر ودمار المدمرين قد أصبح من ذلك الحين في حمى أمين : مرتباً ميسور التناول ومعدوداً ملكا للمجتمع . فالوثائق التاريخية القديمة قد جمعت إذن وحفظت اليوم ، في هذه المؤسسات العامة التي تسمى دور المحفوظات ودور الكتب والمتاحف . لأنه على الرغم مما تقتنيه دور المحفوظات والكتب والمتاحف كل عام ، بأجر أو بدون مقابل ، منذ عهد طويل في العالم كله ، ووثائق لا تزال متداولة بين الناس. لأنه استثناء يمكن إعماله. وكل الوثائق القديمة - وعددها ضئيل - التي لا تزال تهيم شاردة سينتهى بها الأمر ، إلى الإقامة بمؤسسات الدولة ، ألا تكون مستودعات الوثائق ( دور المحفوظات ودور الكتب والمتاحف ) كثيرة العدد جداً ، ولقد قلنا إنه من من الحظ أنها اليوم أقل جداً مما كانت عليه منذ مائة عام، فهلا يمكن العمل على زيادة تركيز الوثائق وقد تبيت فائدة هذا التركيز للباحثين ؟ أولا يوجد بعد مستودعات يخفي وجه المحكمة في بقائها مستقلة حتى الآن ٢ ربما صح هذا (٢) ، يد أن مشكلة تركيز الوثائق لم تعد من الخطورة المتطلبة للحل السريع منذ أن تحسنت وسائل الاستنساخ وخصوصاً منذ أن استقرت عادة تلافي أضرار تعدد المستودعات بواسطة جعل الوثائق نفسها تنتقل : فقى وسع المرء اليوم أنه يراجع ، في المكتبة العامة بالمدينة التي يقطن فيها ، وثائق في حوزة مكتبات سان بطرسبرج وبروكسل وفير نفسه مثلا، ومكتبة ميجان Mejames بمدينة إكس في البروفانس. ب) ولما كان معظم الوثائق التاريخية محفوظاً اليوم في مؤسسات عامة ) دور محفوظات ومكتبات ومتاحف ) ، فإن الهورسطيقا لن تكون ميسورة تماماً إلا إذا وصمت أثبات وصفية لكل مستودعات الوثائق الموجودة ، وكانت هذه الأثبات مشفوعة بلوحات وفهارس أو كانت لها كشافات عامة ( أبجدية ، وإلا إذا كان من الممكن مراجعة المجموعة الكاملة لكل هذه الأثبات ، فهناك أولا مستودعات وثائق ) دور محفوظات ومكتبات ومتاحف ) لم يوضع لها ثبت ، لذا لا يعرف الناس شيئاً عما يوجد فيها والخزائن التي يوجد لدينا عنها أثبات وصفية كاملة ، ولا يزال كثير من المجاميع المحفوظة في مؤسسات مشهورة ، كم من فروق بين الأثبات التي وضعت من قبل فمنها قديم لا يتفق أحياناً مع التصنيف الحالي للوثائق ، ولا يمكن الإفادة منه دون لوحات مقارنة ، على دفاتر تسجيل أو في جذاذات ، والكثير منها تسرع فيه وجاء موقتاً وغير واف، أين يمكن الاطلاع على الأثبات الموجودة بسهولة ؟ إن معظم المكتبات الكبرى لا علك منها إلا مجموعات ناقصة ، وتلك حال تدعو إلى الأسف البالغ ، فالوثائق التي تضمها المستودعات والخزائن التي لم تفهرس هي وثائق كأنها ليست لكل الدارسين ، الذين لا يجدون مقسماً من الفراغ كيا يقوموا هم أنفسهم باستقصاء هذه الخزائن والمستودعات . ولقد قلنا : حيث لا وثائق ، بيد أن عدم وجود أثبات وصفية بخزائن الوثائق معناه عملياً استحالة العلم بوجود وثائق اللهم إلا مصادفة . قلقل إذن إن تقدم ( البحث في ) التاريخ يتوقف شطر كبير منه على تقدم ( العمل في ) ثبت عام بالوثائق