دار الحَدِيثُ بَيْنَنَا عَنِ الشَّرْقِ والغَرْب وَأَيُّهُما أَكْثَرُ تَكَالُنَا عَلَى المادَّةِ، فَقَالَ صديقي وَهُوَ رَجُلٌ مُكْتَمِلُ الثَّقَافَةِ لَا يُلْقِي الكَلامَ على دعني أروي لك حادثين وقعا لي مُنْذُ زَمَن لَيْسَ بالبعيد، أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةِ من قرى البقاع في لبنانَ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَفِي باريس. وَيَسْتَبْسِلُونَ فَأَجْيُن. هكذا اسْتَبْسَلْتُ ذات ليلة عاصفة، مُمْطِرة، ولكني كُنتُ أَتَخَيَّلُنِي سَائِرًا في الطَّرِيقِ وَحْدِي. ولكنني ما تَرَحْزَحْتُ عَنْ عَزمي، وأَرْقُبُ حِبَالَ المَطَرِ عَلَى أَنْوَارِ السَّيَّارَةِ، لقد كان في تلك الأنوار اللاهِئَةِ مَا يُغْرِي وَيَجْذِبُ، فَنَسِيتُ بعلبك، فقد كانت الأحاديدُ والأَوْحَالُ تَزْدادُ، وأن لا مناص لي مِنْ دَفع ثمن باهظ لشذوذي، وَزَادَ فِي حَالَتِي حَرَجًا أَنَّ مَصابيح السيارة الطفَأَتْ، وبَيْنَمَا أَنَا كَذلِكَ إِذَا بِأَنْوارٍ تَتَحَرَّكَ مِنَ القَرْيَةِ نَحْوِي إِنَّهُم قَوْمٌ أَمْضَوْا سَهْرَتَهم في هذه القَرْيَةِ، وما هي إلا ساعة حتى قدموا عشاءُ طَيِّبًا فَأَكَلْنَا، فَسَأَلْتُ عَنْ تَلِفُونَ) فَهَبْ ثَلَاثَةٌ مِنَ الشَّبانِ، ثُمَّ خَرَجُوا ، إِلَّا بَعْدَ سَاعَتَيْنِ آسفين؛ لأَنَّهم وَجَدُوا الخَطَّ مُعَطَّلاً، ولو عَرَفْتُ ذلك قَبْلَ لقد صُعِقْتُ حَجَلًا مِنْ أُولَئِكَ الشَّيَّانِ الَّذِينَ كَلَّفُوا أَنْفُسَهُمْ عَناءَ هذه المُهمَّة فِي لَيْلَةٍ كَتِلْكَ اللَّيْلَةِ، وفي سبيل خروجهم لما فتحت فمي بالسؤال عن (التلفون). ولكنني كَسَبْتُ إيمانًا بأن المُروءَةَ لَا يَزَالُ لَهَا رِجَالُها، وفي الصباح صحا الجو، وَقَلَّمَا كَانَ يَمْضِي أُسْبُوعٌ لَا أَحْمِلُ فِيهِ بَعْضَ الهدايا لكبار العائلة وصغارها، فَإِذا أَذْكُرُ أَنْ صَاحِبَ الفُنْدُقِ وَقَدْ كُنتُ وإِيَّاه نَتَخاطبُ مِنْ دُونِ كُلفة - احتاجَ مَرَّةً إِلَى مَبْلَغَ مِنَ المالِ لِتَسْدِيدِ وَعِنْدَما رَدَّهُ إِليَّ، ولم يعْرِفُ كَيْفَ يُعَبِّرُ لِي عَنْ شُكْرِه. وتِلْتُ شَهادتي، وَدَفَعْتُ كُلُّ ما عَلَيَّ من «حساب»، وأعطَيْتُ الخَدَمَ ما أَطْلَقَ أَلسنتهم بالثناء والدعاء، وأَرْفَتْ سَاعَةُ الرَّحيل وحَمَلَ الخَدَم حقائبي إلى السيارة الواقفة أمام الباب، وكان ودَاعٌ مُؤَثّر ولَكِنْ بِغَيْرِ دُمُوعِ، وراح يَعْتَذِر مُلَوِّحًا بالوَرَقَةِ: عَفْوَكَ، وأن دَمَّةَ الرَّجُلِ كَانَتْ أَضْيَقَ مِنْ أَنْ تَسِعُ حَتَّى لِعودِ ثِقَابِ، فَأَكْبَرْتُ فِيهِ هذه الأمانة، ولَنْ أبيعَ مَوَدَّةً بَيْنَنَا بِعُلْبَة كَبْرِيتٍ،