في الكلام على من زهد في رواية الشعر وحفظه وذم الاشتغال بعلمه وتتبعه أحدها: أن يكون رفضه له وذمه إياه من أجل ما يجده فيه من هزل أو سُخف، وسب وكذب وباطل على الجملة. والثاني: أن يذمه لأنه موزون مُقفّى، والثالث: أن يتعلق بأحوال الشعراء، فهو في ذلك على خطأ ظاهر وغلط فاحش، وعلى خلاف ما وبالضد مما جاء به الأثر، الرد على من ذم الشعر لما فيه من هزل ] فينبغي أن وقد استشهد العلماء لغريب القرآن وإعرابه بالأبيات فيها الفُحش، إذ كانوا لم يقصدوا إلى ذلك الفحش ولم يريدوه، قالوا: وكان الحسن البصري - رحمه الله - يتمثل في مواعظه بالأبيات من الشعر، اليوم عندك دلّها وحديثها وغدا لغيرك كفَّها والمعصم (۳) وفي الحديث عن عمر بن الخطاب ، فأتاه محمد بن جعفر بن أبي ومحمد بن أبي بكر الصديق ومحمد بن طلحة بن عبيد الله، عليه زيد بن ثابت الله فقال : يا أمير المؤمنين، وقال: هذه لمحمد بن حاطب، فقال عمر : أيهات أيهات!! وتمثل بشعر عمارة بن أسرك لما صرع القوم نشوة خروجي منها سالما غـيـر غـــارم بریـــا كــأني قبل لم ألك منهم وليس الخــداع مرتضى في التنــادم رُدَّها ! ثم قال : ائتني بثوب فألقه على هذه الحلل. وقال : أدخل يدك فخذ حـلـة وأنت لا قال عبد الملك: فلم أر قسمة أعدل منها. وعمارة هذا هو عمارة بن الوليد بن المغيرة، خطب امرأة من قومه فقالت: لا أتزوجك أو فأبى ثم اشتدَّ وجده بها فحلف لها ألا يشرب، ثم مر بخمار عنده شرب فنحر لهـم ناقته وسقاهم ببرديه، ولكننـــا يــــا أم عمــــرونــــديمنا بمنزلة الريان ليس بعائم(۱) رُبَّ هزل صار أداة في جد وكلام جرى في باطل، ثم استعين به على حق، رُبَّ شيء خسيس تُوصل به إلى شريف، بأن ضُرِبَ مثلاً فيه، والله قد ضرب الأقل لنوره مثلاً من المشكاة والنبراس فرُبَّ كلمة حق أريد بها باطل، ورُبَّ قول حسن لم يحسن من قائله حين تسبب به إلى قال: رجع طاووس يوما عن مجلس محمد بن يوسف، اليمن، فقال: ما ظننتُ أن قول سبحان الله يكون معصية الله حتى كان اليوم، فقال رجل من أهل المجلس: سبحان الله !! ليُغضِبَ ابن يوسف. واجعله حكما بينك وبين الشعر. وبعد؛ أن كان فيه ومجتمع فرق وترسل بين ويؤدي ودائع الشرف عن الغائب حتى ترى به آثار الماضين مخلّدةً في الباقين، وعقول الأولين مردودة في الآخرين، وترى لكل من رام الأدب وابتغى الشرف، ومُذكَّر ومُعرّفا وواعظا ومثقفًا (١) ، فلو كنت ممن ينصفُ كان في بعض ذلك (۲) ما يغيّر هذا الرأي منك، وما يحدوك على رواية الشعر وطلبه، ويمنعك أن تعيبه أو تعيب به، وعشر على الصديق وكيف (۳) رَوَيْت: «الأن يمتلئ جوف أحدكم قَيْحًا فيرِيَهُ، شعرا» (٤)، وإنَّ من البيان لسحرا» (٥)؟ أما أمره به، فمن المعلوم ضرورةً، فقد كان حسان وعبد الله بـن وكان يذكر لهم بعض ذلك، كالذي روي من أنه وما كان ربُّك نسيا شعرًا ا قُلْتَهُ ، قال : وما هو يا رسول الله؟ قال: زعمت سخينة أن ستغلب ربَّها وليُغلبنَّ مُغالِبُ الغَلابِ (۱) وأما استنشاده إياه فكثير من ذلك الخبر المعروف في استنشاده حين استسقى فسُقِي. يطيف به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل الأبيات. وعن الشعبي له عن المسروق ، عن عبد الله قال: لما نظر رسول الله ﷺ إلى القتلى يوم بدر مصرعين فقال لأبي بكر : لو أن أبا طالب حيٌّ لعلم أن أسيافنا قد أخذت بالأنامل». قال: وذلك لقول أبي طالب: كذبتم وبيت الله إن جـد مـا أرى لتلتبِسَن أسيافنا بالأنامل(۲) ومن المحفوظ في ذلك حديث محمد بن مسلمة الأنصاري، جمعه وابن أبي حـدرد الأسلمي الطريق، فقال الحسان بن ثابت: أنشدني قصيدةً من شعر الجاهلية، شعرها وروايته»، رسول الله، وإن قيصر سأل أبا سفيان بن حرب عني فتناول مني -وفي خبر آخر فشعث مني - وإنه سأل هذا عني فأحسن القول. كثيرًا ما يقول: «أبياتكِ». فأقول: ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه يجزيك أو يثني عليك وإن من يوما فتدركه العواقب قد نَمَى قالت: فيقول الله: «يقول الله تبارك وتعالى لعبد من عبيده: صنع إليك عبدي معروفًا قال: فيقول الله : لم إذ لم تشكر من أجريته على يده». وأما علمه ال بالشعر، عدي وتيم تبتغـــي مــــن تُحالِفُ المعنى، هذا، و تمام هذا الشعر ، وهو لقيس بن معدان الكلبي من بني يربوع: فحالف ولا والله تهبط تلعة من الأرض إلا أنت للذل عارف رقة مكة : فقال النبي : يا أبا بكر ، أهكذا قال الشاعر ؟ قال : لا يا رسول الله، وأما ارتياحه للشعر واستحسانه له، فقد جاء فيه الخبر من وجوه من ذلك حديث بَلَغْنَا السَّماء مجدنا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا قال: «أجل إن شاء الله». ولا خير في جهل إذا لم يكـــن لـــه حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا قال الراوي: فنظرتُ إليه، ما سقطت له سن ولا انفلت، فقال كعب البجير : الْقَ هذا الرجل وأنا مقيم هاهنا، فانظر ما يقول. فعرض عليه الإسلام فأسلم، فقال في ذلك شعرا، فأهدر النبي ﷺ دمه، فكتب إليه بجير يأمره أن يُسْلِم ويُقبل إلى النبي ﷺ، ويقول: إن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قبل منه رسول الله ، وأسقط ما كان قبل ذلك. بانت سعاد فقلبي اليــوم متبول متيم إثرها لم يفد مغلـــــول وما سعاد غداة البين إذ رحلت إلا أغن غضيض الطرف مكحول حتى أتى على آخرها، فلما بلغ مديح رسول الله ﷺ: إنَّ الرسول السيف يستضاء بـــه في فتية من قريش قال قائلهم زالوا فما زال أنكاس ولا كُشف عند اللقاء ولا ميل معازيل أشار رسول الله ﷺ إلى الحلق أن اسمعوا. قال: وكان رسول الله ﷺ يكون من أصحابه والأخبار فيما يشبه هذا كثيرة، وإن زعم أنه ذم الشعر من حيث هو موزون مقفّى، الكلام إذا نُظم نَظْم الشعر (۲) اتضع في نفسه (۳) ، وتغيّرت حاله فقد أبعد، له معنى، وخالف العلماء في قولهم: «إنما الشَّعر كلام فَحَسَنُهُ حَسَنٌ، ذلك عن النبي لم مرفوعا أيضا فإن زعم أنه إنما كره الوزن؛ ندعه إلى الشعر من أجل ذلك (۱) ، وإلى حُسْن التمثيل والاستعارة ، وإلى صنعة ولا ضرر علينا فيما فليقل في الوزن ما شاء، أمره، ولا هو مرادنا مـن هـذا يس:١٦٩]، وأراد أن يجعله حجة في المنع من الشعر، وذاك أنا نعلم أنه لم يمنع من الشعر من أجل أن كان قولاً فصلاً وكلاما جزلاً ومنطقا حسنا وبيانا بينا، وحماه الفصاحة والبراعة، وجعله لا يبلغ مبلغ الشعراء في حسن العبارة وشرف اللفظ ، وهذا جهل عظيم وخلاف لما عرفه البلغاء وأجمعوا عليه من أنه لو كان أفصح العرب ، وإذا بطل أن يكون المنع من أجل ونحدوه بطلبه على طلبها، كان الاعتراض بالآية محالاً، والتعلُّق بها خَطلاً من الرأي وانحلالاً (٢) . فإن قال: إذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ [يس: ٦٩] فقـد كـره للنبي ومن حيث أنه بليغ بين وفصيح حسن ونحو ذلك، حتى إذا رويته التبست به من حيث هو كلام، ولم تلتبس به من حيث هذا محال وإذا كان لا بدَّ لك من ملابسة موضع الكراهة، فـقـد لـزم الـعـيـب بروايـة قيل له: وذلك أنه لو كان الكلام إذا وُزِن حَطَّ ذلك من قدره وأزرى به، لكان من حق العيب أن يكون على فإني وأجعله مثالاً فأرى موضع الإعجاز وأقف على الجهة التي منها كان، وألا أؤاخذ بـه؛ و قصد إليه، ليعرفوا فرق ما بين المعجزة والحيلة، فكان ذلك منهم من أعظم البر؛ إذ كان وإذا نحن رجعنا إلى ما قدَّمنا من الأخبار وما صح من الآثار وجدنا الأمر على ورأينا السبيل في منع النبي الله الوزن، الموزون غير ما ذهبوا إليه، الشاعر لا يُعان على وزن الكلام وصياغته شعرًا ولا يُؤيد فيه بروح القدس. بل سبيل الوزن في منعه الله إياه سبيل الخط حين جعل الله لا يقرأ ولا يكتب، في أن لم يكن المنع من أجل كراهة كانت في الخط، ولتكون أكعم ) للجاحد وأقمع للمعاند، وأردّ لطالب الشبهة، الرد على من تعلل بقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ] به أن يجعله حجة في ذمّ الشعر وتهجينه والمنع من حفظه وروايته، والعلم بما فيه من بلاغة، استشهادهم بشعر امرئ القيس وأشعار أهل الجاهلية في تفسير القرآن وفي غريبه وغريب