من أخذ كالماً حسناً إن غريه فتكلم به يف موضعه وعلى وجهه، فال ترين عليه يف ذلك ضؤولة.فإن من أعني على حفظِ كالمٍ املصيبني، وهدي لإلقتداء بالصاحلني، ووفق لألخذِ عنِ احلكماء، وال عليهِ أن ال يزداد، فقد بلغ الغاية، وليس بناقصهِ يف رأيه وال غامطهِ من حقه أن ال يكون هو استحدث ذلك وسبق إليه. فإمنا إحياء العقل الذي يتم به وستحكم خصالٌ سبع:اإليثار باحملبةِ، واملبالغة يف الطلب، والتثبت يف االختيارِ، واالعتياد للخريِ، وحسن الرعي، والتعهد ملا اختري واعتقد، ووضع ذلك موضعه قوالً وعمالً. أما احملبة فإا تبلغ املرء مبلغَ الفضلِ يف كل شيء من أمرِ الدنيا واآلخرة حني يؤثر مبحبته.فال يكون شيءٌ أمرأ وال أحلى عنده منه. وأما الطلب، فإن الناس ال يغنيهم حبهم ما حيبون وهو أهم ما يهوون عن طلبه وابتغائه.وال تدرك هلم بغيتهم ونفاستها يف أنفسهم، دون اجلد والعمل. وأما التثبت والتخري، فإن الطلب ال ينفع إال معه وبه.فكم من طالب رشدٍ وجده والغي معاً، فاصطفى منهما الذي منه هرب، وألغى الذي إليه سعى، فإذا كان الطالب حيوي غري ما يريد، وهو ال يشك يف الظفرِ، فما أحقه بشدةِ التبينيِ وحسنِ االبتغاء!وأما اعتقاد الشيء بعد استبانته، فهو ما يطلب من إحراز الفضل بعد معرفته. وأما احلفظُ والتعهد، فهو متام الدركِ. ألن اإلنسان موكل به النسيانُ والغفلةُ:فال بد له، إذا اجتىب صواب قولٍ أو فعلٍ من أن حيفظه عليه ذهنه ألوان حاجته. وأما البصر باملوضعِ، فإمنا تصري املنافع كلها إىل وضعِ األشياء مواضعها، وبنا إىل هذا كله حاجةٌ شديدةٌ. فإنا مل نوضع يف الدنيا موضع غىن وخفضِ ولكن مبوضعِ فاقةٍ وكدٍ، ولسنا إىل ما ميسك أرماقنا من املأكل واملشرب بأحوج منا إىل ما يشبت عقولنا من األدبِ الذي به تفاوت العقول. وليس غذاءُ الطعامِ بأسرع يف نباتِ اجلسدِ من غداء األبدٍ يف نباتِ العقلِ.ولسنا بالكد يف طلبِ املتاعِ الذي يلتمس بهِ دفع الضررِ والغلبةُ بأحق منا بالكد يف طلبِ العلمِ الذي يلتمس بهِ صالح الدينِ والدنيا.