للمعاني قيمة كبرى في الأدب، وفي بعض أنواع الأدب يكون لها أكبر قيمة ككتب التاريخ الأدبية وكتب النقد والحكم والأمثال فالغرض الأول منها ليس هو اللذة وإنما هو المعاني وليست إثارة العواطف فيها بالمنزلة الأولى، وإذ ذاك يجب في أداء هذه المعاني أن تكون: ففي الكتب التاريخية والنقدية وفي الأمثال والحكم يجب أن تعطينا من الحقائق أكثر وأن تستعمل في أدائها أوضح المسالك حتى يسهل وموضع تفصيل هذه المسائل الثلاث وكيفية الوصول إليها أليق بعلم البلاغة وإنما تعد هذه الفروع الثلاثة التي تعتمد أكثر ما يكون على عنصر العقل أدبية بمقدار يختلفون في هذه المقدرة اختلافا كبيرا كاختلافهم في العواطف والخيال، وتكون كأنها تقويم أو أخبار محلية أو مجرد تعداد، تعد أدبًا إنما تعد مادة خامة للأدب، حتى في هذا القسم ليست الحقائق والمعاني فيه قليلة القيمة، وفي الفصول السابقة رأينا أن العواطف إنما تكون صحيحة سليمة إذا كانت - يجب أن يقاس أيضًا إلى درجة كبيرة بما فيه من معان ترتكز عليها وكما قال كارلايل: «إن الشاعر الذي يجلس على العميقة التي تتعلق بحياة الناس وبما للناس من عقائد ونظرات في الحياة في العصور الأدبي تكبر بما فيه من عمق في المعاني وكثرة في الحقائق. ويجب أن يلاحظ أنه في الأدب من هذا النوع ليس من الضروري أن يكون ما فيه من المعاني والحقائق جديدًا كما هو الشأن في العلوم الأخرى، فإنا لا نقرأ كتابا في التاريخ أو في أي علم إذا كنا نعلم ما فيه من قبل. تكون فيه الحقائق التي تضمنتها القطعة الأدبية معروفة، أو نوع الشعور بها وإعمال الخيال فيها حتى تخرج كأنها جديدة، ويهيج بها عواطف الناس، ويجعلهم يشعرون بها أكثر مما كانوا يشعرون من قبل، ولا تكاد تجد كتابًا أدبيًا أسس كله على حقائق جديدة لم تكن معروفة من قبل أو على فإذا حاول الأديب أو الشاعر أن يفعل ذلك لا يمكن أن الأديب أن يجعلنا نشعر بهذه الحقائق لا أن نعلمها، وهذه الحقائق والمعلومات الشائعة هي التي تكون أكثر ما في الأدب من حقائق، وإنه ليعد أديبًا كبيرًا من استطاع أن يجعلنا نشعر بهذه الحقائق شعورًا تاما، مشاعرنا نحو الحياة الإنسانية ويحملنا على العمل على وفقها. واعتبر ذلك في أدبنا قبيل عصرنا فقد كان يكاد يكون خلوا من المعاني القيمة، وكان عماده كله على السجع والمحسنات البديعية، وكان المثل الأعلى له مقامات الحريري، فعد لذلك أدبا تافها قليل القيمة إلى أن رزقه الله بأدباء جدد أطلقوه فعد هذا نهضة قوية، وقُوم الأدب الحديث أكثر مما قُوم الأدب الذي قبله، كأدب المويلحي والمنفلوطي والشيخ على يوسف وأمثالهم. فإذا نحن قارنا بين كتابة ابن إياس في بدائع الزهور أو الجبرتي في تاريخه أو البكري نكاد نقول: إن هناك فرقًا كبيرًا بين كتابات الشيخ محمد عبده في أول عهده بالكتابة الأدبي وهو أن كُتابًا تعلقوا بالنمط القديم فالتزموا السجع أو المزاوجة ومارسوها في التي تُعنى بالمعاني أكثر مما تُعنى بالألفاظ وبالجوهر أكثر دون العرض؛ حد نشترط في هذه المعاني أن تكون حقة وصحيحة؟ كم نشترط في المعاني أن تكون جديدة، وصحيحة بأدق معنى الكلمتين؟ ألسنا نرى كثيرًا من الشعر الراقي أو القصص الراقي قد أسس على نظر إلى الحياة مخطئ أو على آراء باطلة؟ يقول بعض الناقدين: إن المعاني في الشعر لا تقاس بصحتها ولكنها تقاس بمطابقتها لغرض الفن؛ وذلك ككثير من شعر أبي قصيدة ابن سينا العينية التي أسست على أن الإنسان كان في عالم قبل هذا العالم عالما صحيحة من حيث صدق دلالتها على ما شعر به هذان الشاعران. والحق أن ما كان من الأدب غير مؤسس على حقائق صادقة ليس ذا قيمة كبيرة، وما عُدّ منه أدبًا إنما عُدّ أدبًا لاستيفائه عناصر أخرى من عناصر الأدب، وشأن الأدب في هذا شأن كل فن، فنحن لا نقوم القطعة الأدبية قيمة كبيرة ما لم تمثل لنا ناحية حقة من حياتنا الإنسانية وهذا يسلمنا إلى موضوع آخر وهو: إلى أي حد يجب أن يصور الأدب الحياة يجب يخرج ا الأدب كثيرًا عن تصوير حياتنا كما نحياها؟ وهذا السؤال وانقسم الباحثون فيه إلى مذهبين مذهب الواقع ومذهب الكمال، فمذهب الواقع يرى أن الفن إلى تقليد الطبيعة كما أو على الأقل إلى القرب ومذهب الكمال يرى أن الفنان إذا أراد أن يقلد الطبيعة يجب أن لا يقلدها تقليدًا تاماً بل يتصور الكمال فيها ويخرجها إلى الوجود مازحًا فيها الواقع ويخرجها إلى الناس مترجمًا بها عما في نفسه، فهو يرى أن عمل الفن أن يمثل المناظر فالمذهب الكمالي يرى أن الفنان تملكه العاطفة فيحولها إلى قوة عاملة فيمثل الشيء لا كما هو ولكن كما يتخيله كاملًا. وعلى الأساس الثاني وضع بعض الكتاب كتبهم في المدن الفاضلة أو كما يسميه سار العالم على المبدأ الواقعي وحده ما تقدم منذ كان آدم، فالواقعي في الأدب يرى أن حقائق الطبيعة الإنسانية تصور خير تصوير بالأحوال العادية التي تجري بيننا كل يوم لا بالأحوال الشاذة النادرة وغرض الأديب الواقعي أن يخرج لنا صورة الحياة كما نراها ونلحظها في حياتنا المألوفة، وهو يرى أن هذا النوع من الأدب إنما وقصة عنترة فهي تثير ويرى هذا الواقعي | أن الحياة كما نحياها وما فيها من حقائق نجريها ونعلمها هي وأن هناك نوعا من الأدب راقيًا بل يجب أن يفسح له في الخيال فلنبين هذا من المسلم به أن الفن علاقته فالروائي لا بد أن يخرج عن تمثيل الحادث الذي وقع في الخارج تماما إلى شيء من التنقية والتصفية، ليس غرضه أن يخبرك بكنه الأشياء، ولكن غرضه أن ينقل لك ما أثر الشيء في الفنان، وهذا بعينه هو الذي ينطبق على الأدب، فالأديب إذا تعرض لوصف الأعمال أن الأشخاص أو المشاعر لا يصفها كما هي في الخارج بل كما أثرت فيه. بل قد يتأثر كل بناحية فهو لا يخرج الشيء كما هو في الخارج، هي في الواقع، فالأديب يشعر بها ويخرج أثره الفني ممزوجا بهذا الشعور. ولكن ليس كل شيء يفعله الإنسان أو يقوله أو يفكر فيه يصح أن يكون موضوعًا للأدب؛ بالكمال، وبما فيها من شعور وعاطفة تثير مشاعر القارئ أو السامع. ويسبح فيما يوحيه إليه الشيء . وأحيانًا نستعمل كلمة الواقع في مقابلة رومانتيك، أما الرومانتيك فيستمد حقائقه من الغرائب والشواذ وكل أثر من الآثار الأدبية الكبرى فيه الصبغتان، ذلك أنه يكشف الحقائق التي لها قوة على وهذا هو الجانب الكمالي. التي تؤدي إليها ملاحظاتنا في أمانة وإخلاص وهذا هو الجانب الواقعي. فقلّ أن نعد قطعة ذات وبعض من الشعراء يفضل آخرين لأن الأولين أذهب في الكمال، ولا رفعة لعالمهم. ويمثلها كما الأدب (وذلك واضح في الشعر يبدأ بتصوير الواقع ممزوجا بالخرافات والتقاليد، وفوق ذلك استطاع