أعيرتني بالنقص والنقص شامل ؟ ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل ؟ إذا قيس بي قوم كثير تقللوا تفاضل هذا الخلق بالفضل والحجا ففي أيما هذين أنت فتفضل هذا الذي ترك الألباب حائرة وصير العاقل التحرير (2) زنديقا (٥) ولذلك قال النبي ﷺ : حسن الظن بالله من عبادة الله ثم إن الله تعالى جعل أسباب حاجاته وحيل عجزه في الدنيا التي جعلها دار تكليف وعمل كما جعل الآخرة دار قرار وجزاء فلزم لذلك أن يصرف الإنسان إلى دنياه حظاً من عنايته لأنه لا غنى له عن التزود منها لآخرته ولا له بد من سد الخلة فيها عند حاجته. والثاني ما يصلح به حال كل واحد من أهلها فهما شيئان لا صلاح لأحدهما إلا بصاحبه لأن من صلحت حاله مع فساد الدنيا واختلال أمورها لن يعدم أن يتعدى إليه فسادها ويقدح فيه اختلالها لأنه منها يستمد ولها يستعد ومن فسدت حاله مع صلاح الدنيا وانتظام أمورها لم يجد لصلاحها لذة ولا لاستقامتها أثراً لأن الإنسان دنيا نفسه فليس يرى الصلاح إلا إذا صلحت له ولا يجد الفساد إلا إذا فسدت عليه لأن نفسه أخص وحاله أمسفصار نظره إلى ما يخصه مصروفاً وفكره على ما يمسه موقوفاً. وأعلم أن الدنيا لم تكن قط لجميع أهلها مسعده ولا عن كافة دويها معرضه لأن إعراضها عن جميعهم عطب وإسعادها لكافتهم فساد لائتلافهم بالاختلاف والتباين واتفاقهم بالمساعدة والتعاون فإذا تساوى حينئذ جميعهم لم يجد أحدهم إلى الاستعانة بغيره سبيلاً وبهم من الحاجة والعجز ما وصفنا فيذهبوا ضيعة ويهلكوا عجزا وأما إذا تباينوا واختلفوا صاروا مؤتلفين بالمعونة متواصلين بالحاجة لأن ذا الحاجة وصول والمحتاج إليه موصول. وقال الله تعالى : والله فضل بعضكم على بعض في الرزق غير أن الدنيا إذا صلحت كان إسعادها موفوراً وإعراضها ميسوراً لأنها إذا منحت هنات وأودعت (۱) وإذا استردت رفقت وأبقت وإذا فسدت الدنيا كان إسعادها مكراً وإعراضها غدراً لأنها إذا منحت كدت وأتعبت وإذا استردت استأصلت (۲) وأجحفت (۳) ومع هذا فصلاح الدنيا مصلح لسائر أهلها لوفور أماناتهم وظهور دياناتهم وفسادها مفسد لسائر أهلها لقلة أماناتهم وضعف دياناتهم وقد وجد ذلك في مشاهد الحال تجربة وعرفاً كما يقتضيه دليل الحال تعليلاً وكشفاً فلا شيء أنفع من صلاحها كما لا شيء أخر من فسادها لأن ما تقوى به ديانات الناس وتتوفر أماناتهم فلا شيء أحق به نفعاً كما أن ما به تضعف دياناتهم وتذهب أماناتهم فلا شيء أجدر به ضرراً فأما القاعدة الأولى) وهي الدين المتبع فلأنه يصرف النفوس عن شهواتها ويعطف القلوب عن إرادتها حتى يصير قاهراً للسرائر زاجراً للضمائر بغير الدين إليها ولا يصلح الناس إلا عليها فكأن الدين أقوى قاعدة في صلاح الدنيا واستقامتها وأجدى الأمور نفعاً في انتظامها وسلامتها ولذلك لم يخل الله تعالى خلقه من فطرهم عقلاء من تكليف شرع و اعتقاد دين ينقادون وقالت طائفة أخرى : بل سبق وقال بعض الحكماء : الأدب أدبان أدب الأرض وكلاهما يرجع إلى العدل الذي به سلامة السلطان وعمارة البلدان لأنسعيد بن حميد : وقد وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «الإمام الجائر خير من الفتنة وكل لا خير فيه وفي بعض الشر خيار. ثم لما في السلطان من حراسة الدين والذب عنه ودفع الأهواء منه وحراسة التبديل فيه وزجر من شذ عنه بارتداد أو بغى فيه بعناد أو سعى فيه بفساد وهذه أمور إن لم تنحسم عن