رغم التاريخ الطويل للاضطرابات المجتاحة للنمو، الا أن الاهتمام الطبي والنفسي بها قد ازداد في السنوات الأخيرة، حيث حظي التوحد تحديدا باهتمام خاص منذ نتائج دراسة كانر (Kanner). فقد توصل الى أن الاضطراب يتميز بالأعراض العيادية التالية: الانسحاب الاجتماعي، السلوك النمطي متفاوت الشدة، الحساسية العالية للمنبهات، ضعف الانتباه والفهم، ضعف المهارات اللغوية والادراكية رغم قوة الذاكرة. كما يؤثر الاضطراب على رغبة الطفل في تكوين المعرفة واكتشاف ذاته والعالم من حوله، ويؤدي نقص أو غياب اللعب التخيلي الإبداعي الى انتاج استجابات شاذة تثير انتباه الأسرة. وهو ما أثار العديد من التساؤلات حول كيفية التعامل مع الحالات، ويزيد هذا من الطلب على الرعاية المتخصصة لهذه الفئة. يبحث الخبراء عن آليات تسهل اندماج أطفال التوحد في البيئة المدرسية وفقا لقدراتهم من حيث التفكير والأداء الأكاديمي والقدرات الحسية. أجرت وزارة التربية والتعليم الجزائرية في الخمس سنوات الأخيرة تغييرات كبيرة على النظام التعليمي من أجل نقل تجربة الدمج الى المدارس الجزائرية، حيث أصدرت المنشور الوزاري رقم 01 بتاريخ 03/09/2019 المتعلق بإجراءات تعليم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (وزارة التربية الوطنية الجزائرية، مما ترجم اهتماما عالي المستوى بتوفير التعليم لهذه الفئة. ومن أولى دلالاته إطلاق مشروع التأهيل، الذي تم اعداده من هيئة التدريس خصيصا للدمج في المدارس. يقوم هذا المشروع على أنشطة فنية وتربوية وترفيهية تهدف الى تنمية المهارات الأكاديمية الأساسية المرتكزة على تصورات وخبرات المتعلم (وليد العيد، ساهم هذا المشروع في تكليف المعلمين بمهام جديدة من خلال مساعدة طفل التوحد على الاندماج في البيئة المدرسية؛ بتطوير المهارات اللغوية لبناء علاقات اجتماعية مع الأقران ومهارات الادراك الحسي لفهم المعلومات والاستفادة منها بشكل أفضل.انتشرت ثقافة اضطراب التوحد، وفكرة الدمج المدرسي لأطفال التوحد بشكل واسع في المجتمع في الآونة الأخيرة، الا أن المعلمين والآباء أعربوا عن شكوكهم بسبب غموض مضمون الدمج الفعلي، بما في ذلك الخدمات النفسية والتربوية، ووجود برامج تتضمن دروسا مكيفة مع فئة التوحد الناطق، مما أدى الى تردد بعض الأولياء في دمج أبنائهم. كما تثير أيضا الاختلافات في القدرات اللغوية والحسية والادراكية لأطفال التوحد تساؤلات أخرى، مثل مدى إمكانية التغلب على هذه الاعاقات والاضطرابات المدمجة في الاضطراب. قد يؤدي ذلك الى خلق واستغلال فرص الدمج المدرسي من أجل بث روح التنافس. قد يغير من تصورات المعلمين حول فكرة الدمج، نظرا لعدم وضوح المتطلبات ميدانيا، وحتى عن أثر اضطرابات المعالجة الحسية والادراكية في اعاقة عملية الدمج المدرسي لطفل التوحد أو لباقي التلاميذ في القسم الدراسي.