بقدر ما اخترق الاتصال معظم مجالات الحياة الاجتماعية والمهنية مستفيدا دائمامن قوة جذب هائلة بفضل الأفعال التي تتم باسمه والتقنيات العديدة التي يقترحها والدلالةالرمزية التي ينشرها بقدر ما يزال يظهر حتى الآن - لا سيما في بعض الأوساط المهنية - أنهمن المفارقة واللامجدي إنتاج معارف تتشبث بتفسير نظام اشتغاله ولسبب وجيه وقوي جدا، ما زالت هناك مقاومة لاعتبار الاتصال كموضوع للبحث العلمي. صحيح أنه سيكون من المفاجئ من النظرة الأولى ادعاء إعادة عرض المراحل التيبدأت تتشكل فيها علوم الإعلام والاتصال بوصفها حقلا مستقلا متعدد التخصصات. يتعلق الأمر بتأمل فكري يبرر مسلكه بسهولة، خصوصا إن كانت الأسسالإبستيمولوجية لمبحث علمي أو لحقل معين محددة ومعترف بها. والحالة أن علوم الإعلاموالاتصال تقدم عن نفسها صورة إن لم تكن متعددة المكونات، فهي على الأقل مركبة ومتنوعة. ذلك أن المنظومات الطامحة إلى تمثيل ورسم جميع أبعادها تغطيها بانتظام. كما أن التعارضات مع النظرية المصرح بها بشكل واضح تخفي الإسهامات الحقيقية والمقترحات الخصبة. هل من الضروري أن يكتسب حقل علمي معين اعترافا أكاديميا طويلالأمل أودعما واسعا من طرف الهيآت السياسية - العلمية حتى نبحث في تطوراته وندقق فيتكونه بناء على أساس متين ؟ قليلون أولئك الذين سيتجرؤون على الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب في الواقع، هناك مباحث - يبدو أنها مبنية بشكل قوي - يوجد ممثلوها أمام اختلافا تعميقة، ليس فقط حول كيفية النظر في تاريخ قرن وأبعد من ذلك)، وهذه هي حالة ( الاقتصاد السياسي» (كمثال من بينأمثلة أخرى) الذي صار يسمى بالـ « علم الاقتصادي»، كذلك هي حالة الجغرافيا حيث التردد الدائم بين من ينوون تحديدالمبحث حول توجهات منهجية قوية، أو على الأقلعلما لتسجيل الأنشطة البشرية في الفضاءات المادية والاجتماعية، تشتغلبعض المباحث التي ظهرت منذ مدة قصيرة جدا - حيث يحتفل مسؤولوها السياسيون -العلميون بالإيجابيات المفترضة فيها بشكل مبالغ فيه، بل وينظرون إلى المستقبل بيقين كبير- من دون أن ينجح أصحابها الأكثر شرعية في الاتفاق على أسس مفهومية مشتركة. ولا شك أن السبب في ذلك لا يرجع فقط إلى كونهامباحث حديثة النشأة. وفي ما يخص المعلوميات تلح الحصيلات التي وضعها ممثلوها الأكثربروزا على الدفعة التكنولوجية والخدمات المقدمة للمستعملين والمآثر المنهجية والمجالاتالمغطاة (التي تتعدد أكثر فأكثر) . احتل البعد العلمي مكان الموضوع ذاته، هل سيتم من الآن فصاعدا اختزال ظهور حقول معرفية جديدة في مجردتطبيق المنهجيات دقيقة تستجيب لطلبات اجتماعية صادرة بالتحديد عن الهيات الاقتصاديةوالسلطات العمومية ؟ وهل سيكون هذا الظهور مأمنا بشكل أفضل حينما سيفرض الدفاععن المواقع الاجتماعية نفسه بقوة تحت غطاء مواقف علمية ؟ ويدافع بعض الابستيمولوجيينعن وجهة النظر هاته معززين بحجج قوية وبشكل مفارق، تفلت علوم الإعلام والاتصالجزئيا من هذا الاتجاه، ليس لكونها محمية من خطر تحويلها إلى مجرد أدوات تستعملها بعضالجهات (منذ الدراسات حول نسبة قراءة الصحافة والاستماع إلى الإذاعة التي :كلف بهابول لازار سفيلد في الأربعينات، وهو أمريكي جديد تلقى مع ذلك تكوينا في الفكر النقديالأوروبي، وصولا إلى أعمال البحث حول الوسائط الجديدة. ولكن لأنها لم تتوقف منذ تعثراتها عن إلزام نفسها بأسس نظرية صارمة بشكل مبالغفيه أحيانا، سواء بتقديم نفسها كعلم للعلوم (وهي محاولة لم تتوقف حتى الآن)، أوببذلقصارى الجهود لتمييز ذاتها بواسطة موضوعها أكثر منه بواسطة المنهجيات التي تلجأ إليهاعن باقي العلوم الإنسانية والاجتماعية المعترف بها قبلها، والتي اكتسبت مشروعية أكثر قوة. بمناسبة الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية لسنة 1940، أنجز بول لازار سفيلدومعاونوه في جامعة كولومبيا الدراسة الشهيرة التي نشرت تحت عنوان « اختيار الشعب». وكان هدفها هو البحث عما إن كان قرار التصويت لصالح هذا المرشح أوذاك قد تأثر أم لا بالـ «تعرض» لوسائل الاتصال الجماهيري. وإذا كان قد تبين في النهاية بأن التعرض لوسائلالاتصال يشجع على الاهتمام بالاستشارة الانتخابية والارتباط بالمرشحين المفضلينأو الحصول على معلومات جيدة، فإن الأقلية غير المستقرة أكثر على رأي واحد هي التي تتأثربالدعاية السياسية التي بإمكانها أن توجه اختيارها نحوجهة مختلفة. فإن الناخبينالأقل حصولا على المعلومات والأكثر تحولا في قرارهم هم الأكثر تعرضا» لآثار الوسائط. ويعد هذا «النموذج» الذي تم إعداده انطلاقا من معطيات إمبريقية حول السلوكات الانتخابيةأو بالأحرى التصريحات بالاختيارات الانتخابية الأصل الذي انبثقت منه سلسلة منالأعمال وجدت في ملتقى علم الاجتماع السياسي ودراسة آثار وسائل الاتصال الجماهيري. إن التصور الذي يجعل من الاتصال أومن (الإعلام) عنصرا عابرا للتقسيماتوللمعازل بين المباحث العلمية سواء المتعلقة بعلوم المادة والحياة أو المجتمع نجده في تياراتفكرية مختلفة بطبيعة الحال، هناك السيبرنطيقا وإلى وقت قريب هناك مقاربات التعقيدأو النزعة الارتباطية، بل وحتى في بعض الفلسفات المعاصرة ذات الإلهام ما بعد الحداثيأو بعد الهايدغري. فإن هذا التوجه - أو بالأحرى هذه المحاولة ـ لا ترميفقط إلى الوصل بين حقول معرفية متباينة حيث يتجاهل بعضها البعض الآخر في غالبالأحيان، ليس الهدف هو فقط محاربة التخصص المفرط للمعارف الذي يعتبر معقما لها، بل هو اقتراحأفق شامل سيتيح إعادة تأويل الإسهامات الجزئية و«القطاعية» على ضوء مقتضيات مفروضةعلى الجميع. ومن الغرابة بمكان أن يتم تقاسم هذا الأفق مع بعض كتاب. نذكر من بينهم الكاتب الكندي فان فوغت في روايته التي صدرت سنة 1959 تحت عنوان«فضاء الجاسوس 2. فإن السؤال الخاص بمعرفة ما إذا كانت علوم الإعلام والاتصالتشكل مبحثا واحدا أم ينبغي اعتبارها مبحثا متداخل التخصصات، وضع تطبيق منهجيات منبثقة من مباحث