الدين بسلطان قوي ورعاية وافية أسرع فيه تبديل ذوي الأهواء وتحريف ذوي الآراء فليس دين زال سلطانه إلا بدلت أحكامه وطمست أعلامه وكان لكل زعيم فيه بدعة ولك عصر في وهيه (1) أثر كما أن السلطان إن لم يكن على دين تجتمع به القلوب حتى يرى أهله الطاعة فيه فرضاً والناصر عليه حتماً لم يكن للسلطان لبث ولا لأيامه صفو وكان سلطان قهر ومفسد دهر ومن هذين الوجهين وجب إقامة إمام يكون سلطان الوقت زعيم الأمة ليكون الدين محروساً بسلطانه والسلطان جارياً على سنن الدين وأحكامه. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا وليتم أبا بكر تجدوه قوياً في دين الله عز وجل ضعيفاً في بدنه وإذا وليتم عمر تجدوه قوياً في دين الله عز وجل قوياً في بدنه وإن وليتم علياً تجدوه هادياً مهدياً فبين بظاهر هذا الكلام أن إقامة جميعهم في عصر واحد لا يصح ولو صح لأشار إليه ولنبه عليه والذي يلزم سلطان الأمة من أمورها سبعة أشياء : أحدها حفظ الدين من تبديل فيه والحث على العمل به من غير إهمال له والثاني حراسة (۱) البيضة والذب عن الأمة من عدو في الدين أو باغي نفس أو مال والثالث عمارة البلدان باعتماد مصالحها وتهذيب سبلها ومسالكها. وقال عمر بن عبد العزيز البعض جلسائه: إني أخافالله فيما تقلدت فقال له: لست أخاف عليك أن تخاف الله وإنما أخاف عليك أن لا تخاف الله وهذا واضح لأن الخائف من الله تعالى مأمون الحيف كالذي روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لأبي مريم السلولي وكان هو الذي قتل أخاه زيد بن الخطاب : والله إني لا أحبك حتى وروى عبد الرحمن بن محمد قال: أصدق طلحة ابن عبيد الله أم كلثوم بنت أبي بكر مائة ألف درهم وهو أول من أصدق هذا القدر فمر بالمال على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ما هذا قالوا : صداق أم كلثوم ابنة أبي بكر فقال : أدخلوه بيت المال فأخبر بذلك طلحة وقيل له : كلمه في ذلك فقال: ما أنا بفاعل لئن كان عمر يرى فيه حقاً لا يرده لكلامي وإن كان لا يرى فيه حقاً ليردنه قال : فلما أصبح عمر أمر بالمال فدفع إلى أم كلثوم . وليس شيء أسرع في خراب الأرض ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور لأنه ليس يقف على حد ولا ينتهي إلى غاية ولكل جزء منه قسط من الفساد حتىيستكمل. فأما عدله في نفسه فيكون بحملها على المصالح وكفها عن القبائح ثم بالوقوف في أحوالها على أعدل الأمرين من تجاوز أو تقصير فإن التجاوز فيها جور والتقصير فيها ظلم ومن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم ومن جار (٤) عليها فهو على غيره أجور. وقد قال بعض الحكماء : من توانى في نفسه ضاع. باتباع الميسور وحذف المعسور وترك التسلط بالقوة وابتغاء الحق في السيرة فإن اتباعالميسور أدوم وحذف المعسور أسلم وترك التسلط أعطف على المحبة وقال بعض الأدباء : ليس للجائر جار ولا تعمر له دار. وقال بعض البلغاء : أقرب الأشياء صرعة الظلوم وأنفذ السهام دعوة المظلوم. والقسم الثاني عدل الإنسان مع فوقه كالرعية مع سلطانها والصحابة مع رئيسها فقد يكون بثلاثة أشياء بإخلاص : الطاعة وبذل النصرة وصدق الولاء. فإن إخلاص الطاعة أجمع (۱) المشمل وبذل النصرة أدفع للوهن (۲) وصدق الولاء أنفى لسوء الظن وهذه أمور إن لم تجتمع في المرء تسلط عليه من كان يدفع عنه واضطر إلى اتقاء من كان يقيه كما قال البحتري :