التاريخية ، وهو عمل لا يزال حتى اليوم موزعاً ناقصاً ، فالأب برناردي مونفوكون كان بعد كتابه المكتبة الجديدة المكتبات المخطوطات » - وهو مجموع من فهارس المكتبات - وأكثر المؤلفات التي صنفها فائدة ونفعاً . وقد كتب أرنست رجان في سنة ١٨٤٨ يقول : « في المرحلة الحالية للعلم الحاجة أمس ما تكون إلى فهرس نقدى للمخطوطات في مختلف المكتبات . وقد يخيل الناس أن هذا عمل متواضع تماماً . وبرغم ذلك فإن الأبحاث التحصيلية ستظل معوقة وناقصة إلى أن يتم هذا العمل بطريقة نهائية » ، ماير ) : و كان سيكون لدينا كتب أفضل عن آدابنا القديمة ، قال ربنان ) : « وإلى لأوكد أن بضع المئات من آلاف الفرنكات التي يمكن أن يخصصها وزير العارف لهذا العمل ( وهو وضع الفهارس ) سيستفاد منها فائدة أكبر مما تفيده ثلاثة أرباع المبالغ التي تخصص الآداب » . من الوزراء المقتنعين بهذه الحقيقة والعاملين على مقتضاها ، ومن ناحية أخرى يلاحظ أنه لم يكن حقاً دائماً أنه الحصول على أثبات جيدة يكفى - وإن كان من الضروري - أن تبذل تضحيات مالية : تفسير المناهج لوصف الوثائق لم توضع وتثبت إلا حديثاً ، فإن تعبئة العاملين المختصين - وهي مسألة لم تعد اليوم على جانب كبير من المشقة . في العهد الذي كان فيه العاملون المختصون نادرين . لكن النمر عابرين بالمصاعب المادية : من فقر في المسال وفقر في الرجال ، فإن تمت سببا آخر كان يعمل عمله . فإن الموظفين المكلفين بإدارة شئون خزائن الوثائق لم يبدوا من الحاسة دائماً ما يبدونه اليوم من أجل الكشف عن مقتنياتها بواسطة أثبات صحيحة ، فإن وضع الأثبات ( كما توضع اليوم : دقيقة وموجزة معاً ) عمل شاق ، وفي وضع أفضل من الجهور للمراجعة والتحقيق في الوقت الذي لا يوجد فيه أي ثبت ، سنقول : كاين من رجل هذا شأنه قد آثر أن يعمل لحسابه الخاص أولى من أن يعمل الغيره ، وأن لا يقوم بتحرير فهرس هذا التحرير المرهق - إلا بعد أن يقوم بأبحاثه الشخصية . فمن ذا الذي يكتشف اليوم وبنشر أكبر قدر من الوثائق ؟ إنهم الموظفون الملحقون بخزائن الوثائق . وليس من شك في أن هذا الأمر قد كان من شأنه تعويق تقدم العمل في الأثبات العامة للوثائق التاريخية . وقد وجد فعلا أن الذين يمكنهم الاستغناء عن الأثبات هم أنفسهم أولئك الذين كانت تفرض عليهم وظائفهم أن يقوموا بوضعها . ولقد كان النقص الأثبات الوصفية نتائج خليقة بالتنويه - فمن ناحية يلاحظ أنه ليس في وسع أحد أن يقطع بأنه استنفد كل مصادر الأنباء : فمن ذا الذي يعرف ما تدخره الخزائن والودائع غير المفهرسة ؟ ومن ناحية أخرى يضطر المرء، من أجل الحصول على أكبر قدر من المعلومات ، أن يكون على علم حميق الايبادر التي بدورها البحث العنيد في الهور سطبقا ، وأن يكرس زمناً طويلا الأبحاث التمهيدية والواقع أن من يرى إلى جميع الوثائق الدراسة ناحية من نواحی التاريخ : بدأ باستشارة ارة المراجع والأثبات : (1) والناشئة يأخذون في هذا السل الرئيسي فينا بهم من التقصير والتواني والمشقة ما يثير عند الخبراء المجربين الانتسام العريض أو الرثاء والرحمة ، فالذين يقسمون وهم يرون الناشئة بضطربون ويتعثرون جاهدين مضيمين الوقت في شق الطريق وسط الأثبات ، يقولون لأنفسهم إنهم هم أيضاً قد مروا بتجارب مماثلة : ولكل دوره. والذين يأسفون وهم يرون هذه المضيعة للوقت والقوى يحسبون أنه وإن كان هذا أمراً لا مفر منه إلى حد ما ، فإنه لا جدوى فيه : فيتساءلون ما إذا لم تكن ثم وسيلة لتيسير تعلم الهورسطيقا على نحو أفضل فلا يبذل فيه ما بذلوا هم فيه من قبل من جهد وعناء . في الوضع الراهن لأدوات البحث ، وهل أقل عدداً وأوفر حظاً من العناية والدرس ، هي أفضل تبويباً وفهرسة من غيرها ) ، وبعض الأعمال التاريخية تفترض ، ليس فقط الاستشارة المتواصلة للأثبات ( وليست كلها مزودة بالفهارس ) ، بل التجربة أثبتت أن المنتظر من هذه الأبحاث الشاقة جداً التي لا بد من القيام بها قبل الخوض في عمل أرفع - قد صرف ولا يزال يصرف عقولاً ممتازة عن ميدان البحث التاريخي التحصيل. فالمره في الواقع بين إحدى خصلتين : فإما أن يشتغل على أساس وثائق من المحتمل جداً أن تكون ناقصة ، أو أن يستغرق نفسه في فحوص لا تنتهى ، ونتائجها لا يلوح غالباً أبداً أنها تتكافاً مع ما أنفق فيها من وقت، أو ليس مما يدعو إلى النفور أن يعضى المرء شطراً كبيراً من عمره في تصفح فهارس بلا لوحت ، أو في أن يكنس بعينيه كل القطع التي التي تشتمل عليها مجاميع من من المختلفات غير المفهرسة ، يكنها الواحدة تلو الأخرى كيا يحصل على معلومات إيجابية أو سلبية) كان في وسع المرء أن يظفر بها في الحظة واحدة لو كانت هذه المجاميع ذوات فهارس ، وكانت الفهارس لوحات ؟ إن أخطر نتيجة من نتائج النقص في أدوات الهورسطيقا الحالية هي قطعاً تنبيط همة كثير من الرجال الأذكياء ، الذين هم على شعور بقيمتهم وبالنسبة الحقيقية القاعة بين المجهود والمكافأة. ولو كان في طبيعة الأشياء أن يكون في البحث عن الوثائق التاريخية في الخزائن العامة ما لا يزال فيه حتى اليوم من مشقة ، نفقات في الوقت وفي العمل ، ولا شيء يمنع من أن تكون الحال على أتم ما تكون . - وهذا يقضى بنا ، إلى التحدث بإيجاز عن العلاج. إننا نحس بأعيننا كيف تتحسن أدوات الهورسطيقا يوماً بعد يوم ، ففي كل عام يزداد مقدار الأثبات الوصفية المحفوظات والمكتبات والمتاحف ، مما يعنى بوضعه الموظفون في هذه المؤسسات، ومن ناحية أخرى تقوم جمعيات علمية قوية بتكليف مشتغلين مختصين بفهرسة الوثائق يتنقلون بين جميع الخزائن ليستخرجوا منها كل الوثائق الداخلة في موضوع معلوم ، أو المتصلة بموضوع واحد : فعلى هذا النحو كلفت جماعة البولانديين (۲) مبعوثيها بعمل فهرس عام الوثائق المتصلة بأخبار القديسين الموجودة في مختلف المكتبات، كما عملت الأكاديمية الامبراطورية في قيدا على إتحاد فهرس الآثار الأدبية ، وجمعية الآثار التاريخية الجرمانية قد أنشأت منذ عهد بعيد تحقيقات واسعة من هذا النوع ، وأمثال هذه التحقيقات في متاحف أوربا ومكتباتها