ٌ أسئلة ٌ متكررة وإجابات ِّ متغيرة ً في أواخر الستينيات من القرن العشرين بدا واضح ٍ ا أن العالم يشهد تحولات عميقةً وهائلة، َ بل إن هناك م ٍ ن اعتقد أن العالم يمر بثورة ُ شاملة. الحركات الأمريكية امل ِدافعة عن الحقوق والاحتجاجات الطلابية في أملانيا والائتلافات بني العمال والطلاب أثناء «خريف إيطاليا الساخن» ١٩٦٩ والحشود املؤيِّ َ دة للديمقراطية في مناطق ٍ غاية في التباين والاختلاف كمدريد وتنامي التيار الكاثوليكي النقدي من أمريكا الجنوبية إلى والبشائر الأولى ملولِّد الحركات النسائية والبيئية، َ السياسة الجديدة لعقد السبعينيات من القرن العشرين؛ قد تطورت دراسة الحركات الاجتماعية، لو أن النقاد قد نعوا في نهاية أربعينيات القرن العشرين «ضحالة املستوى الوصفي للإدراك والغياب النسبي للنظرية» (شتراوس وشك َ وا في ستينيات القرن نفسه أن «الحركات الاجتماعية لم تلق سوى القليل من الاهتمام نسبيٍّا في إطار دراسة التغريات الاجتماعية» (كيليان :١٩٦٤ ٤٢٦)؛ فإن البحث املعني بالفعل الجمعي بات يُ ً عتبر «واحد ً ا من أكثر مجالات علم الاجتماع زخما َّ تحد ُ ث املعلقون عن «انفجار في السنوات العشر الأخرية في الكتابات النظرية والتجريبية التي تتناول الحركات الاجتماعية والفعل الجمعي» (موريس وهرينج :١٩٨٧ ١٣٨؛ فقد صارت دراسة الحركات الاجتماعية مبحثًا راسخ الأركان تُ وتُ غري من أهمية استقراء النشاط الشعبي أو تُ ٍ فإن الحركات الاجتماعية والأنشطة الاحتجاجية، وبوجه ُ أعم امل َّ نظمات السياسية غري ُ املنحازة للأحزاب السياسية الكبرى أو النقابات العمالية؛ الديمقراطيات الغربية، َّ والتحديات الرمزية باعتبارها «غري تقليدية»، بل إن الإشارات املرجعية إلى ما يُطلَق عليه ماير وتارو ١٩٩٨ب). وأشكاله املحددة، بيد أن التوقعات َّ التي رجحت أن موجة الاحتجاج التي شهدتها أواخر ستينيات القرن العشرين سرعان ما واملتمثِّلة في السياسة املستندة إلى ُم ِّ تنو ُ عة تبرز في السنوات الأخرية، ٌ ما فتئت أنماط احتجاجيةٌ بيسينجر ٢٠٠٢؛ جوني ٢٠٠٤). وربما لأول مرة منذ ، ١٩٦٨ بدت موجة الحشود الداعية إلى ما يُ َّسمى بالعوملة ٍّ عاملي ٍ عام؛ وذلك بجمعها بني سمات عادةً ما تُميِّز الحركات الطبقية وخصائص مرتبطة َ بالحركات الاجتماعية الجديدة؛ كالتركيز على قضايا حماية البيئة واملساواة بني الجنسني 16 ٌ متكررة وإجابات ِّ متغرية . دراسة الحركات الاجتماعية: أسئلةٌ ٍ والحق أن ربط مصطلحات مثل «حركة العدالة العاملية» بأطراف ٍ فاعلة َّ موحدة ُوم ً تجانسة سيكون ربط ُ ا مضلًِّلا َّ للغاية؛ الجديدة شديدة التبايُن، فهي تتناول طائفة ا بحقوق الإنسان في البلدان النامية والتدخلات العسكرية من كما أنها تَتناول مثل هذه القضايا بأساليب شتى، َّ متنوعة. إن التعرض ملثل هذه املبادرات بالدراسة الفاحصة هو خري مثال ملا يَعنيه بالفعل َّ إجراء «تحليل للحركات الاجتماعية»؛ في التوصل إلى علاقة الاعتماد املتبادل بينها. ِ بادئ ذي بدء، ُّ باعتبارها تجمًعا من الأفراد الذين