لأنه يذكر أن وجهه تلقى في ذلك الوقت هواء فيه شيء من البرد الخفيف الذى لم تذهب به حرارة الشمس، وإذا كان قد بقى له من هذا الوقت ذكرى واضحة بينة لا سبيل إلى الشك فيها، فإنما هي ذكرى هذا السياج الذي كان يقوم أمامه من القصب، فقد كانت تنتهى إلى قناة عرفها حين تقدمت به السن، إلى حيث تقرض ما كان وراءه من نبت أخضر، حتى يرده إلى ما حوله صوت الشاعر قد جلس على مسافة من شماله والتف حوله الناس، ثم يذكر أنه كان لا يخرج ليلة إلى موقفه من السياج إلا وفي نفسه حسرة لاذعة لأنه كان يُقدر أن سيُقطع عليه استماعه لنشيد الشاعر حين تدعوه أخته إلى الدخول فيأبي فتخرج فتشده من ثوبه فيمتنع عليها، فتحمله بين ذراعيها كأنه الثمامة ، وتعدو به إلى حيث تنيمه على الأرض وتضع رأسه على فخذ أمه، ثم تعمد هذه إلى عينيه المظلمتين فتفتحهما واحدة بعد الأخرى، فتنيمه أخته على حصير قد بسط عليها لحاف، فأما بعضها فكانت أصوات ديكة حقا، ولم يكن يحفل بهذه الأصوات ولا يهابها، إنما كان يخاف الخوف كله أصواتاً أخرى لم يكن يتبينها إلا بمشقة وجهد، ويمثل بعضها الآخر حركة متاع خفيف ينقل من مكان إلى مكان، إلا أن يلتف في لحافه من الرأس إلى القدم، دون أن يدع بينه وبين الهواء منفذا أو ثغرة. ويقضى شطراً طويلاً من الليل في هذه الأهوال والأوجال والخوف من العفاريت حتى إذا وصلت إلى سمعه أصوات النساء يعدن إلى بيوتهن وقد ملأن جرارهن من القناة وهن يتغنين الله يا ليل الله عرف أن قد بزغ الفجر، وأخذ يتحدث إلى نفسه بصوت عال، فإذا أغلق الباب من دونه نهضت الجماعة كلها من الفراش وانسابت في البيت صالحة لاعبة حتى تختلط بما في البيت من طير وماشية.