تفتح أبواب جحيم يغرق الناس في ظلامه. وقد تجاوز حدوده تزلزلها بعنف، تلقي غاضبة بكل ما عليها بلا مبالاة ودون اكتراث، فتنهار مدن وتغرق أخرى، تتصدع سدود تخنق الأنهار وقد تنهار. رائحة الموت تعبق في شوارع يحتلها الحطام والرماد، يحوم ناجون بين الأنقاض دون اتجاه، «أريد ماما» تقول طفلة أتمت قبل أيام عامها الثالث، وهي ترتجف غارقة في دموعها لرجل إنقاذ في بزّة حمراء انتشلها من بين الأنقاض. يقول لها «لا تغادري» يردف. فيزيد من قوة ضربات معوله، يستميت في الوصول إلى مصدر الصوت، إلى حيث تجلس تلك الطفلة، حذرة لا تثير انتباه أحد، تناولها قطعة حلوى قديمة أخرجتها من جيب معطفها، تنظر نحو رجل إنقاذ منهمك في إزالة أكوام من الركام، يستميت في الوصول إلى مصدر صوت يُهيَّأ له أنه يسمعه. تبتعد بها مهرولة خوف أن يراها أو يشك فيها أحد، تحملها سيارة أزيلت عنها علامات ترقيم، تنطلق مسرعة غير مكترثة لحطام أو دمار، تختفي فلا يعود يراها أحد. ينتبه رجل إنقاذ وقد انتشل طفلا يتنفس أن الطفلة قد اختفت، يدور حول نفسه مثل نعامة في خطر محدق، يحاول أن يكون أكثر تحديدا، إطلاقا لا أحد رأى طفلة ذات أوصاف يصفها بها. حين عاد إلى حيث ترك الطفل لم يجده، صار يصرخ ويبكي أين ذهب الطفلان؟» يمسك برجل تمزق وجهه جروح وتغطيه دماء من ياقة قميصه الممزقة ويصرخ «أين هما؟» «أخبرني» ينظر نحوه بدهشة وحيرة يصرخ هو الآخر «أين هم؟قل لي»، تحيط به بضعة أشجار حرجية، تكاد تخلعها من جذورها، تصدر جذوعها طقطقة، يخرج للقاء سيارة تصل مسرعة، بين شفتيه سيجارة تلمع ذبالتها، يتشبث بها بشفتيه الجافتين، تلسع السيجارة وجنتها فتنطفئ، يبصق وهو يسب ويلعن بألفاظ نابية، يتلفت حوله ويسرع بها هذه التاسعة تقول المرأة بصوت رفيع وحاد تملؤه قسوة تصل الشاحنة مساء غد يخبرها بينما تستدير عائدة إلى سيارة تلتحف العتمة في انتظارها. فإذا به ينفتح على غرفة تكتظ بأطفال مقرفصين على فرش مهترئ يغطي أجزاء من أرضية حجرية عارية وباردة، يلقي بالطفلة إلى جوارهم، يأمرهم بأن يصمتوا، يركل أحدهم بقدم تغرق في حذاء قذر يغطيه الطين، وقد حاول التشبث بساقه وهو يدعوه باكيا عمو، تحاول الأصوات خوفًا أن تصمت، لكنها لا تستطيع الصمت فتواصل البكاء والأنين، حين خرج أعاد إغلاق القفل وأعاد الخزانة إلى مكانها، وخرج إلى حيث أشعل سيجارة، عند مساء اليوم التالي وقد تواصل هطل الأمطار وازداد غزارة، وعددًا من رجال بثياب صوفية ثقيلة، توقفت قرب البيت القديم، لا يرسلون أنوارها إلا عند مواطئ أقدامهم، يتناوبون على نقل أطفال، وقد قيدوا أياديهم وأقدامهم الصغيرة، وقد حفروا في أطرافها بعض ثقوب وسط بكاء وعويل مكتوم. يلقي بوميضه على وجوه قاسية لا تعرف الرحمة، تعود سريعا إلى ظلام يعشش في أعماقها، يتخلله ضجيج انهيارات صخرية هائلة. تهتز في أعماق ضحلة، لا تبعد عن قشرة أرضية باتت لا تستقر ولا تهدأ. تغادر شاحنة بالكاد دار محركها، على مسافة أميال قليلة من دروب طينية وترابية مهجورة، يقع سد عملاق، تجري مبتعدة عن جدران احتجازها. تواصل شاحنة سيرها تنقل أطفالا مقيدين ومكممين، يرافقه بضعة رجال يصغون بقلق إلى ضجيج انهيارات يتردد صداه في عتمة ليل بهيم عاصف، ويدب فيهم رعب إنَّه الجحيم» يقول أحدهم مرتعبًا، لكن لا أحد منهم يعرف أن سدا قريبا قد انهار تحت ضربات اهتزازات ارتدادية لصفائح تكتونية. يقتحم طرقا يلفها الظلام، لا أضواء سوى نور شاحنة باهت، عند زاوية منعطف حاد تكاد الشاحنة تنقلب، ويتدحرج بعيدًا عبر جدران استنادية إلى أن يتهشم. «توقف» يأمر أحدهم السائق الذي يتجاهل أمره ويصرخ لا أستطيع، فإن أوقفتها فلن يقوى محرك على تحريكها بعد»، تواصل الشاحنة ابتلاع مسافات خطرة عبر طرق وعرة وضيقة، يفلت مقودًا تمسك به طويلا من بين يديه، يحمي وجهه بكلتا يديه من زجاج يتناثر، تلقي بالشاحنة إلى الخلف بعيدا، ترفعها عن يابسة سارت على طرقاتها، تقلبها على جوانبها، وتحمل مياه غاضبة أجساد أطفال مقيدة ومكممة همدت أنفاسها ، تجرفها بعيدًا إلى جوف تيارات سريعة، تزداد سرعة رعة ولا تدري بعد إلى أين : ينتهي بها فيضانها . لا يزال رجل إنقاذ في زيه الأحمر، وفقدهما في لحظة أسرع من طرفة عين، وقد كانت لحظة بين اللحظتين ظنَّ أنَّه امتلك العالم، يرفع يديه ضارعًا نحو السماء،