يُ ِّعبرون عن آرائهم حيال قضايا معينة، سواءٌ أكانت آراءً لا شك أن ظاهرة العوملة أثارت مخاوف وآمالا غري أن توزع تلك املخاوف والآمال لم يكن متساويًا بني البلدان والبيئات ٍّ على حد فلطاملا أشارت استطلاعات الرأي العام إلى انتشار مخاوف بشأن هذه املخاوف قد تكون منتشرة في أوروبا الغربية أكثر من انتشارها في الولايات املتحدة ً الأمريكية، بل وأوسع انتشار ِ ا في غريهما من البلدان، ِّ ا متشك ًكا، ومن يتبنَّون موقفً َ الصوت من الرأي العام؛ فآراؤهم تتبلو ً ر وتلقى دعما في الحوارات التي تُجرى مع نخبة كاشفني عن تكلفة العولَمة ومثالبها من ٍ منظور غربي/شمالي وكذلك من وجهة نظر شرقية/جنوبية، ومن أمثال هؤلاء الكاتبة أو الصحفي الأسترالي جون أو عالم الاقتصاد الحائز جائزة نوبل جوزيف ستايجلتس. ربما لن يكون من قَبيل 17 الحركات الاجتماعية إلى انتشار الشواغل البيئية وهو ما يَ َ رجع تاريخه إلى عقدي الستينيات والسبعينيات من كثريً ٍ ا ما تتحول الآراء واملخاوف الفردية إلى أشكال متنوعة من املشاركة السياسية ثم سرعان ما تسري الرؤى الكونية الأخلاقية والفلسفية والاعتقادات الراسخة َ امل َّ ظالم ودعم الخيارات البديلة لتسيري الحياة الاجتماعية والنشاط الاقتصادي؛ ومن ثم بفاعلية عن معارضتهم لسيطرة الليبرالية الجديدة على التحولات العاملية. املواطنني في الحملات املناهضة للعولَمة الليبرالية الجديدة؛ وذلك بتوقيع العرائض الداعية َ الأخضر، أو ٍ قون هذا الإسهام عن طريق أفعال ً العامة، وممارساتها في مختلف أنحاء العالم الغربي، وستالي ٢٠٠٣؛ فورنو وشيكاريني تحت الطبع). ورغم كل ما سبق، ً الأفراد تجمعهم رؤ ُ ى وسلوكيات م ً تشابهة؛ لعله ً من املثري للاهتمام أيضا التركيز على سمات الفعاليات التي تعكس الصراعات بني أصحاب إلى جانب الفعاليات التي تجمع الأفراد واملؤسسات املؤيدين لقضية ما؛ وذلك ملناقشة الاستراتيجيات ووضع برامج العمل واستعراض الأجندات. ُ العدالة العاملية تنظيم الفعاليات أو إفساد فعاليات الخصوم، محقِّ 18 على الرأي العام واملشاركني على السواء. قبل معركة سياتل، كانت اللقاءات الدورية التي تَ والتي يُ ُّ حاول املشاركون فيها إفساد التجمعات ٍ املذكورة وجذب الأنظار إلى أجندات َّ بديلة (بودوبنيك ٢٠٠٤). العدالة العاملية من فعاليات، كاملنتدى الاجتماعي الأفريقي الذي عقد دورته الأولى في باماكو َّ الخامس عشر من فبراير عام ٢٠٠٣ شك ُ لت مئات الفعاليات املناهضة للحرب في مختلف إذ نزل مناهضو أنحاء العالم، غزو العراق على امتداد القارات الخمس إلى الشوارع بامللايني (والجريف وروشت تحت ولو انتقلنا إلى الصعيدين الإقليمي واملحلي، تراوحت ما بني تظاهرات تتَّسم بطابع املواجهات وعرض ُّ لتقارير أو تصريحات صحفية، وتؤيد مثل هذه الفعاليات، ً خذ من مناهضة العوملة منهجا لها. في املحلية؛ ٍ نستخدم مصطلح «حركة العدالة العاملية» في أحيان أخرى قاصدين به، ٍ ما تمارس نشاطها على أساس عابر للحدود والقوميات (بايستيدزينسكي وشاخت ٢٠٠١؛ باندي وسميث ٢٠٠٤)، ٍ الطيف السياسي. كان الأمر نفسه يَ ُصدق على النقابات العمالية، واملؤسسات الدينية الحركات الاجتماعية والجمعيات النسائية، الراديكالية املستقلة (التي يُطلق عليها في إيطاليا «املراكز الاجتماعية»)، َّ لكن حملات النقد املوج َّ هة إلى العوملة الليبرالية الجديدة قد تمخ َض ً عنها أيض ٌ ا منظمات تدافع عما يُ َّسمى ضريبة توبني لتقليص املكاسب املالية في سوق الأوراق املالية الدولية؛ يضم مئات من املجموعات في الشمال والجنوب، وهي شبكة في إيطاليا ً لعبه املؤسسات التي لا تحمل طابعا والعدالة الاجتماعية. تجدر بنا الإشارة إلى الدور الذي تَ فانتشار ممارسات التجارة العادلة يُ ِّسه َّ له وجود شبكات موسعة من ٍ جزئة في الدول الغربية، الجمعيات التعاونية وصغار البائعني بالتَّ ٍ ما تحقيق توازن بني الفعل الجمعي القائم على اعتبارات أخلاقية وبني متطلبات السوق، كما أن انتشار شبكات الثقافة املضادة التي تربط الناشطني الراديكاليني من جميع أنحاء تُ ِّقدم البنية التحتية التنظيمية اللازمة لوبيك وريفر ٢٠٠٤؛ أيٍّا كانت سماتها الخاصة، ً تضمن للفعل الجمعي استمراريته، احتماليةُ املشاركة التلقائية واملباشرة دون وساطة، بالإضافة إلى تزويده باملصادر اللازمة لخلق الولاءات ومع إقرارنا بأهمية املؤسسات العاملة في علينا ألا نقع في خطأ الربط بني الحركات واملؤسسات. بحماية البيئة؛ إذ كثريًا ما كانت املؤسسات الكبرى العابرة للحدود والقوميات، مثل السلام الأخضر أو الصندوق العاملي للحياة البرية، أو شبكة أصدقاء الأرض، تعني التركيز أو بعضها على الأقل، وهو الأهم، الاهتمام والأفراد، والفعاليات، الجمعي الأوسع نطاقً لا غرو أنه من املمكن تناولها في إطار كوكبة من الاجتماعية املعقَّ ُّ التساؤلات الفكرية الشديدة التنو ُّ ع، لكن اهتمامنا في هذا الكتاب سينصب على أربع ِحاول ربطها ِّعبر ٍ عنها بصيغة ٍ عامة شاملة، مجموعات من تلك التساؤلات سنُ ً بالقضايا النظرية والعملية الأعم والأشمل التي كانت دافع ُ ا م ً لهما لتحليل الفعل السياسي الشعبي واملقاومة الثقافية منذ ستينيات القرن العشرين. تشري املجموعة الأولى من التساؤلات إلى العلاقة الرابطة بني التغريات والتحولات تعبريًا عن الصراعات؟ وأي نوع من الصراعات؟ هل شهدت الصراعات الرئيسية التي ُّ تتناولها الحركات الاجتماعية أي تغريات؟ وعلى أي نسق سارت تلك التغريات؟ َبر املشكلات الاجتماعية مادةً محتملة للفعل الجمعي؟ كيف تسهم طائفة معيَّنة كيف تُعتَ من الفاعلني الاجتماعيِّني في تنمية حس املشاركة والتطابق والتماهي مع «الذات الجمعية» الذي تَنبثِ ِ ق منه ثقافات الحركة الاجتماعية وقيَ ُمها؟ َّ عنى بتحليل العملية التي تتحول خلالها القيم كيف يُ ٌّ النشاط الاحتجاجي وتكاليفه؟ ما طبيعة الأدوار التي تلعبها كل من الهويات والرموز والعواطف واملنظمات والشبكات في تفسري انطلاق الفعل الجمعي واستمراريته؟ ما الأشكال لطالَ ُ ما طِر ٍ حت تساؤلات بشأن كيفية تأثري سياق ٍّ اجتماعي ٍّ وسياسي وثقافيٍّ َرص النجاح القائمة أمام الحركات الاجتماعية على فُ ما الذي يفسر تفاوت حدة العنف الجمعي وغريه من أنواع ِ التحديات الجمعية املناهضة لأصحاب السلطة وذلك بمرور الزمن؟ هل تُؤثِّر سمات الأنظمة بمرور الوقت، وملاذا تتغري؟ والحركات الاجتماعية، بالفعل؛ إذ لم تشهد تلك الحقبة زيادة في الأنماط الجديدة للمشاركة السياسية فحسب، بل عاصرت تغريًا في قضايا الصراع الرئيسية؛ فقد جرت عادة الحركات الاجتماعية على التركيز في الأساس على قضايا الطبقة العاملة والشعوب. لكن منذ مطلع الستينيات برزت وقد تركز اهتمامها على قضايا مثل تحرير املرأة، وحماية ونحو ذلك من قضايا، ٌ الاحتجاج تطورات ملحوظة في املنهج الذي اعتنقه علماء الاجتماع لتناول تلك التساؤلات، وبات يُنظر إلى أهم النماذج النظرية املتاحة آنَذاك لتفسري الصراع الاجتماعي — النموذج ِ املاركسي والنموذج الوظيفي البنيوي — باعتبارها قاصرةً كثريًا ما اعتمد الباحثون في أوروبا على الفكر املاركسي لتفسري املوجة الجديدة من الاحتجاجات التي واجهوها، كما أن تَ ُ عاظم فرص الحصول على التعليم الجامعي أو ٍ الدخول الجماعي للنساء إلى سوق العمل خلق احتمالات ِب َ نيوية جديدة للصراع، املثال. لو ألقينا نظرةً عابرة على عقد الستينيات، فلن يسعنا إلا أن نلاحظ كثريًا من الفاعلني ُ امل ِ نخر ِ طني في تلك الصراعات (الشباب، والنساء، والفئات املَهنية الجديدة) لم تَ وهي الصراعات التي شك ِّ لت املكون الرئيسي من مكونات الانقسامات السياسية داخل املجتمعات الصناعية (روكان ١٩٧٠؛ الشكوك املحيطة باستمرار بقاء الطبقة العاملة في املجتمع ما بعد الصناعي هي السبب َّ الوحيد الذي قو َّ ض مكانة التفسريات املاركسية؛ إذ تعرض املنطق الذي يقوم عليه النموذج ٌ متكررة وإجابات ِّ متغرية . دراسة الحركات الاجتماعية: أسئلةٌ فقد رفض النقاد العنصر الحتمي الراسخ في املأثورات املاركسية: ُ الإيمان بأن تطور الصراعات الاجتماعية والسياسية مشروط بمستوى تطور قوى الإنتاج علاوةً على ذلك، ٍ (ذات الحضور القوي بوجه خاص بني أصحاب الفكر املاركسي التقليدي) إلى إنكار كثرة ٍ القضايا والصراعات داخل الحركات الحقيقية وإلى الاستعاضة عنها بصور غري مألوفة ُ ع بم ًستو ٍ ى عال من القدرة الاستراتيجية ُمتجانسة تتمتَّ انظر على سبيل املثال تورين ، ً باعتباره سلوكا يُصاحب الأزمات، وبناء على تلك النظرة التي تَختزل الظواهر الجمعية َّ إلى مجموعة من السلوكيات الفردية، الحركات الاجتماعية بأنها تجسيد ملشاعر الحرمان التي يَشعر بها بعض الأفراد بالنسبة َّ التوقعات الخائبة. أو الحرب الأهلية الأمريكية، أو حركة الأمريكيِّني السود، ٍ عة لفترات من الرفاه الاقتصادي والآمال املتزايدة على نطاق عاملي جور ١٩٧٠). ً أيضا بانتشار املجتمعات الجماهريية؛ لقد أوجدت العزلة ً والاستبعاد أفرادا محدودي املوارد الفكرية واملهنية والسياسية، أو أيٍّ ُّ ا مما سبق، وهم أشد عرضةً ُ للانجذاب إلى دعوات الحركات املناهضة للديمقراطية املنتمية إلى طرفي النقيض من يمني ويسار. َ لقد صادفَ الناجمة