رأينا في كتابنا «أدب مصر الإسلامية» كيف أُسِّسَ ديوان الإنشاء بمصر في عهد أحمد بن طولون، وأن أول مَن ولي هذا الديوان كان أحمد بن محمد بن مودود المعروف ﺑ «ابن عبد كان» الكاتبِ، فازدهرت الكتابة في مصر على أيديهم حتى بلغت درجة عالية من درجات فن الكتابة في مصر، ومحمد بن كلاو الروزباري … وغيرهم من الكتَّاب الذين اتخذوا الكتابة فنًّا يتكسَّبون به، ومؤهلًا لتعيين الكتَّاب في خدمة الأمراء وأصحاب الشأن في البلاد، فكثر تنافُس الكتَّاب في تجويد الكتابة وإتقان الصناعة، فتضاعفت هذه النهضة في العصر الفاطمي بما عمل الفاطميون على النهوض أولًا بالعلم وإذكاء شعلته في البلاد، وله المرتبة والمسند والدواة والحاجب … إلى غير ذلك. ٢ ويذكر المقريزي أن أبا البركات بن أبي الليث متولي ديوان المجلس سنة ٥١٧ﻫ، كما كان له في كل يوم إثنين وخميس من السماط بقاعة الذهب طيفور خاص، وفي كل يوم سبت وثلاثاء من أسمطة الركوبات خروف مشوي وجام حلوى ورباعي عنب، فكان أول أرباب الإقطاعات وأرباب الكسوة والرسوم، وكان له عن كل ما يكتبه من السجلات والعهودات وكتب التقليدات رسوم يستوفيها من كل شيء. ٦ فهذا التشريف الذي جعله الفاطميون لكتَّاب دولتهم كان من أهم عوامل ازدهار الكتابة في هذا العصر، كما كان إغداق النِّعَم على الكتَّاب على هذا النحو الذي رأينا صورته من أسباب كثرة الكتَّاب، وإجادة الكتابة ليصلوا إلى مرتبة الكتابة في الدواوين؛ أنهم كانوا يرسلون هؤلاء الأولاد إلى ديوان المكاتبات ليتعلموا فن الكتابة. وكان لا يخلو ديوان المكاتبات من رأس يرأس مكانًا وبيانًا، وكان من العادة أن كلًّا من أرباب الدواوين إذا نشأ له ولد وشَدَا شيئًا من علم الأدب، أحضره إلى ديوان المكاتبات ليتعلم فن الكتابة ويتدرَّب ويرى ويسمع، وأمرني بالمصير إلى يدوان المكاتبات، وكان الذي يرأس به في تلك الأيام رجل يقال له ابن الخلال، فلما حضرت الديوان ومثلت بين يديه وعرَّفته مَن أنا وما طلبي، فتردَّدْتُ عليه وتدرَّبْتُ بين يديه، فهذا النص يدلنا على مبلغ تعلُّق الناس بتعليم أبنائهم فن الكتابة، وقد رأينا كيف طلب ابن الخلال من تلميذه الذي عُرِف بعد ذلك بالقاضي الفاضل أن ينثر كل الأشعار التي جمعها ديوان الحماسة؛ ولم تكن مَلَكة الكتابة وحدها تكفي أن تجعل الإنسان كاتبًا، حتى يتسنَّى للكاتب أن يسير على نهج الأساليب العربية، أو يبتعد الكاتب عن سنن كتاب العربية في أسلوبهم وتعبيراتهم. ولم يقنع الفاطميون بأن تكون كتابات الكتَّاب سليمة صحيحة، فهذا الحرص على سلامة أساليب الكتابة كان من العوامل التي جعلت الكتَّاب أنفسهم يعملون جاهدين على أن تخرج كتاباتهم خالصةً متفقة مع الأساليب العربية، » وأن تصبو نفس كل متعلم إلى أن يكون كاتبًا من كتَّاب الدواوين. وقد يكون من عوامل ازدهار الكتابة في العصر الفاطمي، فالفلاحي والجرجرائي واليازوري والبابلي وبنو المغربي وابن المدبر وابن الأنباري وكثير غيرهم كانوا من الكتَّاب، أو أن الكتَّاب أصبحوا في مكانة تقل عن مكانتهم الأولى، بل ظل الكتَّاب يتمتعون بمثل المركز الرفيع الذي كانوا فيه في الدور الأول، وهذه كلها كانت أكبر مناصب الدولة بعد الوزارة، أَضِفْ إلى ذلك كله أن نظام الحكم الفاطمي كان من أشد العوامل على ازدهار الكتابة؛ فتعيين الوزراء أو الكتَّاب أو القضاة أو الدعاة وغيرهم من أرباب وظائف الدولة كان يخرج به سجل خاص مطول، وكيف أقبل المتعلمون على أن يلموا بفن الكتابة، حتى يصبحوا كتَّابًا في دواوين الفاطميين،