ننتقل بحضراتكم إلى الحديث عن مفهوم السعادة عند المعلم الأول أرسطو طاليس، أول من وضع مذهب الأخلاق وقدم نظرية في الأخلاق، أرسطو الذي لاقت آراؤه قبولا منقطع النظير عند فلاسفة الإسلام، ولا سيما الكندي والفارابي وابن سينا وحتى الإمام الغزالي -نعم الإمام الغزالي- ومن يريد أن يستوثق من كلامي يذهب لآراء الغزالي الأخلاقية، ليس هذا وحسب بل وأحيله إلى كتابي “المشكلة الخلقية بين مسكويه والغزالي”. كذلك لاقت مترجماته قبولا عند فلاسفة المغرب البطليوسي، وابن باجة وابن طفيل وابن رشد. وإن كنا نرى أنه على الرغم من تأثر فلاسفة الإسلام به إلا أن ذلك لم يمنع من ظهور فكر خاص بهؤلاء الفلاسفة بما يدعم موقفنا من ظاهرة التأثير والتأثر في الفكر الإنساني وأنها ظاهرة محمودة. ولم يقتصر تأثير أرسطو على فلاسفة الإسلام فقط بل بلغ تأثيره مداه على فلاسفة المسيحية وخصوصا القديس بطرس أبيلارد وأنسلم وعملاق الفكر المسيحي القديس توما ألاكويني. اضغط على الاعلان لو أعجبك لأرسطو مؤلفات في الفكر الأخلاقي أهمها الأخلاق النيقوماخية، الذي أهداه لابنه نيقوماخوس، والأخلاق الأوديمية والذي أهداه إلى تلميذه أوديموس، لو أردنا حقا أن نتعرف على مفهوم السعادة عند أرسطو لا بد من ضرورة التعرف على الغاية من الأخلاق عنده، بمعنى تحقيق الخير من خلال تحقيق الفضائل، تتقاذفهم الأهواء يمينا ويسارا ويقاومونها بتربية وتهذيب النفس عن طريق تعلم الفضيلة ثم تطبيقها على الواقع المعيش، فرق أرسطو بين نوعين من السعادات، فالإنسان إذا ما خير بين الصحة والمرض سيختار الصحة، ومنها الخيرات الخارجية وخيرات النفس وخيرات البدن وخيرات توفيقية. اضغط على الاعلان لو أعجبك يرى أرسطو أنه حتى تتحقق السعادة الحقيقية للإنسان عليه بالوسطية، وجاء ذلك عند حديثه عن نظرية الوسط الذهبي -الوسط الاعتباري وليس الحسابي- وأن الإنسان إذا أراد حقا تحقيق السعادة عليه بالاعتدال في كل أموره لا يميل بالكلية إلى جانبه المادي ولا كذلك إلى جانبه الروحي. فنجد العفة تقع بين طرفين كلاهما رذيل -بين الشره والتبلد، فلا يكون الإنسان شرها في إشباع شهواته بأنواعها ولا متبلدا خاملا. وكذلك الشجاعة تقع بين طرفين كلاهما رذيل -بين الجبن والتهور، مفهوم السعادة عند المدرسة الرواقية والأبيقورية أما المدرسة الرواقية والأبيقورية فكان لهما وجهة نظر مختلفة حول مفهوم السعادة. الذي يقول بفلسفة الوجدان والعواطف والميول والرغبات والمشاعر، الذي يقول على الإنسان ألا يتقيد بالحاضر ويسعى للمستقبل في إشباع كل شهواته، اضغط على الاعلان لو أعجبك فالإنسان لا يمكن أن يثبت على وتيرة واحدة، فقد يأتي عليه يوم ويزهد في شهواته لأن إسرافه في إشباعها يصيبه بعد ذلك باللامبالاة، أما المدرسة الرواقية فعلى النقيض من الأبيقورية، سلكت مسلك الزهد والتقشف وسارت على منوال المدرسة الكلبية، فالكلبية كانت ترى إماتة كاملة للشهوات، الكلبية كانت تقول إن الناس إما أخيار أو أشرار ولا وسط بينهما، وعدلت الرواقية ذلك فالإنسان من الممكن أن ينتقل من الخير إلى الشر والعكس. قامت فلسفة الرواق على مبدأ مهم، بمعنى الاحتكام إلى العقل في تحقيق الفضائل، وهذه الدعوة لاقت قبولا في العصر الحديث بل أسست لمفهوم السلام العالمي عند إمانويل كانط. سيداتي وسادتي بعد هذا العرض على مدار خمس مقالات تحدثنا فيها عن السعادة، هل تحقيق السعادة أمر مستحيل؟ نقول ليس أمرا مستحيلا على الإطلاق، 1- أن تكون النوايا حسنة وطيبة، بمعنى تكون هناك نية حقيقية للإنسان لتحقيق سعادته، 2- طرح الأنانية جانبا وإحياء مبدأ الإيثار، بمعنى يؤثر الإنسان مصلحة الآخرين على مصلحته، ولا أحد يقول إن الزمان هذا يعج بالأنانية ومصلحتي قبل كل شيء وهذه طبيعة الحياة التي نحياها ولسنا في زمن الأنبياء والقديسين، أقول بقليل من التعقل وذوبان الإنسان في ذات الإنسان ستحل المعضلة، فليحاول قدر استطاعته أن يوفق بينهما، بحيث لا يغلّب جانبا على الآخر. تارة بالترغيب وتارة أخرى بالترهيب. 5- الاطلاع ومطالعة سير المصلحين والفلاسفة،