عن التحولات الاجتماعية املتسارعة للغاية. من شأن السلوك الجمعي أن يكشف عن 23 ُّ ق السياسية والرؤى ِ السلوكيات الجمعية — كالطوائف الدينية والجمعيات السرية والفَر ً ى مزدوجا؛ فهي الاقتصادية اليوتوبية — في أوقات التحولات السريعة الواسعة النطاق معنً من جانب، من جانب آخر، الاجتماعي، ٍ خذها قواعد لبناء أسس جديدة للتضامن الجمعي. ُ مجموعة من املعتقَدات املشتركة يتَّ ِ ا للبنية الاجتماعية قد يُسهل بروز التي تعني أن نسقً ا معينً وهو ما يَعني أن على الأقل، َّ ر واملشكلات؛ و«نمو الاعتقادات املعممة وانتشارها»، ً مصدرا للتوت وهو الدور الذي تلعبه هيئات الضبط الاجتماعي وغريها من الأطراف ً الفاعلة في رسم ملامح تطور الفعل الجمعي وأشكاله (سميلزر ١٩٦٢؛ انظر أيضا كروسلي ٢٠٠٢ الفصل الثاني). يعتقد بعض الباحثني أنه من املؤسف أن بحث سميلزر ارتبط في نهاية الأمر بأزمة فبالرغم من مشكلاته، ً النموذج الوظيفي ارتباطا وثيقً َعامل لاحقً ٍ لربط عمليات ُم ِختلفة، كانت ستُ َ على قواعد راسخة (كروسلي :٢٠٠٢ ٥٣–٥٥)، َّ السنوات التي أعقبت نشر كتاب سميلزر أدى إلى تصنيفه تحت مجموعة أوسع من املناهج التي كانت تَ ُ نظ ِ ر إلى الحركات الاجتماعية باعتبارها ردود فعل محضة للأزمات الاجتماعية، َ ا للانتقادات نفسها. ُ ونتيجة مترتِّبة على سوء الإدماج، َّ تبلورت الانتقادات املوج َ هة إلى املنهجني املاركسي والوظيفي في ضوء التساؤلات الأربعة التي طرحناها سلفً ا. دراسة الحركات الاجتماعية: أسئلةٌ الحركات الجديدة؟ بالنظر إلى املكانة التي احتلَّها الفكر املاركسي في املناقشات الفكرية الأوروبية، ليس من ُ امل َ ستغر ً ب أن كانت العلوم الاجتماعية الأوروبية هي الأكثر حرصا على تفسري صعود حركات َ عقد َّ ي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين من خلال التناول الصريح بالنقد َ والتحليل للنماذج املاركسية املستخدمة في تفسري الصراعات الاجتماعية، ُّ ة بتشكل الوعي الطبقي (أو الطبقات في َّ ذاتها). مما لا شك ً فيه أن إدراك تلك املشكلات لم يكن مقصور ِ ا على الباحثني العاكفني على َ دراسة الحركات الجديدة؛ ٍّ توضيح عملية خلق الفاعل الجمعي، في تحد ُّ للفكرة الشائعة القائلة بالتحول شبه التلقائي للضغوط البنيوية في السلوك الواعي (تومبسون ١٩٦٣). َّ لقد أسهم الباحثون ممن لهم صلة بما يُطلق عليه منهج «الحركات الاجتماعية َّ املاركسية في كثري من الأحيان. لقد أجمع باحثو الحركات الجديدة على أن الصراع بني الطبقات الصناعية تتضاءل أهميته، ٍّ أن تصوير الحركات كمباحث متشابهة إلى حد كبري لم يَ ُع ً د أمرا ممكنً ً ا ولا معقولا، إلا أن ثمة اختلافات بينها في التركيز على إمكانية تعريف الصراع املركزي الجديد الذي من شأنه أن يُميِّز نموذج املجتمع الناشئ، واملعروف أحيانًا باسم «ما بعد الصناعي» وهو أحد الدعاة ً رين لهذا املنهج، املؤثِّ َ ا للنظام، وإنما هي القوى املركزية التي تتصارع فيما ً الاجتماعية ليست رفضا هامشيٍّ بينها في سبيل السيطرة على