متباينة جانبا وتأجزاه إلىنهاية حديثنا عن التيارات المساهمة في تكوين الفكر الاتصالي. فإن الأهم هو البحث عبر مختلف المراحل التي تم قطعها عن العناصر المكونة لهذا الفكرالفاعل منذ ما يفوق نصف قرن من الآن، حيث يصاحب الإنتاج العلمي في هذا المجال المعتبر ويلهم أعمال المؤلفين الرئيسيين (على الرغم من تنوعهم)، وينتشر بواسطة خبراء أوشارحين في الأوساط المهنية المعنية. تطبع الفكر الاتصالي بطبع التفكير التأملي والإنتاج العلمي في أن إنهغالبا ما يتجاوز التمييزات الموجودة بين المباحث أو يصدر عن متخصصين يوجدون في هامشالأصلية. يمفصل الفكر الاتصالي تأملات هؤلاء المتخصصين الجدد وتلك مباحثهم الصادرة عن بعض المهنيين (مهندسو الشبكات إشهاريون، مصممو خدمات الاتصال عن بعد. . إنه فكر مصغ ومتنبهللتغييرات المتدخلة في سياسات الدول والاستراتيجيات المهنية والتقنيات المستغلة ومارساتالفاعلين الاجتماعيين. وبشكل متغاير حسب الدول (إنهمرتبط أكثر بالانشغالات المطبقة مباشرة في الولايات المتحدة، وهو على العموم فكر نقدي أكثرفي أوروبا الغربية على الأقل منذ نشأته). انتشر الفكر الاتصالي علىنطاق واسع متجاوزا حدود المتخصصين لدرجة أنه تحول جزئيا إلى ايديولوجيا، إن الوضع الاعتباري للفكر الاتصالي لا يزال غير واضح بشكل عميق، فهوفينفس الآن منظم لممارسات علمية أو فكرية أو مهنية، وهو استجابة للطلبات الصادرة عن الدولوالمنظمات الكبرى ومدرك للتغيرات الحاصلة داخل هذه المنظمات نفسها، فإنه يوجد في أصل التغييرات أويصاحبها على مستوى الممارسات الثقافية أوصيغ نشرأو اكتساب المعارف إن عدم القدرة على الجسم التي يعتبرها عدد من المهنيين أو الإشهاريينأو المستشارين بمثابة عامل إيجابي، وبوصف الفكر الاتصالي فكرا للحداثة وضع من أجل تسهيل عملية تحديث البنياتالاجتماعية، فإنه غالبا ما يتم اعتباره كحقيقة في حد ذاتها (حتى أن مجرد ذكر الاتصال يكفيأحيانا ليجعل منه نوعا من النبوءة المتحققة ذاتيا)، لكن يتم أحيانا وبشكل متواز انتقاده باسمالدفاع عن الفن أوبسبب نزوعه إلى إنتاج التوافق، كيف يمكن لفكر غير متوافق البتة مع الصيغ والمسلكيات المعروفة على صعيدالفكر العلمي الأكاديمي أن يشكل مصدرا لمقاربات جديدة تريد أن تلم بتغييرات المجتمعاتالمعاصرة؟ يظهر لنا أن هناك ثلاثة مظاهر لهذا الفكر من شأنها أن تضيء هذه المفارقة :صلته الوثيقة بالأعمال الاجتماعية في المجتمعات الصناعية المهيمنة (استراتيجيات سلوكات المستهلكين . عرضانيته، مفصولة بالفعل، على العكس من ذلك، فإن مقاربات واصلة بين حقول مفصولة وتسمح بدراسة التغيرات الحادثة أو الجارية في سيرورة الوساطة لها كامل الوقت لإظهار سدادها؛ قدرته على الإدماج أو بالأحرى الوصل بين إشكاليات منبثقة عن تيارات نظريةمتباينة، بشكل أكثر دقة سنهتم بهذا المظهر الثالث من خلال التمييز، على التوالي بين بين التيارات المؤسسة التي ظهرت في عقود الأربعينيات والخمسينيات والستينيات،