جميعاً هي التي جعلت من الممكن آنذاك وضع و محصل النقوش اللاتينية ، وأخيراً نجد كثيراً من الحكومات قد أخذت على عاتقها أن ترسل إلى الخارج أشخاصاً مكلفين يوضع أثبات بالوثائق التي تهم هذه الحكومات ، قبل هذا النحو تمنح انجلترا وهولندة وبلجيكا وسويسرة والولايات المتحدة إلخ منحاً مالية منظمة العملائها الذين يفهرسون وينسخون ، الوثائق المتصلة بتاريخ انجلترا وهولندة وبلجيكا وسويسرة والولايات المتحدة ، إلى أي مدى من السرعة في الإنجاز والكمال في العمل يمكن تحقيق هذه الأعمال النافعة اليوم ، واستعين فيها بعدد من المشتغلين الأكفاء الذين يوجهون توجيها صالحاً ويكافأون بالمال على أعمالهم ؟ - هذا ما يبينه تاريخ وضع و فهرس عام بالمخطوطات الموجودة في المكتبات العامة بفرنسا : فقد بدى، ولو جرى الأمر على هذا النحو في وضع ومحصل النقوش اللاتينية ، والنتائج التي ظفرت بها جماعة البولانديين والأكاديمية الإمبراطورية في قينا ليست أقل على هذا دلالة . إذ يكفى قطعاً أن يتكلف الناس المؤونة لتجهيز الدراسات التاريخية في مدى قصير بوسائل البحث اللازمة. والمنهج للعمل قد أصبح محدداً ، وسيكون من الميسور إيجاد العاملين المختصين . - وهذه الهيئة العاملة ستتألف ، من جماعة أغلبها من أمناء المحفوظات والمكتبات والموظفين ، وكذلك من المشتغلين الأحرار ذوى العزم الصادق على صنع القهارس ولوحات الفهارس . وهؤلاء العاملون أكبر عدداً مما يخيل إلى الرء لأول وهلة ، لا لأن عمل الفهارس أمر هين : وإنه الأمر يقتضى الصبر والانتباه الأدق والتحصيل arudition الأوسع، ولكن لأن كثيراً من العقول تلذ لها الأعمال التي من هذا النوع لأنها أعمال محددة ، قابلة ! لأن : تنجز على نجو نام ، و وبين الأسرة الكبرى للنوعة المسكونة من أولئك العاملين على تقدم الدراسات التاريخية ، يحتل واضعو الفهارس الوصفية والأثبات مكانة خاصة . وإلى أن تتضح في الأذهان الفائدة المرجوة من إحصاء الوثائق التاريخية في كل البلدان إحصاءاً عاماً ، هناك علاج موقت نشير به هو : أن من الواجب أن يحيط العلماء المحصلون والمؤرخون ، إحاطة دقيقة بمال أدوات البحث التي في متناولهم ، وأن يكونوا على علم متجدد بما يدخل على هذه الأدوات من إصلاح . - ولقد طالما ركن القوم إلى التجربة أني اتفقت ، فضلا عن أنها لا تحصل إلا بنفقات باهظة كما قلنا ، هي بمثابة فهارس . وقليل من أعمال المراجع له من النفع العام ما لذلك العمل. بيد أن العلماء المحصلين والمؤرخين كثيراً ما يكونون في حاجة إلى معلومات عن الوثائق لا تهيؤها الأثبات والفهارس الوصفية عادة ، والتي تؤلف من وجهات نظر واسعة التباين ، هي و كشافات أثبات الوثائق الأصلية ، على أساس أنها أدوات لا غنى عنها المورسطيقا . وكشافات المراجع بالمعنى الحقيقي ) مع التنبيهات الملائمة. حتى يوفر على جمهور الدارسين الوقت والأخطاء - هذا هو موضوع ما يحق لنا أن نسميه ، باسم «علم الكشافات . . وقد وضع ارنست برنهيم أوليا لهذا العلم ، حاولنا نحن