إنتاج املجتمع في ذاته والفعل الذي تُ ِّ سبيل تشكيل الوقائع التاريخية [بتعبري آخر املنظومة الشاملة للمعاني التي تحدد القواعد يذهب تورين إلى أنه في املجتمعات الصناعية، ُح ُّل طبقات اجتماعية جديدة محل الطبقة ِ الرأسمالية والطبقة العاملة كالفاعِلني الرئيسيِّني في الصراع الاجتماعي. َّ والحركات الجديدة قد أك ً ده أيضا عالم الاجتماع الأملاني كلاوس أوف (١٩٨٥) في ثمانينيات ِّكون موقفً ا نقديٍّا جوهريٍّ ً ا قائما على التحليل يرى كلاوس أن الحركات تُ ُ السياسي حيال املنظومة السياسية والديمقراطية النيابية ذات الطابع التمثيلي، متحديةً استحدثت الحركات الجديدة، من الأفكار، من أهمها الأيديولوجية النقدية فيما يتعلَّق بالحداثة والتقدم، والهياكل ُ املؤسسية اللامركزية القائمة على املشاركة، والدفاع عن التضام َ ن املتبادل بني الأفراد ضد البريوقراطيات العظمى، ُ املجتمعات املَبرَمجة تلك التي قدمها ألبريتو ميلوتشي (، ١٩٨٩ ١٩٩٦). استعان وذلك ليَ ِصف تَ بينما تتطلَّ ً ب في الوقت نفسه تكاملا أوثق يَ ِعتقد ميلوتشي أن الحركات الاجتماعية الجديدة محاولةً استرداد حق الأفراد ُّ في تحديد هوياتهم وتقرير حياتهم الخاصة والعاطفية في مواجهة قبضة النظام الشاملة ُ امل َّ تغلغلة في كل جوانب الحياة. يرى ميلوتشي أن الحركات الاجتماعية َّ ا للحركة العمالية، لا تقصر طموحها على السعي وراء املكاسب املادية، الجديدة، خلافً ولا يُطالب الفاعلون بل يَ ً بذلون جهد ٍّ ا خاصا ُّ ملقاومة توسع التدخل السياسي والإداري في شئون الحياة اليومية والدفاع عن الاستقلالية أدرك أوف (١٩٩٠) ما للفعل السياسي دراسة الحركات الاجتماعية: أسئلةٌ ثم وج ً ه ميولتشي اهتمام ً ا متزايدا بالآليات التي ١٩٨٩ فيما يخص هذه النقطة انظر بارتولوميو وماير ١٩٩٢)، بل وذهب َ ميلوتشي إلى ما أبعد ِم َّ ن ذلك، فصرح بأن الجدل القائم حول «حداثة» الحركات املعاصرة ُعد له أهمية (انظر، ١٩٩٤ بادئ ذي بدء، ِ هذا املنهج النظر إلى العوامل الب ِّ نيوية املحد ً دة للاحتجاجات، معيدا النظر في أهمية الصراع، لقد ُ وباملقارنة باملاركسيني، ِعتبر نفسها ذات صلة في الأساس بمنظومة الإنتاج. ُعد تَ ميهيو ١٩٩٥). فإن الاهتمام ِ بالعلاقة بني الب ً نية الاجتماعية والفعل الجمعي ليس مقصورا على هذا املنظور بأي حال َ لي الفعل الج َّ معي ممن لا يَزالون ِلهم كثريً ُ ا من محلِّ لافاليت وموني ٢٠٠٠؛ لقد حاول الباحثون، ٍ رين على نطاق واسع بنظرية «النظام العاملي» لإيمانويل والرستني (، ١٩٧٤ ٢٠٠٤)، ٍ ا لإعادة الهيكلة الاقتصادية على نطاق عاملي ومن ١٩٩٩ الفصل الثالث؛ 27 والتي أعقبت إعادة الهيكلة الاقتصادية على املستوى من املتوقع أن يؤدي الإخفاق العاملي، ٍ عات الطبقة العاملة املنتمية إلى البلدان النامية إلى تأجيج موجة جديدة ُّ ِ للقوى العاملة وطابعها الع ً رقي الأكثر وضوحا؛ أريجي وسيلفر ١٩٩٩). يبدو أن مثل هذه الحجج تدعمها الأهمية املتنامية ملفهوم «العدالة ٍ العاملية» كقضية محورية (أندريتا وديلا بورتا