لم تكن شهادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الحوثيين مجرد تعليق عابر على تطورات البحر الأحمر، فالرجل الذي تتصدر بلاده خطاب الجماعة باعتبارها "العدو الأكبر"، وبحسب ما نقلته وسائل الإعلام، ومنذ ذلك الحين لم تواجه واشنطن مشاكل بسببهم، لكنه في الوقت نفسه رسم حدًا واضحًا بقوله: "لن نسمح للحوثيين بإغلاق البحر الأحمر. هنا تكمن المفارقة التي تكشفها شهادة ترامب؛ بل تكشف حدود العداء المعلن الذي بنت عليه الجماعة جانبًا كبيرًا من خطابها. فالجماعة التي رفعت شعار مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وجدت نفسها أمام حسابات القوة والردع تتعامل مع تفاهمات تحدد ما يمكن وما لا يمكن تجاوزه. فهناك فرق بين خطاب المواجهة الذي يُستهلك داخليًا، وبين السلوك العملي الذي تفرضه موازين القوة. لكنه يعني أن قواعد الاشتباك تخضع لحسابات المصالح والقدرة على الردع. الذي أعلن فيه ما وصفه بـ"حصار" المملكة العربية السعودية وتهديد الملاحة المتجهة إلى موانئها، لربما استمرت حالة الهدوء غير المعلنة بين واشنطن والجماعة فترة أطول. فمنذ التفاهم الذي أعقب الضربات الأمريكية، رغم استمرار تصنيفهم على قوائم الإرهاب. ويبدو أن الإدارة الأمريكية اختارت في تلك المرحلة التعامل مع الواقع العملي، والحكم على الأفعال لا الشعارات، ما دام البحر الأحمر لم يشهد هجمات مؤثرة تهدد حركة الملاحة الدولية، إذ إن الجماعة التي استفادت من مساحة الهدوء السابقة وضعت نفسها مجددًا أمام اختبار حقيقي: هل ستبقى في إطار الرسائل السياسية والإعلامية، أم ستنتقل إلى خطوات عملية قد تعيدها إلى دائرة المواجهة؟ مع إبقاء التهديد حاضرًا إذا تم تجاوز الخطوط الحمراء. فالرسالة الأمريكية حملت جانبين متلازمين: الأول أن حرية الملاحة في البحر الأحمر مصلحة استراتيجية غير قابلة للمساومة، وأن محاولة إغلاق هذا الممر الحيوي ستواجه برد حازم. وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، سارعت وسائل إعلام الحوثيين إلى بث أخبار توحي ببدء ترجمة التهديدات إلى واقع، في إطار معادلة "الحصار بالحصار". فالدول لا تبني قراراتها الكبرى على الخطابات، وفي النهاية، فإن شهادة ترامب تكشف مفارقة سياسية تتجاوز حادثة البحر الأحمر نفسها: فالجماعة التي بنت خطابها على فكرة المواجهة المفتوحة مع أمريكا وإسرائيل، وجدت نفسها أمام حدود فرضتها موازين القوة.