التوسع فيه (٣) . وهذا المجمل الموسع تاريخه في نیان ۱۸۹۶ : ومع ذلك فقد أصبح في حاجة إلى زيادات عديدة ، والعلم بالكشافات على مفيد للجميع ، والبحث التمهيدي عن الوثائق عمل شاق عند الجميع ، فبعض أقسام التاريخ ، قد بلغ مرتبة من النضوج جعل من الممكن القيام الآن بالعمل التأريخي في هذه الأمور داخل مكتب المؤرخ ، بعد أن أصبحت الوثائق المحفوظة كلها معروفة مجموعة مصنفة في نشرات كبيرة خاصة، وهناك كتب مفردة مهمة تقوم على أساس عدد قليل من الوثائق ، على نحو لا يجعل ثم حاجة إلى البحث عن غيرها في مظان أخرى ، وفي مقابل هذا تشاهد رسالة مفردة متواضعة ، قد اقتضت مراجعات وإجراءات و انتقالات لا نهاية لها . فيمكن أن نضع بمثابة ميدا أنه : التحقيق فصل جديد حقاً اليوم من فصول التاريخ الوسيط أو الحديث لا بد من التردد المتواصل على الخزائن الكبرى التي تحتوى على وثائق أصلية ، ولا بد من إنهاك الفهارس ، إذن بكل عناية موضوع أعماله ، بدلا من أن يترك الأمر تحت رحمة الصدف . فمن الموضوعات مالا يمكن ، في الحالة الراهنة التي عليها أدوات البحث ، لا لشيء إلا بفضل إصلاح أدوات البحث . عن قصد وروية ومعرفة بالعلة أو القضية ، وفقاً لكون بعض كشافات الوثائق وبعض كشافات المراجع توجد أو لا توجد ، ووفقاً لكون الدارس يميل أو لا يميل إلى العمل في المكتب أو إلى التنقيب في الخزائن ، وكذلك وفقاً لكونه لديه أو ليس لديه الوسائل التردد بسهولة على بعض الخزائن - ولقد تساءل رينان في مؤتمر الجمعيات العلمية المنعقد السوريون سنة ۱۸٨٩ ، قائلا : ( أيمكن العمل في الأقاليم ؟ » . وأجاب عن نفسه بحكمة تامة قائلا : و إن نصف العمل العلمي ، يمكن أن ين ينار في داخل المكتب . والنضرب مثلا بالفيلولوجيا المقارنة : فبنواد أولية قدرها بضعة آلاف من الفرنكات ، والاشتراك في ثلاثة أو أربعة مجاميع خاصة ، يمكن الظفر بكل الأدوات الضرورية . وإن عدداً ضخما جداً من فروع الدراسة ليمكن أن يعالج على هذا النحو بطريقة شخصية تماماً ، لكن هناك ودراسات نادرة وخاصة ، وأبحاثاً تقتضى أدوات قوية . إن نصف العمل التاريخي يمكن ، فالأمر في التاريخ كالأمر في الجغرافيا : لدينا عن بعض مواطن الأرض وثائق مصنفة في نشرات ميسرة تكفى لتيسر للمرء التفكير تفكيراً مثمراً وهو إلى جوار موقد النار دون أن يتحمل عناء الانتقال ، بينما نجد من ناحية أخرى أن أقل رسالة مفردة عن إقليم غير مستكشف أو أسيء استكشافه تقتضى بذلا هائلا من القوى المادية وإنفاقاً الزمان طويل، وإن اختيار موضوع الدراسة دون تقدير لطبيعة الأبحاث التمهيدية التي يقتضيها ودون تقدير لمداها ، لهو أمر ينطوى على خطر : وكأين من نفر غرقوا طوال سنوات في أمثال هذه البحوث ، وكانوا أقدر على الإفادة لو أنهم اشتغلوا بأعمال من نوع آخر ودرءاً لهذا الخطر ، الأبلغ ضرراً بالنسبة إلى الناشئة بقدر ما هم أوفر نشاطا وأشد حماسة ، فإنه لا شك في أن الفحص من الأحوال الراهنة للمورسطيقا عامة ، هو أمر يعود بالفائدة الصالحة.