وموسكا ورايتر ، ٢٠٠٢ ٢٠٠٣)، ً ع، الحركات الاجتماعية، ِ تحقيق التقارب في الأطر والبنى املؤسسية مع نظرياتها في الشطر الشمالي، وقد صاحب ُ كأمريكا اللاتينية والشرق الأقصى) واملعتنقة ملنهج أنطونيو جرامشي في كثري من الأحيان، مؤكدةً دور الهيمنة الثقافية. الجماهريي تلك املرتبطة باسم مانويل كاستيلز (، في مرحلة مبكرة من أبحاثه، في تشكيل إدراكنا لنشأة الحركات الاجتماعية الحضرية؛ وذلك بتسليط الضوء على أهمية العمليات الاستهلاكية (وبخاصة الاستهلاك الجمعي للخدمات فالباحثون امل ِ نخرطون في تحليل العادات ُ استعانوا بر ٍ ؤى بورديو لاستكشاف أمثلة َّ محددة للصراعات السياسية، مع التركيز على ُ دلالاتها الثقافية في إطار امليادين املحددة التي يَنتمي إليها الأفراد. 28 ُ إلى ما هو أبعد من املصالح الاقتصادية، ً تابع ُ ا للاحتياجات والرغبات امل َستم ُ دة من القيم واملعايري املميِّزة لثقافات (أو مجالات) من هذا املنطلق، بل معقول ومبرَّر (بورديو :١٩٨٠ الرئيسية عن التطبُّ ً ع والبنية والوكالة، ُّ الر ُ ؤى امل َ ستقاة من املناهج الأوروبية والأمريكية التي تبلورت عبر السنوات. ِّ كان من أهم الانتقادات التي وجهت إلى نظرية الحركات الاجتماعية الجديدة أنها ٍ اتخذت من سمات معينة، لم تكن جديدة بالضرورة ولا قابلة للتعميم، خصائص أساسية ومن أمثلة تلك السمات أصول الناشطني التي تعود إلى أو الأشكال التنظيمية امل َّفككة (دانريي وإرنست وكري ١٩٩٠؛ كالهون روتس ١٩٩٢؛ روديج ١٩٩٠؛ كوبمانس ١٩٩٥؛ ديلا بورتا ١٩٩٦أ: َّ الفصل الأول). إن ِ املناهج الب ِ نيوية في العموم ع َ يب ً عليها أيضا إخفاقها في تحديد الآليات ِ نطبق ِ على علماء مثل أوف ِّ أو كاستيلز، ممن لا ينصب اهتمامهم على العمليات الصغرية أو املتوسطة. مهما يكن من أمر، فلا بد من اعتبار املناهج املطروحة ٍ نحو ُ مباشر بظهور الفعل الجماعي وتطوره قد تناولتها تقاليد ٍ فكرية أخرى على نحو ً أكثر إقناعا. 2-1) كيف نُقيِّ ٍ م القضايا باعتبارها موضوعات جديرة باملناقشة ً والفاعلني باعتبارهم أطرافا جديرة بالفعل الجماعي؟ ُّ ظواهر على قدر من التنوع مثل الحشود، ونوبات الهلع، 29 الحركات الاجتماعية وصيحات املوضة، فمن ناحية، رغم أن كثريً َّ ا منهم عر َ فوا الحركات كظواهر َّ هادفة، ً مزيدا من الاهتمام إلى الديناميكيات غري املتوقَّ ً عة — كردود الأفعال الدائرية — بدلا من َّ التركيز على الاستراتيجيات املؤسسية املتعم ٍ دة، الاستراتيجيات التي وضعتها ٌ أطراف فاعلة. فإن الفرضية القائلة بأن تلقائيٍّ ُ ا إنما هي تختزل الفعل الجمعي إلى م َّجر ٍ د حشد مختلط من السلوكيات الفردية؛ كالحركات الاجتماعية أو الثورات. الاهتمام من تحفيز الأفراد إلى دراسة أفعالهم امللحوظة. أكد مؤسسو هذا املنهج — ومن بينهم روبرت إي بارك وإرنست دبليو برجس — أن الظواهر الجمعية ليست مجرد انعكاس للأزمات الاجتماعية، ِنت ً ج أشكالا جديدة من التضامن الاجتماعي، كما نظروا إلى الحركات الاجتماعية باعتبارها قوةً دافعة إلى التغيري،